كيف تبني مكتبتك الأولى؟📚
زائد: ما مشاعر الروائي حين يتحوَّل عالمه السردي إلى مسلسل؟📺

حينما كنت بالمكتبة، كان يمكنني من نوع طلبات الكتب أن أتوقع حجم المكتبة الشخصية للزائر، والعلاقة هنا عكسية، فحينما أجد الطلب محددًا بالكتب الأشهر، أدرك أن مكتبته في طور نموٍّ مجهول الطريق، وحينما يطلبني كتابًا بعنوان غريب، أعرف أنه يمتلك مكتبة شيقة.
اقتناء الكتب أسهل بكثير من قراءتها؛ رحلة بناء المكتبة المنزلية الأولى هي واحدة من أصدق التجارب التي يختبر فيها الإنسان شغفه، لكنها أيضًا المطب الأكبر أمام ماذا يجب أن اقرأ وكيف أقتني ما سأقرأ.
نحن في العمق نبني مكتباتنا لنصنع ملجأً دافئًا نأوي إليه حين تضيق بنا الحياة، ومرآة تعكس تقلباتنا، وأسئلتنا، ونضجنا على مر السنين. لكن لماذا ينتهي بنا المطاف غالبًا أمام رفوف مكدسة تشعرنا بالذنب بدلًا من الشغف؟ وكيف نحمي مساحتنا الخاصة من التحول إلى مجرد مقابر أنيقة للورق؟
فيصل آل عمر


كيف تبني مكتبتك الأولى؟📚
فيصل آل عمر
في كل مرة يقرر فيها أحدهم بناء مكتبته الأولى، يظهر له ذلك التصور المثالي المستوحى من صور «بنترست» ومكتبات كبار الأدباء والمثقفين؛ مكتبة خشبية فارهة تمتد من الأرض إلى السقف، مملوءة بكتب ذات أغلفة مجلَّدة ومتناسقة الألوان، وبجوارها كوب قهوة لا يبرد أبدًا، وإضاءة خافتة تُستخدم دليلًا على أن العلم هو من يضيء المكان.
فيبدأ التخطيط الفردي بحماس لافتتاح هذا «الصرح الثقافي» في المنزل، وتبدأ رحلة قراءة الكتب والتعرف على شخصيات تلك الكتب، وستصبح هذه المكتبة مأواه الدائم من الحياة وناسها، ثم يشرع بكل حماس في قراءة الكتب عشوائيًّا. لكن بعد مرور بضعة أشهر، تتحول هذه المكتبة الفخمة إلى مجرد رفوف إضافية لتكديس الأغراض، ومكان ملائم للاختباء من ضوضاء المنزل دون أن يقرأ فيها كتابًا واحدًا، فما الذي حدث؟ لماذا تفشل مشاريع مكتباتنا الأولى؟
وهم المكتبات الجاهزة
تبدأ المشكلة حين نتعامل مع المكتبة كقطعة أثاث تُشترى «بالجملة»، وليست كيانًا يشبهنا في نموه البطيء بما يشبه أفكارنا واهتماماتنا وما نُحب، فنتركها تنمو بالتدريج. نذهب إلى معارض الكتب بعربة تسوق ضخمة، تسبقنا حماسة تشبه حماسة ليلة رمضان الأولى، ونبدأ بجمع الكتب بناءً على لون الغلاف، أو سماكة الكتاب، أو لأن عنوانه يبدو مألوفًا من أحد توصيات المهتمين بالكتب فعليك شراؤه بناءً على ما سمعت عنه.
ما لا ندركه في تلك اللحظة، أننا نقع في فخ الاستهلاك النفسي؛ فنحن في الحقيقة نشتري «فكرة» أننا قرّاء. ونحصل على نشوة شديدة من جرعة الدوبامين التي تأتينا عند الوقوف أمام المحاسب ونحن نحمل كومة من الكتب التي ترى فيها رفيقًا مستقبليًّا قد لا تكتمل الرحلة معه. المكتبة التي تُشترى دفعة واحدة لتعبئة الفراغ، ستبقى فارغة من المعنى، ولن تشعر يومًا بالانتماء إليها، لأنها ببساطة صُممت للمشاهدة، لا تحمل في طياتها تجاربك الشخصية. كم أشعر بالسعادة حينما تسقط عيني على كتاب وأتذكر حينها أنني اشتريته بسبب رغبات تعلمي حينها؛ كتب عن فهم الإدارة بعد التعرض لتجربة إدارية قاسية، وكتب لتعلم اللغة في خمسة أيام بعد اكتشاف مشاكل في الكلمات، والعديد من الكتب التي اشتريتها لأنها تشبهني.
عقدة «أمهات الكتب»
من المغري جدًّا أن تبدأ مكتبتك الأولى بشراء موسوعة «البداية والنهاية» لابن كثير، أو أعمال دوستويفسكي الكاملة، وتضعها في الرف الأعلى أو الذي خلف مكتبك لتحظى التقاطاتك الشخصية بوجودهم خلفك. لكن أصدقك القول، هذه الكتب الثقيلة ستتحول إلى حِمل نفسي يطاردك، وتأنيب ضمير يجلدك كلما نظرت إليها، فتكرهها وتصبح الرغبة في البداية بقراءة فصل منها أمنية تتلاشى كل يوم.
النفس البشرية لا تميل إلى البدايات المعقدة، فيصعب ذلك المشهد المهيب الذي يبدأ بصوت الكتاب وهو يهوي على المكتب، ولحظات النظر للصفحة الأخيرة (غالبًا سيكون الكتاب فوق ٣٥٠ صفحة)، حينها يرفض العقل الدخول في صراع مع مُجلّد بهذا الكم من الصفحات وأنت لم تعتَد على قراءة مقال من مئتي كلمة!
ابدأ بما تحب حقًا، لا بما «يجب» أن تقرأه. لا بأس أن تكون نواتك الأولى روايات خفيفة، أو كتبًا في تطوير الذات، أو حتى قصصًا بوليسية تشد انتباهك، أو حتى قصص أطفال، نعم قصص أطفال!
فهي تستوفي ما يمكن أن تحصل عليه في بدايات القراءة: «الدهشة» التي تأتي من نهايات غير متوقعة، وشخصيات تفعل المستحيل. المكتبة الحقيقية هي التي تدعوك للقراءة بلطف، لا التي تؤنبك على كسلك.
خطوة بخطوة، صفحة بعد صفحة!
كيف تختار كتب مكتبتك الأولى إذن؟ السر يكمن في إبطاء العملية. لا تعتمد فقط على تقييمات مواقع القراءة التي يكتبها أشخاص لا تعرفهم، ولا تشتري كتابًا لمجرد أنه «الأكثر مبيعًا»، فقد اتفقنا سابقًا أن هذا فخ تسويقي!
قبل اختيار الكتاب، ربما قد تطرأ عليك فكرة التعرف على الكتاب… عندما تمسك كتابًا ابدأ بالتعرف عليه: اقرأ الفهرس لتعرف عناوين فصوله، ولو كانت رواية فأرجوك أن لا تفتحها من المنتصف وتلقي نظرة سريعة، يكفيك البحث عن قصتها في أي موقع مهتم بالكتب، تصفح المقدمة لترى إن كان أسلوبها يستفز فضولك. وفي حالة لم يكن رواية افتح صفحة عشوائية في المنتصف (ولتكن الصفحة 50 مثلًا) واقرأها. إذا شعرت أن الكاتب يجلس معك في المقهى ويحدثك شخصيًّا، خذه معك. الشراء البطيء والانتقائي يجعل لكل كتاب في مكتبتك قصة وعلاقة شخصية قبل حتى أن تنهي قراءته.
مقبرة الـ تسوندوكو
سيأتي يوم تقف فيه أمام مكتبتك وتكتشف أن نصف الكتب الموجودة لم تُقرأ بعد. وتستغرب متى اشتريتها ولماذا ؟ هناك مصطلح ياباني بديع يُدعى «تسوندوكو» (Tsundoku)، ويعني تكديس الكتب دون قراءتها، وهي حالة تجعلك تقتني من كُل العناوين ما يهمك ولا يهمك، والمفارقة أنك لا تقرأ أي شيء منها، وفي كل فرصة زيارة للمكتبة ستشتري كتبًا جديدة.
الكتب التي لم تقرأها في مكتبتك هي تذكير دائم بمدى المعرفة التي لا تزال تنتظرك. هي وعود مؤجلة لأيام قادمة. الفرق الوحيد بين «ديكور المثقفين» و«التسوندوكو»، هو النية؛ أنت اشتريت هذه الكتب لأن موضوعاتها لامست تساؤلًا حقيقيًا بداخلك، وستأتي اللحظة المناسبة لفتحها، عكس من يشتريها ليملأ بها رفًا فارغًا في غرفة بالمنزل.
مكتبتك.. سيرتك الذاتية المبعثرة
لا شيء يأتي فجأة، وكذلك المكتبات. هي تُبنى كتابًا تلو الآخر، وتتشكل عبر سنوات من الشغف والتخبط. أجمل ما في مكتبتك الخاصة أنها تقف كشاهد عيان على تقلباتك الفكرية، ستجد فيها رفًّا لدواوين الشعر الحزينة من مراهقتك، ورفًّا آخر لكتب تخصصك الجامعي، وزاوية لكتب اشتريتها في لحظة أزمة منتصف العمر بحثًا عن المعنى.
لا تبحث عن التناسق المثالي في ألوان الكعوب، فالتناقض بين محتويات مكتبتك هو الدليل الأصدق على أنك إنسان يتغير، وينضج، ويعيد اكتشاف نفسه. المكتبة هي سيرتك الذاتية التي لم تكتبها بيدك، بل سطرها الكُتاب عنك للحديث عما يحدث لك، فالخطوط داخل الكتاب والهوامش ستشكل ذكريات جميلة لك لاحقًا.
لا يهم حجم مكتبتك، ولا نوع الخشب الذي صُنعت منه، ولا تصميمها الفاخر، لا تبتئس إن كانت مكتبتك الأولى مجرد رفٍّ صغير، أو كانت حتى موزعة على الارض، لأن أطفالك سيكسرون أي رف، المهم أن كل كتاب موجود هنا يمثلك. كنت، وما زلت، حينما أعطي توصيات للكتب، أعطي توصيات على ما تكون حالتك فيه، فالكتب حالة، وتعيش معك في كل حال.

حينما يكتب الروائي قصته فهو فيها الكُل في الكُل، فيحق له تخيل الشخصيات ويضع قواعده الخيالية الخاصة. فيتخيل شكل البطل من واقعه، ويجمعه مع بطلة تشبه نجمات السينما، ويجمع ما لا يُجمَع سوى في قصته، فيحمي الشخصيات التي يحبها، وهو من يفرض العقوبات عليهم وقد يتجاوز عنهم، فالعواطف هنا مسموحة. المهم أن تسير الأحداث وفق مقتضى القصة التي قررها مسبقًا.
يرتبط الروائي بقصته ارتباطًا عاطفيًّا، فلا يستطيع أن يضع السطر الأخير قبل أن يرتاح ضميره نحو هذه القصة، ففيها شخصية يحبها ويخاف عليها، هذا إن لم تكن شخصيته الحقيقية، وأخرى من رواية قرأها وشعر برغبة في إعادة كتابتها ضمن شخصيات روايته ليعطيها مساحتها المستحقة من رؤيته الإبداعية. وهناك عدد كبير من الشخصيات الثانوية التي يحمل لها تقديرًا كبيرًا لن يجعلهم عرضة لنهاية مفاجئة.
كنت، وما زلت، أحترم كل الروايات، الرديء منها والمبهر -مع اختلاف الشعور نحو قصصها- لأنها صادرة من خيال الكاتب، جزء من مشاعره و أفكاره وربما حياته الشخصية موجود في القصة.
لكن، ماذا عن مشاعر الكاتب حينما تتحول ملكية عالمه الخاص إلى مسلسل برؤية مختلفة؟
قصتك لم تعُد لك!
مع عرض مسلسل «شارع الأعشى» العام الماضي، كان عدد زوّار المكتبة الذين يسألوني عن رواية «غراميات شارع الأعشى» لبدرية البشر كبيرًا جدًّا. ولا تمضي الدفعات الجديدة من الرواية أيامًا على الرف قبل أن تنتهي اليوم التالي. فدفعني الفضول لإخفاء نسخة خاصة لأطّلع عليها قبل أن يشتريها أحد. وحينما نظرت لها سريعًا، راقت لي القصة. وبدأت، كما يفعل كل قراء الروايات، في تشكيل الشخصيات على الأنماط التي أعرفها في حياتي، وأتخيل لكل شخصية ممثلًا مناسبًا.

وحينما تابعت الحلقات الأولى، كنت مسرورًا بتحول المسلسل إلى حديث بين الناس يدفعهم إلى قراءة الرواية، والاطلاع على الجانب الروائي لبدرية البشر، ومعرفة الكثير عن رؤيتها الأدبية لتلك الحقبة من الزمان. والحقيقة أن القصة في الرواية أمتعتني أكثر من الذي وجدته عند متابعتي للمسلسل.
وحينما أُعلن عن جزء ثانٍ للمسلسل بدأت مشاهدته، على الرغم من نهاية ارتباط قصة الرواية بالمسلسل، وتحول الروائية بدرية البشر في الجزء الثاني إلى مستشارة في المعالجة الدرامية وليست كاتبة العمل الرئيس. كنت أتساءل عن مصير القصة في عالم بدرية البشر التي صنعت «غراميات شارع الأعشى»، وهي في موقع المستشار بدلًا من الكاتب الرئيس للعمل؛ إذ إن دور الاستشارة ليس بقوة الكاتب. ففي الأولى ستكون المرئيات قابلة للموافقة أو الرفض، بمقتضى رؤية المخرج والكاتب الجديد للعمل.
هنا دور الروائي مختلف في عالمه الذي لم يعد يتحكم به. وهذا يطرح تساؤلًا عن مدى رضى الكاتب عما يحدث في قصته وهو يرى شخصيات جديدة تُضاف إلى القصة، تتحرك في مناطق ربما لم يكن ليسمح لنفسه أحيانًا بأن يتجاوزها على أي شخصية.
هل تسقط ملكية الروائي لعالمه القصصي بمجرد قبوله نقل العمل من أوراق الرواية لأوراق العمل؟
حينما تلقي نظرة على معظم آراء الروائيين الذين تحولت رواياتهم إلى مسلسلات، ستجد أنهم يعيشون في صراع مع ما كانوا يرون وما أصبحوا يشاهدونه. نستذكر صراعات «جورج مارتن» مع صناع عالم رواياته «أغنية الجليد والنار»، حينما وجد أن شخصياته التي أنشأها أصبحت بلا حول ولا قوة أمام آراء المنتج والمخرج والجمهور. فيجد الشخصيات تفقد منطقيتها وقيمتها، وتتحول إلى شخصيات مختلفة لا تتشابه مع ما صنع إلا بالاسم فقط.

ومع عرض مسلسل «جناية حب»، المقتبس من رواية «السندباد الأعمى» للكاتبة الكويتية بثينة العيسى، شاهدت الحلقات التي قُدِّمت حتى الآن. ومما شاهدت، أنتظر انتشار المسلسل بين المشاهدين، مما سيجعل الرواية بين أيدي عدد أكبر من القراء. والقصة حتى الآن، مما قُدِّم، تتناسق مع الرواية.
فهل سينجح جعل الروائي مستشارًا فنيًّا في حفظ رؤيته لعالم روايته؟ من إعطائه التمكين في اختيار بعض الأسماء المشاركة مثلًا؟ وهل سيحفز هذا الروائيين الآخرين على القبول بمغامرة تحويل رواياتهم إلى أعمال تلفزيونية دون الخوف من فقدان السيطرة الكاملة على عوالمهم لصالح رؤية أخرى؟
ادّخر بذكاء من كل عملية شراء 🧠
كل ريال تنفقه يمكن أن يصنع فرقًا في مستقبلك المالي. «ادخار سمارت» من stc Bank حساب ادّخاري يعطيك 4% أرباح سنوية وتقدر تسحب فلوسك بأي وقت! ادّخر اليوم، واستثمر في غدك مع
«ادخار سمارت».

«قناديل الكهف»

فايز بن سعيد الزهراني
في كل يوم جمعة أقرأ سورة الكهف، مستشعرًا قيمتها الدينية. ولكن كان بداخلي رغبة ملحّة في أن أعرف المزيد عنها، لطالما كانت معاني القصص القرآنية ذات وقع شديد في نفسي، فأُذهل في كل مرة عند قراءة تفسير لسورة من القرآن، وأعجب لهذه المعجزة الإلهية. فزادت رغبتي في قراءة تأملات حول سورة الكهف؛ المعاني والتفسيرات والمقاصد، فوقع الاختيار على كتاب «قناديل الكهف».
هناك صنفٌ نادر من الكتب يمتلك تلك القدرة المذهلة على كسر جليد الاعتياد؛ كتب تعيد برمجة بصيرتنا لنقرأ المألوف وكأننا نكتشفه للمرة الأولى. هذا العمل كان رحلة غوصٍ باهرة في سورة الكهف ومعانيها الدينية واللغوية؛ حيث يفكك الآيات ليستلّ منها لآلئ الحكمة، مسندًا كل ومضةٍ بدليل، ومشرعًا نوافذ التأمل لتغمر القارئ بفيضٍ من الإشراقات الروحية التي تعيد صياغة علاقته بالنص كليًّا.
كنت قبل قراءة الكتاب من متابعي برامج الأستاذ فاضل السامرائي، الذي يقدم تفسيرات لغوية لمعاني القرآن، ومما كان يدهشني أن أجد السورة الواحدة يمكن أن تُمضي سنوات في دراستها لوحدها، وقد لا تستدرك كُل معانيها، فالإعجاز اللغوي دومًا يُذهلني. وبالدهشة واليقين نفسهما تلقيت ما في هذا الكتاب، فحين تدرك أن المعنى أبعد مما تظن، حينها تعرف أن القرآن يستحق منك أكثر مما تُقدم، وما إن تقرأه باستمرار، مستوفيًا معه قراءة التفسير، ستجد فيه الخير الوفير.
لغة الكتاب بسيطة غير معقدة، لن يشعرك بالأسى على نفسك لأنك لا تفهم ما تقرأ (وهذا ما يواجهه البعض عند محاولة قراءة كتب التفسير)، لكن الكاتب كان ذكيًّا في هذه المسألة، مُراعيًا لهذا الجانب. وما ستخرج منه في نهاية الكتاب هو رغبة ملحة في قراءة الكثير من كتب التفسير.
«بائع الجُمل الأولى»

ماتي فيشنيك
هناك كتب ذكية، لها عناوين بإمكانها أن تجذبك لها عن طريق تفجير خيالك حول عن ماذا ستكون القصة؟ فتبدأ ورشة كتابة النص الخيالي في ذهنك بالاستسلام للقاعدة الذهبية عن الكتب «الكتاب يبان من عنوانه»، وهذا ما حدث لي عند اقتناء كتاب «بائع الجُمل الأولى».
تخيلت قصة عن شخص يبيع الجملة الأولى لكل من يطلب منه كتابة رواية، وهكذا انتهت القصة في عقلي، وسرت في منحنى القصة حتى كدت أن أبحث عن رقمه لأشتري منه باقي الجُمل.
لكن الرواية خالفت توقعاتي الشخصية. بدايتها كانت مثيرة، تستحق أن أستمر فيها قبل أن يبدأ ما لم يكُن بالحسبان؛ التنقل بين قصة والأخرى ثم العودة لها مرارًا، شعرت بالتوهان، وأنني لم أفهم الكتاب (رغم وصولي لمنتصفه) والحقيقة فقدت الأمل قليلًا منه ومنّي في فهم أحدنا للآخر، فالقصص المتباعدة كانت تشكل لي فجوة في القراءة، فأنغمس في قصة قبل أن ينهيها الكاتب ليستكمل قصة أخرى ثم يعيدني لما بدأ به.
عند إكمال الرواية ستتضح لك الكثير من قصصها، وهذا مربط الفرس: اعتماد الكاتب في مطلع القصص على بدايات روايات عالمية، كان مُحركًا جميلًا للقصة، ومن المثير أن الكاتب كان يتخيل أن يكون بائع الجمل الأولى، شيء يشبه الآلة التي تعطيك أفكارًا لقصتك التي تنوي أن تكتبها (يُشبه شيئًا أعرفه وتعرفه يحدث مؤخرًا أليس كذلك؟). لكن المذهل أن المقصود هنا أبعد من مجرد آلة، ولن أحرق عليك القصة، حاشا أن نكون من عُشاق حرق القصص.
سأذكرك هنا أن الترجمة بديعة، ترجمة عبدالمجيد سباطة، ساعدت القصة كثيرًا في أن تصبح سهلة على القارئ في أن يستعذب نصوصها، وهذا مما يجعلني أمتلك تقديرًا للرواية.
مراجعات الرواية في مواقع التواصل الاجتماعي من المجتمع العربي شحيحة للغاية، فقد تشعر بالوحدة حينما تبحث عمن يشاركك قراءة هذه الرواية، وغالبًا ستبحث عن شخص يشرح لك مقصد الكاتب في تنقل القصص المُفاجئ. وبعدما التقيت بعدد من الذين قرؤوها، اتفقنا جميعًا في أن الحيرة لن تنتهي إلا بعد الوصول إلى الصفحة الأخيرة، وبعد ترك الكتاب أيامًا… حينها ستسمع جملة «فهمت الآن!» تدوي في رأسك.
«الغيرة العاطفية»

آن كلوتليد زيقلر
هل هي غيرة أم حسد؟ هذا السؤال المُرعب، الذي ستكون إجابته مفصلية في تحديد نظرتك تجاه الأشياء: متى أكون غيورًا؟ وكيف أصبح حاسدًا! وما هو الدافع؟
شرح الكتاب في مطلعه مبدأ الغيرة، وكان مجتهدًا في محاولة شرح الفكرة، وتقريب النظرة البسيطة للغيرة وإخراجها من دائرة المشاعر السلبية، كونها شعورًا إنسانيًّا بسيطًا يصيب الإنسان تحديدًا حينما يتعرض شيءٌ لممتلكاته الخاصة، فيصاب بالخوف والقلق والغضب، مما يدفعه للتعبير عن المشاعر السلبية الخاصة به بطريقته الخاصة، كالعتاب والصّد وغيرهما. وهذه المشاعر تقف على النقيض تمامًا مع مشاعر الحسد التي يمتلكها الإنسان تجاه ما له وما عند غيره، فلا يستطيع أن يعرف دوافع غضبه ولا خوفه ولا قلقه، لكن يفسرها بمحاولة تدمير الآخر.
الجميل في هذه التجربة القرائية أن لغة الكتاب جاءت سلسلة، قريبة للقلب، وبعيدة كل البعد عن التعقيد. لم يقع الكاتب في فخ المصطلحات النفسية الجافة التي تُشعر القارئ العادي بالأسى أو الضياع، كان ذكيًّا في طرحه، يأخذ بيدك بهدوء ليشرح لك زوايا معتمة في داخلك، مما يجعل استيعاب هذه الأفكار العميقة أمرًا في غاية العذوبة والسلاسة.
وكعادة الكتب التي تتحدث عن الجوانب النفسية، سيكون ضرب الأمثلة المبالغ فيه سببًا للشعور بالملل قليلًا من الاستطراد المتكرر حول القصص، فستجد قصة بين الحين والآخر تعترض طريقك، لكن في رحلتك مع قراءة الكتب التي تشرح الدوافع النفسية والعاطفية ستجد أن مثل «بالمثال يتضح المقال» ديدنًا رئيسًا في السرد والتوضيح.
هل ستحصل على إجابة السؤال الأول بعد الانتهاء من الكتاب؟ أظن نعم، سيتضح لك الكثير من تلك الصورة الضبابية حول الفارق بين الشعور الذي تخشى الاتصاف به، وبين ذلك الشعور الذي تعرف أنه واقع لا محالة. وبين شعور وآخر دائمًا يوجد حدٌّ فاصل، حتى لو كان بالتسمية؛ فتخاف أن يُقال عنك «بخيل» إن كنت «حريصًا على إنفاقك»، وأن يقال «متهور» حينما تظن أنك «شجاع». فالهامش البسيط بين المشاعر لا يمكن أن تستوعبه من كتاب واحد أو تجربة واحدة، لكن من الجيد أن تحصل على صورة مبدئية حول ما هو شعورك الحالي.

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.