اللص الرقمي الذي يسرق خشوعي 📿

زائد: لماذا تزداد طيبتنا وقت الأزمات؟

لماذا في وقت الأزمات، يميل الناس إلى التصرف بطيبة؟

يقول أستاذ علم النفس والأعصاب في جامعة فيرجينيا، جم كوان، أنَّ الأزمة تقوي أواصر المجتمع في أصعب اللحظات لأنَّ الطيبة تصبح وسيلة نجاة للكل

تصور مثلًا الوضع لدى ركوب الطائرة: في مكان ضيق حيث التوتر مرتفع، وفي رحلة طويلة قد تمتد سبع ساعات، يميل الركاب إلى مساعدة بعضهم في حمل الحقائب، ولن يتذمر أحد إذا ارتطم رأسه بسقف الكابينة في أثناء فسحه المجال لراكب آخر للدخول، وقد يحتمل بكاء الأطفال أو حركتهم الزائدة. 

الغريب أننا نحتمل هذا الوضع مع أناس غرباء تمامًا وبطيب خاطر، بينما قد لا نحتمله تحت ظروف مريحة ومع أناس نعرفهم. ولو تصرف الناس بطبيعتهم الأقل صبرًا وطيبة في الطائرة، لشقَّت الرحلة على الجميع أضعافًا مضاعفة. وهكذا الحال في الأزمات، إذ يقول كوان:

«عندما تقع كارثة فورية وحادَّة، تُظهِر الأدلة الغامرة حول العالم، وعبر مختلف الثقافات، أن الناس يصبحون فجأةً النسخة الأمثل من شخصياتهم. وسترى الناس تتحول غريزيًّا ودونما تفكير مسبق إلى أشخاص ألطف وأكثر تعاونًا، بل وقد يؤثرون غيرهم على أنفسهم.»

فشكرًا لك على كل مرة أظهرت فيها الطيبة نحو الآخرين، سواء في السراء أو الضراء. ❤️

إيمان أسعد


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

اللص الرقمي الذي يسرق خشوعي 📿

حسن الحسين

في غمرة السكينة التي تسبغها صلاة المغرب، وأنا أميل للركوع مستحضرًا هيبته، باغتني نبضٌ باردٌ ومفاجئ في معصمي الأيسر. لم يكن مجرد اهتزاز عابر، بل رجفة رقمية تسللت برودتها إلى العظم؛ لتخبرني ساعتي الذكية بقدوم إشعار جديد. قاومت فضول الالتفات إليها، ولم أستجِب للنداء الصامت، لكن سيل الأفكار كان قد اخترق حصون خلوتي بالفعل: هل هو طارئ يخص زوجتي؟ بريد عمل لا يحتمل التأجيل؟ أم موعد سقط سهوًا من الذاكرة؟

كافحت لاسترداد زمام خشوعي المبدد، ورددت أذكار الركوع مرارًا، غير أنها تحولت على لساني إلى حروفٍ جوفاء وأصداء خالية من الروح. استحالت الصلاة في تلك اللحظة من مناجاة شفافة إلى مجرد أداء ميكانيكي بارد لحركات جوارحية مجردة.

ثانية أو ثانيتان من النبض الإلكتروني، كانتا كفيلتين بتمزيق ستار الطمأنينة واختطاف ذهني، رغم امتناعي التام عن الاستجابة الجسدية لهما. وما إن سلَّمت من صلاتي حتى سارعت إلى هاتفي لأكتشف هوية هذا «الطارئ الحاسم»، فإذا هو بريد ترويجي لخصومات رمضانية من متجر إلكتروني لا أذكر حتى متى اشتركت في قائمته!

هذا الإعلان الهامشي.. هو اللص الذي سطا على خشوعي وأفسد صلاتي!

إن الله سبحانه وتعالى يخبرنا في سورة العنكبوت: «إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ»، وواضح لدينا أن أحد أهم سبل تحقيق هذا الهدف للصلاة -وهو حتمًا واحدٌ من كثير- هو أن تخشع فيها وتتوجَّه إليها بكامل قواك العقلية والجسدية والروحية. حتى إذا تجاوب جسدك وعقلك مع مضامينها العميقة، صار أيْسر علينا أن ننأى عن الفحشاء والمنكر لأنه نتيجة طبيعية للصلاة.

في لحظتها استحضرتُ قيمة الصيام والدروس الجمَّة التي نتعلمها من مدرسة الصيام. بدهيٌّ لدينا أننا لا نصوم عن الأكل والشرب فقط، وإنما نصوم عن الكذب والغيبة والنميمة والفواحش وعن كل ما لا يرضي الله سبحانه. وهذا هو الواجب. بل إننا نصوم عن كل ما يلهينا عن التوجه إلى الله، وعن كل ما يجرُّنا إلى الدنيا ويعلقنا بها. فمن أهداف الصيام أنه يزرع فينا إرادةً قوية صلبة لا تتزحزح، وقدرة تحكُّم بالنفس لا تنفك. إذن ينبغي أن يكون صيامًا عن الأجهزة والسوشال ميديا وضوضائها.

فلا تختلف الأجهزة اليوم عما كان يلهي أجدادنا من قبل. كانت لديهم أسواق تلهيهم، أما اليوم فالوضع أسوأ بكثير؛ إذ إن التاجر يلحقك في جيبك في كل مكان، بل ويتغلغل إلى أعمق قناة اتصال روحية بينك وبين ربك كي يقطعها. إن الصلاة في الواقع شكل من أشكال الصوم؛ فهي صوم عن ملهيات الدنيا. ولكن، كيف يمكننا أن ننقطع عن الدنيا والدنيا معلَّقة في معاصم أيادينا؟ تتبع نبض قلوبنا، وجاهزة لتقطع صلواتنا في أي لحظة!

يُفترض من الأجهزة أن توفِّر أوقاتنا أو جهدنا، بل وحتى انتباهنا. فعلى سبيل المثال، باستخدامي الساعة الذكية، أعرف ما إذا كان الإشعار الفلاني مهمًّا أو لا. وفي أغلب الأحيان أراه ولا أفتح الجوال؛ الشيء الذي يقيني من الوقوع في فخِّ فتح تطبيقٍ ما «بالغلط»، والانجرار خلف الخوارزميات المهندسة بإحكام لإبقائي على جوالي أطول فترة ممكنة. وهذه فائدة حقيقية كبيرة جدًّا لاستخدام الجهاز؛ هي فعليًّا وفَّرت جهدي وانتباهي إلى أشياء أهم، لكن هذا ليس الحال دومًا مثلما رأينا في مقدمة كلامي. 

فحتى إن كان الجوال على الوضع «الصامت»، وقد كان كذلك في وقتها، لم يغنِني عن التشتت شيء؛ لأن الجهاز سوف يهتز. بل حتى إن لم يهتز، فقد تفقد تركيزك وخشوعك في صلاتك لمجرد وجود جهاز ذكي عندك!

تشير بعض الإحصائيات إلى أن مستخدم الجوال الذكي يتلقى في المتوسط أكثر من 146 إشعارًا في اليوم، أي بمعدل إشعار واحد على الأقل كل عشر دقائق. إذ تثبت دراسة وجود ما يسمى بـ«رواسب الانتباه» (Attention Residue)، وهو بقاء جزء غير هيِّن من الانتباه إلى المهمة الثانوية (B) التي قاطعت المهمة الأساسية (A)، حتى بعد الفراغ من المهمة الثانوية والعودة للعمل على المهمة الأساسية. وهذا هو بالضبط ما حدث معي في أثناء الصلاة. حاولت جاهدًا أن أرجع وأركِّز فيها، إلا أن بقايا الأسئلة السابقة ترسبت في ذهني  لأنها بقيت أسئلة غير مجاب عنها.

وهنا يكمن الفخ. فالدراسة لا تخبرنا فقط أننا نتشتت، بل تخبرنا أننا نجرُّ ذيول مهامنا السابقة إلى سجادة الصلاة. إن ذهنك الذي كان يتصفح البريد قبل دقيقة، لم يغادر البريد فعليًّا حين كبَّرت للإحرام، بل ترك هناك وديعة انتباه ترفض العودة إليك.

نحن لا نصلِّي بقلوبٍ كاملة، بل بـ«فتات انتباه» خلَّفته لنا الخوارزميات. وما ذاك الاهتزاز في المعصم إلا القشة التي قصمت ظهر تركيزٍ كان مهزوزًا بالأصل. إننا نتوهَّم أننا نملك قرار الخشوع بمجرد إغلاق الشاشة، بينما الحقيقة أن عقولنا تعمل بنظام «الخلفية المستمرة»؛ تظل الأسئلة المعلقة، والردود المتأخرة، وإشعارات المتاجر، تسبح في دمائنا وتنازعنا ركوعنا وسجودنا.

إن الصلاة تستغرق بالكثير عشر دقائق. إحصائيًّا، إشعارٌ واحد من الـ146 كافٍ لأن يقطع خشوعك ويخرب صلاتك. وما إن تفقد هذا التركيز فسيصعب عليك الرجوع إليه.

إن الصوم الرقمي اليوم أصعب بكثير من الصوم عن الأكل والشرب. إننا اليوم في غرفٍ مترفة بالبرودة والراحة ووفرة الأكل وقت الإفطار، بالإضافة إلى أن كل الأنظمة والسياسات حولنا تستجيب لشهر الصيام؛ مثل تخفيف أو تأخير ساعات الدوام الرسمية وغيرها. أما بالنسبة للصوم الرقمي، فأجهزتنا تلحقنا في كل مكان، بل إننا نرتديها أحيانًا، مثل حالتي مع الساعة الذكية، وهي مع ذلك غير مرئية لأنها أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الحياة. فمن الطبيعي جدًّا أننا ننغمس فيها من حيث لا نشعر، خصوصًا أنها مصممة خصيصًا لهذا الغرض.

كما أثبتت دراسات نفسية وجود ما يشبه بالهلوسات أو الوهم لوصول إشعارٍ ما أو حصول اهتزاز وهمي للجوال لمن يستخدم الأجهزة الذكية، فقط لمجرد وجود الجوال عندهم، لا أن الجهاز اهتز فعليًّا. وسمَّت هذه الظاهرة «متلازمة الاهتزاز الوهمي» (Phantom Vibration Syndrome). وتشير الدراسة إلى أن ما يقارب 78% من العينة المدروسة قد شعروا بها فعلًا. بل إن دراسة أخرى وجدت ما يقارب 89% من الناس شعروا بالاهتزاز الوهمي لمجرد وجود جهاز ذكي عندهم.

بالطبع توجد حلول سريعة وسهلة لمثل هذه المشكلات. فمثلًا أصبح عندي وضع «عدم الإزعاج» (Do Not Disturb) شيئًا أساسيًّا إذا هممت إلى الصلاة؛ حيث لا الساعة ولا الجوال يبعثان لي إشعارات في أثناء العبادة. لكن هذه مجرد ضمادة على الجرح، لا حلًّا جذريًّا لأساس المشكلة. المشكلة الحقيقية ليست في «وصول» الإشعار، بل في «انتظاره». لقد تحولت عقولنا إلى رادارات ترصد العدم، وحين نضع الجوال على الصامت، نحن لا نُسكت الضجيج، بل ننقل المعركة إلى الداخل، حيث تترقب أرواحنا اهتزازًا قد لا يأتي، لكنه كافٍ لزعزعة وقوفنا بين يدي الله.

لقد أدركت أن الصوم الرقمي في رمضان ليس مجرد كفٍّ عن الشاشات، بل هو استردادٌ لسيادتنا على أنفسنا. الصلاة هي المساحة الوحيدة التي يُفترض أن نكون فيها غير متاحين لأحد سوى الخالق، فكيف سمحنا للعالم أن يقتحم سجدتنا بخصومات تجارية؟!

لذا، لن يكون رهاني هذا العام على «إعدادات الجهاز»، بل على «إعدادات الروح». سأتحلل من قيد المعصم لأستعيد حرية القلب. ففي اللحظة التي نتحرر فيها من أجهزتنا، نبدأ أخيرًا بالاتصال.. الاتصال الحقيقي الذي لا يحتاج إلى شبكة، بل إلى نيَّةٍ صافية لا يشاركنا فيها شريك.



ادّخر بذكاء من كل عملية شراء 🧠

كل ريال تنفقه يمكن أن يصنع فرقًا في مستقبلك المالي.

«ادخار سمارت» من stc Bank حساب ادّخاري يعطيك 4% أرباح سنوية وتقدر تسحب فلوسك بأي وقت!

ادّخر اليوم، واستثمر في غدك مع «ادخار سمارت».



نشرة أها!
نشرة أها!
يومية، من الأحد إلى الخميس منثمانيةثمانية

نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.

+20 متابع في آخر 7 أيام