ماذا تناول شهريار وهو يصغي لشهرزاد؟ 🍽

زائد: حوار نشرة إلخ مع أمل الفاران 📚

منذ بداية هذه السنة، أعيش في موجات متتالية من القلق والخوف، وهو شعور لم أعتده منذ فترة طويلة. بدأ الأمر عندما تعرّض المغرب إلى عدة  أعاصير وضعت البلاد والعباد في خطر كبير. كنت أتابع النشرات الإنذارية بقلق، وأصارع الأرق وأنا أرصد حركة الوادي المجاور لمنزلي، وأتأمل السقف الذي يأويني تحت وطأة الرياح والأمطار الغزيرة. كانت أيامًا عصيبة، لم أستطِع تجاوزها إلا بإحساس عميق باليقين أن لهذه البلاد ربًّا يحميها، وبالاستغفار الذي كان ملاذي الدائم.

ظننت أنني تخطيت تلك المشاعر، حتى تلقيت مكالمة من صديقتي البحرينية تخبرني أن الحرب بدأت، وتشاركني قلقها بعد دويّ صافرات الإنذار. ومنذ تلك اللحظة، والتلفزيون وإشعارات الجوال يتقاذفان الأخبار، وتتردد الاتصالات والرسائل بيني وبين أصدقائي في دول الخليج والأردن. عاد القلق من جديد، ولكن عاد معه إيمان ويقين بأن الأمور ستكون بخير بإذن الله.

حمى الله دول الخليج وسائر البلاد العربية. 

إيمان العزوزي


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

ماذا تناول شهريار وهو يصغي لشهرزاد؟ 🍽

محمد عبدالجواد

لطالما آمنت أن القراءة فعل تأمُّل في التفاصيل، لذلك لا أكتب هذا المقال بحثًا عن إجابات محددة، ولكن لأشارك القرّاء بعضًا من هذه التأملات. رافقتني رواية «دراكولا» منذ طفولتي، وقد قرأتها عشر مرات منذ ذلك الحين. كان أول لقاء لي مع أسطورة مصاص الدماء في سن العاشرة، عبر سلسلة «ما وراء الطبيعة» للراحل أحمد خالد توفيق، ومن هناك بدأت رحلتي مع مختلف النسخ المترجمة وصولًا إلى النص الإنقليزي الأصلي. ومع كل قراءة، تتجدد صورة الكونت في مخيلتي، تارة رجلًا وسيمًا وحليق الوجه كما تخيلته في صغري، وتارة أخرى بملامح قاسية؛ أنف ناتئ وجبهة ضيّقة وشارب كثيف، أشبه بملامح فلاد المخوزق، الحاكم الروماني الذي استلهم منه برام ستوكر شخصيته الأسطورية.

نسخة رواية «دراكولا» من منزل محمد عبدالجواد
نسخة رواية «دراكولا» من منزل محمد عبدالجواد

من خلال قراءاتي المتتالية لهذا العمل الذي أصبحتُ ملمًّا به، استوقفني حضور الطعام فيه. ففي مطلع الرواية، نصادف شخصية «جوناثان هاركر»، الموثِّق الذي يسافر من لندن إلى ترانسلفانيا لإتمام صفقة شراء بيت للكونت، فنراه يذكر الطعام ثلاث مرات، في دلالة يصعب عدّها مصادفة.

لن أحصر كل الوجبات التي ورد ذكرها في «دراكولا»، بل سأدوِّن لحظة التوقف التي باغتتني لأول مرة. كأن تسع قراءات سريعة لم تكن كافية، حتى جاءت العاشرة لتجعلني ألتفت إلى ذكر الأطباق بأسمائها وتفاصيلها. يصف «هاركر» المذاقات بعناية، ثم يسجّل ملاحظة عابرة يؤكد فيها حاجته إلى تدوين الوصفات ليشاركها مع خطيبته «مينا»، المرأة التي سيقع «دراكولا» في حبها لاحقًا. عند هذه النقطة، وجدت نفسي أفتح قوقل، باحثًا عن اسم الوجبات، وأدوِّنها، كأنني بهذا أكمل ما بدأه «هاركر» ولم يتممه، لأن الرواية ستسلك به طريقًا مأساويًّا، يفرّ فيه من الطعام البشري.

يذكر «هاركر»، في مطلع الرواية، أنه تناول طبقًا من الدجاج المطهو بالفلفل الأحمر أو البابريكا، وعندما استفسر من نادل الفندق عن اسم الوجبة، أجابه بأنها (paprika hendl)، موضحًا أنها طبق قومي في رومانيا. بعد البحث، تبين أن اسمها الحالي «دجاج البابريكاش»، وهو طبق مجَري شهير يُحضَّر من الدجاج، ويُطهى إلى أن يصبح طريًّا للغاية، ثم يُغمر في صلصلة البابريكا. يشبه هذا الطبق إلى حد ما «دجاج الماسالا» الهندي. وتتنوع البابريكا، كما ذكرت بعض المصادر، بين المدُخَّنة أو العادية حسب الرغبة.

تُذكر، في موضع آخر، وجبة إفطار تعرف بـ«الماماليقا»، وهي طبق شهير في رومانيا وبلدان شرق أوربّا. يبدو الاسم متصلًا، إلا أنه يُنطق مقسّمًا (ماما - لي - قا)، ما يوحي، في ظني، بمعنًى أمومي يرتبط بالطعام البسيط المناسب لإفطار طفل. فهي عبارة عن ذُرة حلوة مهروسة ومطهوّة بالزبدة، وقد تناولها «هاركر» إلى جانب وجبة أخرى هي «إمبلتاتا»؛ باذنجان مشطور إلى نصفين يُحشى بقطع لحم وطماطم ومكونات أخرى، ويُطهى في الفرن.

وعندما بلغ «هاركر» قلعة «دراكولا» الموحشة، استقبله الكونت بوجبة دسمة تليق بعناء السفر الطويل، مكونة من دجاج مشوي مع قليل من الجبن، وزجاجة نبيذ أبيض روماني. لم يدوّن «هاركر» اسم الطبق هذه المرة؛ ربما لأن رهبة الكونت منعته من السؤال كما اعتاد أن يفعل مع النُدل والعاملين في الفنادق. تناول الطعام وحيدًا، إذ إن «دراكولا» لا يشارك البشر موائدهم؛ فغذاؤه هو الدم! السائل الذي يشبه النبيذ في لونه وقوامه.

وفي المسيحية، النبيذ رمز لدم المسيح، دم الخلاص والتطهر، بينما دماء الأحياء التي ينهل منها مصاصو الدماء هي دم الدنس والخلود الأرضي. هكذا يتجلى البعد الطقسي في المشهد، ويبرز شعور الوحدة الذي يحيط بـ«هاركر»، حتى إنه يغفل عن كتابة ملاحظته المعتادة: «أدوّنها لاحقًا لـ"مينا"». بعد ذلك ينقطع الحديث عن الطعام، لأن الموثق يتعاطى مع الرعب، ومن المعروف أن آخر ما قد يفكر فيه الخائف هو الأكل.

وقت قراءة الرواية، كنت أتناول قطعة جُبن قورقونزولا، وهو نوع مشتق من الجُبن الأزرق الريكفورد الشهير، لكنه نوع إيطالي أكثر حدة، ورائحته لا تُطاق، لأجد برام ستوكر يضع أمامي ثلاث وجبات سال لها ريقي. دوّنت الوصفات من قوقل، وتخيلت وصفة الكونت، وفوجئت، وبكثير من السعادة، أن الوجبات المذكورة قد خُلّدت بفضل هذه الرواية، وقد عدّها البعض وجبات تناسب أجواء الرعب واحتفالات الهالوين. وقد ارتسمت في خيالي، وفمي غارق في مذاق القورقونزولا، صورةُ برام ستوكر نفسه: رجل ممتلئ، بملامح أيرلندية، ووجه أحمر موفور الصحة. وتصورت أن تلك الوجبات رافقته بالفعل في أثناء انشغاله بكتابة الرواية.

لا ترتبط الكتابة بالضيق أو القلق كما يروِّج البعض. ربما كان همنقواي مثالًا صارخًا للمعاناة في أثناء الكتابة، لكن ماركيز، عرّابي اللاتيني الأثير، لطالما ردّد أن الكتابة تتطلب جوًّا مريحًا؛ أدوات جيدة ومالًا وفيرًا. وإن لم يذكر الطعام صراحة، فهو رفيق الوفرة، وهو ما يتجلى بوضوح في رواياته. فـ«خريف البطريرك» على سبيل المثال، التي تصور دكتاتورًا لاتينيًّا مرعبًا، تزينت مائدتها بشتى الأطباق، مأكولات لاتينية مختلفة لم تستثنِ حتى السحالي. وقد عرفتُ «السانكوتشو» الكولومبية، الشوربة الغنية باللحم والخضراوات، لأول مرة من خلال روايات ماركيز، مثل روايته الخالدة «مئة عام من العزلة». ومنذ ذاك الحين وأنا أبحث عن الشوربة، وحين وقعت عليها سنة 2021، في مقهى كولومبي متخصص في الزمالك بالقاهرة، صرخت من فرط السعادة في وجه النادلة الكولومبية: السانكوتشو! 

فأجابت بابتسامة: نعم، أحلى وجبة في العالم، يعدّها كل شخص بطريقته وبما يتوفر في السوق!.

تحدثت الفتاة، التي تنتمي إلى مقاطعة بارنكيّا التي ينتمي إليها ماركيز، عنه وعن أسرته كما نتحدث نحن عن جيراننا، بالبساطة ذاتها، وذكرت حبّه للطعام الساخن والسمك. هكذا كان ماركيز يتناول حساء السانكوتشو، مستمتعًا بمذاقه، ثم ناقلًا هذا المذاق إلى قرّائه، تمامًا كما أدرج مشروب الشوكولاتة الساخنة المحببة لدى الأب العجوز، وحلوى راهبات دير سانتا كلارا الرافضات للحب في روايته «عن الحب وشياطين أخرى»، واللافت أنه جعل تناول العنب حد الاختناق رمزًا للموت قهرًا على المحبوب، كأن الحب يشبه عنبًا حلو المذاق متى أفرطنا في تناوله اختنقنا.

وعندما خضت الرحلة لأول مرة مع «عوليس» رائعة جيمس جويس، ورافقت «بلوم» في شوارع دبلن، لفت نظري ذكره لكُلى الخنزير بوصفها وجبة يقطع لأجلها الطريق! يفضّلها «بلوم» مطهوة في شحمها، ويتناولها على الفطور. فطور دسم، تمامًا كما أُحب، فعادة ما أفطرُ دسمًا أو لا أفطر أبدًا. لا أفضل الأطباق الخفيفة التي تملأ البطن بلا طائل، وخير أيامي هي تلك التي أفطر فيها قطعة كُلى أو قلبًا بقريًّا. هكذا استهوتني قطعة الكُلى في «عوليس»، ونزلت ليلتها وابتعت قطعة كُلى بقرية وأعددتها ببعض الشحم مع فلفل وزبدة، وتناولتها لأشعر أنني «عوليسيٌّ» بالفعل.

محمد عبدالجواد
محمد عبدالجواد

لنعُد قليلًا إلى الخلف، إلى زمن شكسبير ومطابخ إنقلترا في القرنين السادس عشر والسابع عشر. بلغ افتتاني بشكسبير حدًّا جعلني أتقمّص هيئته في الخيال، مستعينًا بالذكاء الاصطناعي، وأبحث بجدّية عن أوجه التشابه بيننا. نعم، يجب أن يكون الكاتب طموحًا إلى هذه الدرجة المُخزية، فهو نفسه كان يفتّش عن صوته في كتابات مارلو الذي سبقه وتأثر به. اكتشفت أن الرجل كان أيضًا محبًّا للطّعام؛ وهذا ما يشي به امتلاء وجه التمثال الذي يعلو قبره وصوره المنتشرة، ما جعلني أتعامل بامتنان مع امتلاء جسدي، ما دمت بهذا أقترب أكثر من شكسبير وعالمه الذي يحتفي بالطعام واللذّة.

في هذا العالم، عثرت على كعكة الفراولة المفضلة لديّ منذ الطفولة وحتى اليوم، وورد ذكرها في مسرحيّة «الليلة الثانية عشرة»، والقواقع التي ظهرت في «كما تحب»، وذكّرتني بما تناولته ذات مرة في مراكش، حين نصحتني سيدة مغربية بَشوشة بشوربة القواقع بعد أن رأتني أسعل: «عليك بشوربتها!، ومرحبًا بك في المغرب». 

قراءة رفقة كعكة الفراولة 
قراءة رفقة كعكة الفراولة 

وهناك أيضًا حلوى الليمون الشبيهة بالكعك، التي ذُكرت في «زوجات وندسور»، والسلَطة التي ظهرت في الجزء الأول من «هنري الرابع». تلك السلَطة، الشائعة في زمن الملكة إليزابيث، أي زمن كتابة المسرحيّة، تشبه إلى حد بعيد السلَطة الخضراء المعاصرة مع لمسة من العسل، الوصفة التي تعدّها زوجتي بطريقتها الخاصة. وهذا تشابه آخر، صغير وحميمي، يربطني بشكسبير. وتكرار ذكر الحلوى ليس دليلًا على أن عزيزي ويليام كان رائق المزاج ويفضّل الحلو على الأطباق المالحة، ولكن لأن الناس في تلك الفترة آمنوا بفوائد السكر الصحية، ولعل هذا ما قضى على أغلبهم مبكرًا. 

لا يمكن حصر جميع الأطباق في الأدب، فلكلّ كاتب مطبخه الخاص الذي يبدع فيه بأسلوب لا يشبه غيره. أدركت أهمية وجود هذه المطابخ، خاصة بعد تنبيهٍ من قارئ مُحب؛ فقد ذكرتُ في روايتي «الواقعة الخاصة بأموات أهله»، الجبن الأزرق وربطته بـ«أمينة الرز». وقد كتب الناقد السعودي فواز عبدالمحسن العبّاد عن الرواية ذاكرًا أنه حين توقف أمام رفّ الجبن الأزرق في إحدى الأسواق الكبرى تذكّر فورًا شخصية «أمينة». تمامًا كما أتوقف أنا أمام وجبة ذكرها كاتب ما، لأنها تربطني بعالمه. 

غلاف رواية «الواقعة الخاصة بأموات أهله»
غلاف رواية «الواقعة الخاصة بأموات أهله»

في روايتي القادمة، بإذن الله، سيكون هناك حضور مفرط للوجبات الشعبية. والمفاجأة التي أبوح بها لك أيها القارئ العزيز: لم أذكر شيئًا لم أتذوّقه بنفسي. قد يبدو هذا الإفصاح مقلقًا، وربما يحمل وصمة، لكنه في جوهره محاولة اكتشاف عالمٍ كامل عبر المذاق. قطعة طعام واحدة قادرة على أن تمنح الكلمة معنى، وتُلبس الشخصيات لحمًا ودمًا ورائحة ولسانًا تتحدث به.

في «الصداقة كما رواها علي علي»، كان الكباب عشاء محبة بين صديقين، يتقاسمان اللحم المشوي الدسم. فما الذي يمكن أن يملكه رسام شعبي وكاسح مجارير وجبةً احتفاليةً غير ذلك؟ أما الأوريو، تلك الحلوى بالشوكولاتة، فقد غدا رمزًا لهشاشة «حمادة أوريو»، بطل «عودة ثانية للابن الضال». والسمك، بأنواعه، هو البحر الذي تسكنه «أميرة البحار».

وأتساءل في خاتمة هذا المقال، الذي تمنيت لو استفضت فيه، عمّا تناوله «شهريار» وهو يصغي لحكايات «شهرزاد»؟ تُصوّرهما الرسوم وعناقيد العنب وسلال الفاكهة تتوسط مجلسهما، وهذا لا يوافق هواي. لم يجمعهما طعام أو مائدة بالمعنى الحرفي؛ فالسلطان لم يكن يشتهي الطعام بقدر ما كان يشتهي الحنان. لقد تذوّق طعم الخيانة من زوجته الأولى، فجاءت «شهرزاد» لتُداويه بطعم الحكايات. جلس يتذوّق القصص، وهكذا استردّت حياتها. وهذا هو الأمر كله: القصص.


حوار نشرة إلخ مع أمل الفاران 📚

بعض مؤلفات أمل الفاران
بعض مؤلفات أمل الفاران

أمل الفاران قاصّة وروائية سعودية، حاصلة على جائزة الشارقة للإبداع العربي عن روايتها الأولى «روحها الموشومة به». تميزت أعمالها باستلهام الذاكرة الصحراوية والاشتغال على فضاء القرية النجدية. ومن أبرز رواياتها «غواصو الأحقاف» التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب. في هذا الحوار نقترب أكثر من تجربتها الإبداعية.

أمل الفاران، كيف جئتِ إلى الكتابة؟

الحياة يا صديقتي مدهشة؛ بأناسها، وبخياراتهم، وبدوافع هذه الخيارات، وبمآلاتها ومآلاتهم. وعليّ أن أعبّر عن روعة ما أراه، وتصادف أن الأداة التي وُهبتها هي الكتابة. كتبت وأنا طفلة، أمثّل مشاهد مع شقيقاتي في ألعابنا في البيت، ثم بعثت إلى الصحف بعض الخواطر. بعد فترة سطّرت بعض الكلام المقفّى الذي حسبته شعرًا، ثم وصلت إلى القصة.

والقصة دنيا من الخيارات اللامتناهية، تبتلع كل ما أقذف في جوفها وتقول هل من مزيد! ومن خلالها جرّبت اللغة الشعرية واللغة المتقشّفة، جرّبت قوالب اجتماعية، وتاريخية، وبوليسية (إلى حد ما)، وما زلت أجرّب وأفشل.

لأكون صادقة معك، فأشدّ ما فشلت فيه هو أكثر ما يثير إعجابي. أتهيّب (الواقعية السحرية)، وأعتقد أنه لو امتلكنا واقعيتنا السحرية العربية فيجب أن تكون شيئًا بين تكاذيب الأعراب، وسِيَر الأبطال الشعبية، ونهج ألف ليلة وليلة، والمقامات. وقد حاولت في كل ما كتبت تكثيف حضور المنامات، والنبوءات، وحكايات الجن والسحر، وتقاليد الأساليب الشفاهية في السرد. وكل مرة أخذل توقعاتي قبل الكتابة، وهذا يشجعني لأجرب مجددًا. في «بنت عطشة»، حاولت مع حكاية الطائرة التي تحيّي «فهدة» كلما مرت بالبلدة أمورًا ولم أنجح، وحاولت وخططت لأمر يتعلق بالسحر مع «الشنقوح» أو مع «مرضي» ولم أقدر.. ربما في العمل القادم.

«بنت عطشة» آخر أعمالك الأدبية، هل كان صوت الطفلة وسيلةً لقول ما لا يستطيع الكبار قوله؟

لست متأكدة، أنا أجرّب نفس الفضاء في كل أعمالي؛ بلدة صغيرة تتأرجح بين ماضٍ انقضى، وحاضر يتشكّل ولم تتضح صورته بعد. وقد جربتها في «روحها الموشومة به» بلسان شابة عشرينية، ثم في «كائنات من طرب» برصد أثر كارثة عائلية في جميع أفرادها، ثم في «غواصو الأحقاف» بصورة بانورامية تتناول أحياء البلدة وأهلها ومَن يعود إليها ومن يخرج منها.

في «حجرة» عُدت أضيّق المساحة لأكون في بيت واحد مع شابة أقرب للذهان أو حتى الفصام. وها أنا في «بنت عطشة» أجرّب الطفلة، وأظن أنها فرضت نفسها عليّ، مذ رأيتها قائمة تصلّي صلاة الخنافس؛ بنت تؤمّ الأولاد لصلاة عجيبة! لأتتبع خطواتها في عالم البلدة من زاوية لن يراها الكبار، ولو رأوها فسيقرؤونها في سياقات ترسّخت لديهم عبر سنوات، وسيكون لها معنى أحادي من لحظة اصطيادها.

لا تحمل بطلة «بنت عطشة» اسمًا خاصًّا، بل تُنسب إلى أمٍّ كان حضورها أقل داخل النص. ما سر هذا الاختيار؟

مع كل الاعتذار لروميو شكسبير فالاسم يعني كل شيء. لا أتخيل قصيدة ديلان توماس تحصل في قرية أخرى غير «Llaerggub hill»، ذلك الاسم غير المألوف لقرية متخيَّلة، الذي لو فككته لن تحصلي إلا على انعدام القيمة، وهذا يوسع القرية ويجعلها كأي مكان آخر في عالمنا. تخيلي اسمًا لبطل «لوليتا» غير «همبرت همبرت»! الاسم ذو الجذر الأوربي العريق الذي قال عنه نابوكوف إنه اسم ملكي، لكنه في الرواية اسم بغيض لشخصية بغيضة!

أهتم بالأسماء للغاية في رواياتي وقصصي وكل ما أكتبه، أعرف أن الاسم يعني كثيرًا. 

في «غواصو الأحقاف»، سميت زوجة «جابر» «خفرة»، الصغيرة التي تستعجل الكِبَر، والتي ليس فيها من الخفر شيء مذ قررت استعجال التنبؤ بزوجها المستقبلي في طقس رغيف الحلم. بينما سميت أختها «بتلا»، لأنها، وإن كانت ستتزوج، لن ترتبط بحب حياتها وسيحتفظ قلبها بعذريّته. وعلى سيرة العذرية، فقد فضّلت تسمية بطلة «حجرة» «مريم»، التي سيصيبها حلم الزواج ربما بالجنون! وستموت عذراء. قد تكون هذه ألعابًا بائسةً نمارسها -نحن الكتاب- ولا ينشغل بها القارئ طويلًا، لكنها تعني لبعضنا كثيرًا. ومع «بنت عطشة»، كنت أرتجف كلما أردت اختيار اسم لها، أما اسم الأم فقد كان واضحًا منذ البداية؛ فهي «عطشة» المتعطشة للحب والأمان، وستورث كل هذا التعطش للبنت!

ما الهاجس الذي دفعكِ إلى خوض تجربة الكتابة الدرامية؟ وهل غيّر نجاح مسلسل «الزاهرية» علاقتكِ بالسرد؟

ببساطة، الدافع لكتابة الدراما دافع ماديّ، لأستطيع أن أتنفس وأكتب الروايات والقصص دون الانشغال بهمِّ تسديد فواتيري. ومع ذلك، فقد كانت لـ«الزاهرية» حكاية مضحكة، مثلما دخلت الرواية بالصدفة حين كتبت على مقاعد الدراسة الجامعية «روحها الموشومة به» معتقدةً أني أكتب قصة طالت جدًّا! 

ففي نهاية عام 2017 (أظن)، كان لدى (MBC) مشروع طموح في طور التشكّل لاستقطاب الكتّاب السعوديين (كتّاب القصة والرواية) لكتابة الدراما، ووصلتني الدعوة على أن نبدأ دورة قصيرة بعد أسبوعين. وافقت مبتسمة ومستغربة. تأجل الموعد شهرين، ولأن بذرة الفكرة انغرست في دماغي قررت أن أجرب قبل أن أتلقى أي معرفة. بدأت كتابة «الزاهرية»، أنهيت مسودتها الأولى قبل انعقاد الدورة القصيرة. بعدها عدت أشتغل على المسودة وأعرضها على منتجين، ومع كل رفضٍ أنقّحها.

أعاد كثيرون نجاح «الزاهرية» إلى حكايتها البسيطة والإنسانية. أما أنا فقد علّمتني التجربة كثيرًا، وجلبت لي عروض كتابة درامية متجددة. على الضفة الأخرى، أشعر أن كتابة الدراما غيّرت قليلًا في أسلوب سردي، ربما من المبكر تحديد الأثر، لكني أرى بوضوح اختلاف «حجرة» و«بنت عطشة» عما سبقهما من أعمال.

كتبتِ في المقال، والقصة القصيرة، والنوفيلا، والرواية.. في أي قالب تجد الفاران نفسها؟

القصة القصيرة، أحبها أكثر. كانت هي البداية، ولا يزال الرضا الذي تمنحني إيّاه لا يقارَن بأي شعور آخر.

تأخذين وقتك بين إصدار أدبي وآخر، لكنك لا تتوقفين عن الكتابة.. هل الكتابة ضرورة حياة بالنسبة إلى الفاران؟

الدافع الإبداعي معقد، ومن ثَم فكل الأسباب الداعية للكتابة صحيحة. وقد اختصرها أستاذنا ماركيز حين قال: «عشت لأروي»، فلا معنى لحياته كاملة لو لم يكتب. غالى رفيقُ حرفٍ في الأمر قديمًا حين باح لي في رسالة طويلة قائلًا: «الكتابة نزيف عافيتي»، لكن ستجدين هذا القول شائعًا لدى الكتّاب.

هل تعودين إلى التجربة الشخصية في كتاباتك؟

سأقتبس لكاتبة أحبها، قالت في تقديم مجموعتها القصصية الأولى: «بعض من الأوجه تصطفق بين جوانحي.. أُظهرها معترفةً بأني ما حاولت أن أرسمني وما قصدت أن أموّهني.. بعض تلك الأوجه -ربما- أنا لو كنت عشت حياة آخرين، وبعضها لغيري لو كانوا مرّوا في دروب أجوس خلالها.»

أنا هنا أقتبس نفسي؛ بهذا النص مهّدت لمجموعة «وحدي في البيت» المنشورة عام 1999.

وربما أقتبس لكاتبة أخرى أحبها أيضًا، هي ثريا العريض في قصيدتها: «كلهن أنا»، كلهن وكلهم أنا بشكل أو آخر، إن لم أمزج روحي بالشخصية فلن أصدّقها ولن أستمتع بكتابتها ولن يحبها المتلقي. البراعة في أن يكون كل هؤلاء أنا، وألا نكون متطابقين!

هل تشتغل أمل الفاران على عمل جديد؟

هناك دائمًا مشروع مفتوح قد لا يكتمل. الحقيقة، ببالي فكرة مجموعة قصصية يكون ثمة خيط يربط كل قصصها. عمل مثل «ماركوفالدو» لإيتالو كالفينو ببطله الواحد في مواقع مختلفة، أو مثل «كاسر الندى» لإدويج دانتيكا بأبطاله المتعددين الذين يؤثرون بعشوائية في حياة بعضهم بعضًا دون قصد تأثير دراميّ.


ادّخر بذكاء من كل عملية شراء 🧠

كل ريال تنفقه يمكن أن يصنع فرقًا في مستقبلك المالي. «ادخار سمارت» من stc Bank حساب ادّخاري يعطيك 4% أرباح سنوية وتقدر تسحب فلوسك بأي وقت! ادّخر اليوم، واستثمر في غدك مع

«ادخار سمارت».


الأفكار التي يخونها أصحابها لا تموت، إنما تعود وتنتقم بطريقتها.

مالك بن نبي


جديد راديو ثمانية للشهر الفضيل. 🌙

لطالما كان هدف راديو ثمانية أن يكون تطبيقك الأول للاستماع، بدءًا من ملايين حلقات البودكاست حول العالم، وصولًا إلى مختلف المقالات والكتب الصوتية من داخل وخارج ثمانية، ولإعطائك أفضل تجربة استماع في الشهر الفضيل، أضفنا تلاوات من القرآن الكريم.
تصلك في قوائم منظمة بتصنيفات عدة، تلاوات مكية ومدنية ونجدية، السبع الطوال، سور الصبر والسجود وتلاوات تسمعها ليوم الجمعة وغيرها.
تصلها بسرعة وسهولة عبر راديو ثمانية.

  1. معجم مصطلحات الرحلة

    تأليف: فاضل عبود التميمي/ الناشر: دار أهوار

يُعَد كتاب «معجم مصطلحات الرحلة» للناقد الدكتور فاضل عبود التميمي، بادرةً هي الأولى من نوعها في المكتبة العربية. حيث يقدم أول معجم متخصص يرصد مصطلحات هذا الجنس الأدبي ويؤطّر مفاهيمه بعد أن استأثر باهتمام متزايد من الباحثين والجامعات العربية في العقود الأخيرة، وأيضًا الجوائز.

يأتي هذا العمل ثمرةً لاتساع رقعة الدراسات الأكاديمية حول أدب الرحلة، حيث ابتعدت الكتابات حوله عن الانطباعات، وغدت فعلًا ثقافيًّا مركبًا يعكس تشابك الخطابات وتداخل الأجناس. ولأن الرحلة تتقاطع في بنيتها السردية مع السيرة واليوميات والمذكرات، فقد بات من الضروري، بحسب التميمي، ضبط مصطلحاتها وتحرير مفاهيمها لفهم تحوّلاتها النصية وطرائق اشتغالها.

وقد اعتمد المؤلّف في ترتيب معجمه على معيار «مفهومي موضوعي» يختلف عن الترتيب الأبجدي التقليدي، حيث جعل من مصطلح «الرحلة» مركزًا تتفرّع عنه المصطلحات القريبة دلاليًّا مثل الرحّال، وخطاب الرحلة، وبناء الرحلة، وأنواعها وأشكالها المختلفة. هذا التنظيم يهدف إلى تقديم المصطلحات في حقل معرفي واضح للقارئ.

كما حرص المعجم على تقديم المصطلح بالصيغة العربية إلى جانب مرادفه الإنقليزي، تلبيةً لمتطلبات الثقافة المعاصرة. وراعى شروط المصطلح النقدي بين المدلول اللغوي والاصطلاحي، واستقرار المفهوم وخلوّه من الدلالات المتضاربة. وقد استند التميمي في مادته إلى كتب نقدية ومعاجم سابقة، إضافةً إلى قراءات متعددة لرحلات مختارة ودراسات حول الرحّالة، بهدف تقريب هذا الحقل المعرفي من الدارسين والباحثين والقرّاء.

  1. الغابة الضائعة

    تأليف: رافائيل ألبرتي/ ترجمة: باهرة عبداللطيف ياسين/ الناشر: المدى

سيرة ذاتية ذات طابع أدبي واضح، تتحوّل فيها الذاكرة إلى عنصر أساسي في بناء النص. يعتمد رافائيل ألبرتي على استرجاع الماضي عبر مشاهد وصور تنبع من التجربة الشعورية أكثر من اعتمادها على التسلسل الزمني الدقيق. في أثناء قراءتي السيرة، شعرت أن الكاتب يتعامل مع حياته على أنها مادة فنية؛ يعيد تشكيلها بالكلمات ويمنحها أبعادًا إنسانية تتجاوز حدود السرد المباشر، خاصة مع تجاور الشِّعر مع النثر.

تبدأ الصفحات الأولى باستحضار الطفولة والشباب، مع حضور قوي للمكان، خاصة البحر والبيئة الجنوبية اللذين يبدوان مرتبطين بتكوُّن الحسّ الجمالي لدى الكاتب. كما أن الطبيعة تأخذ دورًا فاعلًا في تشكيل الوعي، وتَظهر كونها جزءًا من الهوية. هذه العودة المستمرة إلى الأماكن الأولى تمنح النص طابع الحنين، وتؤكد العلاقة بين الذاكرة والإبداع. 

يتوسّع الكتاب ليشمل الحياة الثقافية والفنية التي عاشها ألبرتي، حيث يكتب عن اللقاءات مع الشعراء والفنانين ضمن سياق إنساني قريب من القارئ. نتعرف على الشخصيات الأدبية وبعضٍ من سِيَرها، خاصةً تلك المرتبطة بتفاصيل الحياة اليومية، والنقاشات والأفكار والتجارب المشتركة. بهذه الطريقة، تتحوّل السيرة الفردية إلى مرآة لمرحلة ثقافية كاملة.

يشغل المنفى حيّزًا مهمًّا في العمل، ويظهر بوصفه حالةً نفسية ممتدة أكثر من كونه انتقالًا جغرافيًّا. تتجلّى مشاعر الفقد والاغتراب عبر اللغة والصور، دون السقوط في خطابية مباشرة. الكتابة نفسها تبدو محاولة للحفاظ على الذاكرة من التآكل، كأن استعادة الماضي تمنح نوعًا من التوازن الداخلي.

  1. ذاكرة العزلة والتواري

    تأليف: إبراهيم بن عبدالرحمن التركي/ الناشر: دار الثلوثية

سيجد القارئ في هذا العمل نفسه أمام تجربة فكرية مميزة، قوامها فهم الذات الإنسانية في لحظات انكفائها وابتعادها عن الضجيج. يرى الكاتب أن العزلة ليست سلبية بالضرورة، فهي قادرة على منحنا الفرصة للتأمل وإعادة ترتيب علاقتنا مع النفس والعالم.

ينطلق المؤلّف من فكرة أن العزلة والتواري ليسا طارئين على الحياة الثقافية؛ فقد رافقا مسيرة الإنسان المفكر منذ القدم. كثير من الكتّاب والمبدعين لجؤوا إلى الانسحاب المؤقت أو الدائم من المشهد العام، إما بدافع الحاجة إلى الصفاء، أو احتجاجًا صامتًا على واقع لا يوصلهم إلى المعنى الذي يبحثون عنه. وفق هذه الرؤية، يقرأ الكاتب العزلة كونها فعلًا واعيًا.

يمزج الكاتب بين التجربة الشخصية والتحليل الثقافي، ويتحدث عن رحلته الطويلة في الكتابة والعمل الثقافي، وما رافقها من أسئلة حول جدوى الظهور المستمر، وضغوط المشاركة، والتوقعات التي يفرضها الوسط الثقافي. هذه التجربة الذاتية تُوظَّف مدخلًا لفهم أوسع لحالة يعيشها كثير من المثقفين الذين يختارون التراجع خطوةً إلى الخلف من أجل رؤية أوضح.

يُفرّق المؤلّف بين العزلة والتواري؛ فالعزلة قد تكون حالة داخلية يعيشها الإنسان حتى وهو بين الناس، بينما التواري هو انسحاب مقصود من فضاءات الحضور والضوء. وفي الحالتين، لا يتعامل الكاتب معهما على أنهما خيار له أبعاده النفسية والفكرية، وقد يكون وسيلة للحفاظ على التوازن الداخلي في عالم سريع الاستهلاك.

لا يدّعي الكاتب امتلاك أجوبة نهائية، فهو يطرح الأسئلة أكثر مما يقدم الحلول: هل تمنح العزلة صفاءً حقيقيًّا؟ وهل التواري حماية للذات أم خسارة للحضور؟… تلك الأسئلة تظل مفتوحة، وتدفع القارئ إلى مراجعة علاقته بنفسه وبالآخرين.

القراءةالكتب
نشرة إلخ
نشرة إلخ
أسبوعية، الأربعاء منثمانيةثمانية

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.

+30 متابع في آخر 7 أيام