نظام صوتي لا يوجد إلا في المسجد الحرام

في سياق من ثمانية

في فترة سابقة انصرفت اهتماماتي البحثية للقراءة في عمارة الحرمين الشريفين؛ لاستكشاف تصميمها وتوسيعاتها وفهم طريقة إدارتها، بكل تفاصيلها المعقدة التي لا ندركها عادة. ومن هنا، تولَّدت ملاحظة هذه السياقة، ففي كل مرة أصلي فيها بالحرم المكي، وأستمع لأصوات أئمته، أفكر في مساحة الحرم الشاسعة، والكمية الكبيرة من الرخام والبلاط المنتشر بين مبانيه، الذي يتسبب بدوره في حدوث صدًى للصوت. ورغم ذلك، فإن صوت الإمام يكون مسموعًا على نحوٍ جيد ومريح للمصلين على اختلاف مواقعهم، فكيف يحدث ذلك؟ وكيف صُمِّم الصوت في الحرم المكي؟

وللإجابة عن هذا السؤال كان عليّ أن أعود خطوةً للوراء لفهم الحرم، الذي وصفه لي أحد المختصين بأنه من أعقد وأصعب البيئات الصوتية بالعالم! إلا أن الهندسة لعبت دورًا حاسمًا في تحسين بيئته الصوتية.

عبر تصميم عدة طبقات تمثل المراحل التي يمر بها الصوت، انطلاقًا من المنطقة التي يصلي فيها الإمام، فيلتقط النظام صوته ويحوله إلى تيَّار كهربائي يسير في الأسلاك بسرعة ثابتة وعالية، ليصل إلى جميع السماعات مهما كانت بعيدة في اللحظة نفسها. ولكن المساحة الشاسعة للحرم، وتعدد السماعات فيه، تسبَّب في مشكلة: فالصوت عند خروجه من السماعات يسير بسرعة بطيئة وغير ثابتة -خلافًا لسرعة التيار الكهربائي- فهي تزيد وتنقص وفقًا للمسافة بين المستمع والسماعة؛ ولذا يصل الصوت للمستمع من السماعات القريبة منه أسرع من البعيدة، مما يُحدث صدًى وتشويشًا للصوت.

وهنا ظهر الحل الأمثل لهذه المشكلة عبر تقنية التأخير الزمني، إذ يؤخر مهندس الصوت توقيت بث السماعات القريبة بمقدار زمني دقيق، ليصل صوتها متزامنًا مع صوت السماعات البعيدة، فيشعر المستمع بأن الصوت قادم من مصدر واحد متزامن وواضح.

هذه السياقة هي خلاصة بحث مستفيض في علم الصوتيات المعمارية، ومكالمات مطولة مع المختصين الذين عاصروا النظام الصوتي في الحرم بمختلف مراحله، شهدوا خلالها تحديات عديدة، وحلولًا تقنية مختلفة، وصولًا لتلك المستخدمة في الحرم اليوم، الذي يتفرد بها عن مباني العالم.

سياق
سياق
منثمانيةثمانية

نتقاطع مع كثير من المفاهيم والظواهر يوميًّا؛ فتولّد أسئلة تحتاج إلى إجابة، وفي «سياق»، نضع هذه الأسئلة في سياقها الصحيح.