لماذا لم ولن تتدخل الصين وتدعم إيران

ولماذا لا تحاكي الصين سلوك الهيمنة العالمية الأمريكي؟


مع اشتداد الحرب الإقليمية في الشرق الأوسط خلال الأيام الأخيرة، وامتداد أثرها إلى عموم الإقليم ودول العالم، برز تساؤل مشروع: أين الصين من كل ذلك؟

ولا بدّ أن الموقف الصيني من هذه الحرب يبدو معقدًا لكل من أراد تحليله؛ فمن جهة اعتمادها في واردات الطاقة على مضيق هرمز عالٍ، وعمّقت خلال السنين الماضية شراكتها مع إيران، ولكنها في الوقت ذاته تهتم بالشراكات الاقتصادية مع الدول الخليجية. وهل يمكن في الأصل تصوّر انتشار صيني في المنطقة شبيه بانتشار ندّها الأمريكي؟

تفكك مقالة العدد هذا الموقف المعقد والمهم في الآن نفسه، وتسعى للإجابة عن هذه الأسئلة.

قراءة ماتعة.

عمر العمران


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

لماذا لم ولن تتدخل الصين وتدعم إيران

د. محمد السديري

العلاقة الصينية - الإيرانية كانت -ولا تزال- محط كثير من النقاشات عن طبيعتها وسياقها. وفي ظل الحرب الحالية، تتكاثر سرديات أن الضربة الأمريكية - الإسرائيلية على طهران هي في الحقيقة موجهة إلى بكين (والتحالف الأوراسي الأكبر الذي يضم روسيا وشمال كوريا)، وأن انهيار الجمهورية الإسلامية سيكون بمثابة «ضربة» للصين ومصالحها (تكملة لسياسة «الخنق» الأمريكية ضدها بعد التدخل في فنزويلا «الموالية» للصين)، وأن هذا كله سيقوي الموقف الأمريكي (بعد «هدنة» قمة بوسان في أكتوبر 2025) في المحادثات التجارية المرتقبة مع الصينيين في باريس منتصف هذا الشهر، والزيارة الرسمية للرئيس دونالد ترمب إلى الصين المتوقعة في نهاية مارس وبداية أبريل.

تنبثق هذه السرديات من عدة قراءات متشابكة تعكس التفكير الأمريكي (أو من على هواه):

  • أولًا: الرؤية الجيواستراتيجية التي تنظر إلى إيران (والشرق الأوسط) على أنها جزء من رقعة شطرنج في التنافس الصيني والأمريكي الكوني. هناك عامل جغرافي في قلب هذه الرؤية، وهو أن غرب آسيا مفتاح أساسي لإنجاح مبادرات الربط المتضاربة (من الحزام والطريق إلى الممر الاقتصادي) وبشكل أكثر محورية، لتحقيق الفكرة الماكندرية القديمة: «من يهيمن على الجزيرة الكبرى -أوراسيا- يتسيد العالم». إطلالة إيران على ممر هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من النفط والغاز الطبيعي (المسال)، ناهيك عن أهميتها (وإن اضمحلت) كونها منتِجًا للطاقة، تزيد من أهمية هذا الجانب الجغرافي. 

  • ثانيًا: بناءً على هذه الرؤية الجيواستراتيجية، تريد الصين المحافظة على نفوذها في إيران، ولهذا لم تتردد في لعب دور «المنقذ» للنظام الإيراني في السنوات الماضية. ويتجلى هذا في فكرة أن الشراكة الاستراتيجية الموقعة في 2021، والمفعلة على مدى 25 عامًا، لها جوانب اقتصادية وعسكرية جوهرية تصبو نحو تحديث قدرات النظام الإيراني وتدعيمها في مواجهة الضغوط (والهجمات) الأمريكية وتفادي العقوبات. وفي هذا الجانب، ننتبه إلى تزايد الأخبار المطّرد، منذ حرب الاثني عشر يومًا في السنة الماضية (والحالية)، بأن بكين على شفا أن تمد طهران بشبكة دفاع جوي حديثة، ومواد لبناء صواريخ متطورة جديدة، وحتى دعم مالي، وغيرها من المساعدات. من زاوية أخرى، هذا الاعتماد الإيراني على الصين، الذي يمكن وصفه بالمفرط (إذ تمثل وجهة 90% من الصادرات النفطية، أي نحو 1.3 - 1.7 مليون برميل يوميًّا، و30% من التجارة الخارجية الكلية للبلاد) كان أحد العوامل التي دعمت -برأيي- التوجه السعودي لتوقيع اتفاق بكين في 2023، على أساس أن الصين تستطيع التأثير في إيران ولعب دور وسيط مُجدٍ أكثر من أي قوة عظمى أخرى. 

  • ثالثًا: أن هناك توافقًا أيديولوجيًّا (إلى حدٍّ ما) بين الصينيين والإيرانيين، من منحى أن كليهما من حضارات دولتية (civilization - states) مشرقية مستاءة من الهيمنة الغربية ويطمحان إلى إزالتها (وكتاب جون قارفر الكلاسيكي «الصين وإيران: شريكان قديمان في عالم ما بعد الإمبريالية» (China and Iran: Ancient Partners in a Post-Imperial World) يتحدث عن هذا الجانب). ولهذا هناك تعاطف وجودي بين الطرفين له أبعاد تاريخية، فبحسب مرويات كتابي «سلالة التانق»، لجأ الأمير بيروز -ولد يزدجرد الثالث، آخر الملوك الساسانيين الفرس- إلى البلاط الإمبراطوري في تشانق آن وطلب المساعدة ضد الفتح العربي لمملكته. 

هذه القراءات الثلاث -إذا سلمنا بصحتها- تطرح عدة أسئلة منطقية: هل ستتدخل الصين؟ ومتى؟ وكيف؟

برأيي، هناك تهويل -نابع ربما من الهوس الأمريكي بصراع القوى- لطبيعة العلاقة الصينية - الإيرانية، إذ لا توجد في الواقع ديناميكيات تحالفية بين الطرفين؛ بمعنى أن الحديث عن دعم صيني محوري لإيران في أثناء هذه الحرب وقبلها، وخارج نطاقات ضيقة ومحددة تتبع النمط السائد منذ العقدين الماضيين (منافذ لتفادي العقوبات وشراء النفط الإيراني، وبيع مواد قد تستخدم في تصنيع الأسلحة الباليستية والدرونز… إلخ)، هو ضرب من المبالغة. 

نلمس هذا الحياد في الخطاب الرسمي الصيني: وزير الخارجية، وانق يي، لم يندد بأمريكا وإسرائيل في مداخلاته (المتحدث الرسمي ندد بالطرفين بصورة مبطنة بعد مقتل آية الله خامنئي)، ولكنه تحدث عن أهمية حماية السيادة الوطنية لإيران والدول الخليجية، وإيجاد حلول إقليمية تعتمد على القانون الدولي. هذا الخطاب الرسمي، عدا أنه ربما يحاول تفادي تأجيج المشكلات مع الولايات المتحدة قبل زيارة ترمب، (وهذا يدل على سلم الأولويات عند بكين)، يتماشى مع القراءة الدارجة في الصين، التي ترى منطقة الشرق الأوسط مسرحًا ثانويًّا (أو هامشيًّا) للاستراتيجية الصينية. وقد تحدثت عن ذلك مطولًا في كتابي: «سرديات المستقبل الصيني الشرق أوسطي» (Narratives of Sino-Middle Eastern Futures).

قد يبدو ذلك مفاجئًا للبعض، ولكنه منطقي، إذ إن السياق الاستراتيجي الصيني متمركز حول المناطق المحاذية لها: سلسلة الجزر الأولى (التي تضم تايوان) في شرق آسيا وبحر الصين الجنوبي في جنوب شرق آسيا. وكما ذكر أحد المحللين في مقابلة مع إحدى الصحف، فإن الصين متخوفة من الحرب الباكستانية - الأفغانية الجارية أكثر من الحرب في منطقتنا. هناك ترحيب واستيعاب بين الأوساط التحليلية الصينية لكون الشرق الأوسط، عمومًا، منطقة تمتص قوى الولايات المتحدة وبذلك تبعدها عن مواجهة الصين. ولكن هذه السردية قديمة نسبيًّا، وترجع إلى بدايات الألفين مع الغزو الأمريكي للعراق، فلا جديد تحت الشمس من هذه الناحية ولا حاجة (في تقدير بكين) إلى أن تستنفد كثيرًا من الجهد في تشجيع الأمريكيين للالتزام بهذا التوجه. 

قد يأتي البعض ويقول إن للصين مصالح حيوية في منطقتنا، متمثلة في ثقلها الاقتصادي، فهي الشريك التجاري الأكبر لجميع الدول على ضفتي الخليج، وتستورد نحو 45 - 55% من الهيدروكربونات من هناك. ولها جالية كبيرة، بحدود النصف مليون، متمركزة في الإمارات العربية المتحدة (مع وجود متزايد في السعودية)، مقرونة بنمو في الاستثمارات على مدى السنوات الأخيرة. هذا كله يوحي بأن للصين قدرة على لعب دور مفصلي في الصراع الحالي، ولكن هناك حاجة إلى وضع الأمور في سياقها الصحيح: الثقل الاقتصادي هذا يضعف من القراءة الدارجة عن وجود ميل صيني إلى إيران، إذ إن مصالحها (كميًّا) مع الدول العربية الخليجية أكبر بكثير مما يجمعها مع إيران، التي تعتمد عليها وليس العكس، وهي لا ترغب في النهاية أن ترى أي مخاطر مباشرة تهدد إمداداتها من الطاقة وأمن جالياتها واستثماراتها هناك (ميناء الدقم الذي ضربته إيران يُعدّ مركزًا صناعيًّا ولوجستيًّا صينيًّا كبيرًا). وينبغي التذكير هنا بأن فتح القاعدة الملاحية الصينية في جيبوتي عام 2017 كان مرتبطًا ارتباطًا كبيرًا مع المشاكل التي واجهتها الصين عند إجلاء جالياتها من ليبيا في 2013 واليمن 2015. 

وهذا الثقل لا يعني -تبعًا- أن الصين ستدخل بوصفها لاعبًا مؤثرًا لإنهاء الحرب لحماية هذه المصالح. بلا شك ستكون تداعيات إقفال مضيق هرمز كارثية على الاقتصاد العالمي كلما طالت هذه الحرب، والصين ليست بمنأى. ولكن هناك أمرين ينبغي أخذهما في الحسبان: 

أولًا، الصين لها احترازات متعلقة بأمن الطاقة (وهو مربط الفرس)؛ لديها مخزون استراتيجي يتراوح بين 1.1 و1.5 مليار برميل يكفي لما لا يقل عن ثلاثة شهور للاستهلاك. وقد أصدرت الحكومة الصينية قبل أيام تعميمًا للمصافي بمنع تصدير منتجاتها إلى خارج الصين. هذه الاحترازات يجب أن تُقرن بتوجه عامٍّ ومتسارع منذ سنوات للانتقال نحو الطاقة المتجددة (وكهربة المواصلات والصناعات). وبلا شك ستكون هذه الحرب، بغض النظر عن نتائجها، دافعًا إلى تعميق هذا التحول وتسريعه، (وتجلي ذلك في محتوى الخطة الخمسية الخامسة عشرة). كل هذا يعني أن للصين «متنفسًا» ومساحة للمناورة على أمل أن تهدأ الأوضاع بعد عدة أسابيع من الآن. 

ثانيًا، التعامل الصيني مع إقفال المضيق سيكون براغماتيًّا، وربما سيحاكي ما حصل مع مضيق باب المندب، حيث وصلت بكين إلى تفاهمات مع الحوثيين سمحت بمرور السفن الصينية دون أي مشكلات على مدى السنوات الماضية. أتوقع أن يحدث شيء مشابه في مضيق هرمز إذا استمر الوضع على ما هو عليه. وهناك بوادر لحصول ذلك مع تزايد أعداد السفن التي تقرن نفسها مع الصين. في الواقع، قد يكون هذا مدخلًا مناسبًا لدول الخليج لتوظيف الصين وسيطًا مع إيران، للوصول إلى تفاهمات براغماتية تحيد أي تهديد مباشر للبنية التحتية للهيدروكربونات وممرات التصدير، وقد يكون هذا أفضل «تفعيل» لاتفاق بكين الذي كان منذ البداية على أرضية هشة بناءً على محدودية قدرة الصين على لعب دور «الضامن»، ولكن هنا على الأقل نتحدث عن شبكة من المصالح الواضحة التي تسمح بظهور مثل هذا التفاهم. 

ببساطة، وبما يتعلق بمنطقتنا، لا أعتقد -بغض النظر عما سيحدث من السيناريوهات المختلفة- أن الصين ستخالف النهج المعهود؛ مثلما تعاملت مع إيران الشاهنشاهية ومن ثم الخمينية (ينسى البعض أن خليفة ماو المؤقت، هوا قوفينق، زار طهران في الشهور الأخيرة قبل الثورة) وباعت السلاح لإيران والعراق في أثناء حربهما الطويلة، ستتعامل وتتاجر مع جميع الأطراف، وستبحث عن مصالحها الضيقة. وهنا أرى مثلًا أن أي تفاهم لحماية بنية الطاقة ولوجستياتها قد يأتي مع ضغوط حقيقية لقبول بيع الصادرات باليوان.


كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭

مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨

موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!

هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗

التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁


*تعبّر المقالات عن آراء كتابها، ولا تمثل بالضرورة رأي ثمانية.

نشرة الصفحة الأخيرة
نشرة الصفحة الأخيرة
أسبوعية، الثلاثاء منثمانيةثمانية

مساحة رأي أسبوعية تواكب قضايا اليوم بمقالات ولقاءات تحليلية في مختلف المجالات، لتمنحك فرصة استكشاف الأحداث وتكوين رأي تجاهها.

+10 متابع في آخر 7 أيام