السريحي، «المثقف» الذي أحدث التغيير ✍️

زائد: حوار نشرة إلخ مع أحمد الحقيل 📚

فقدت الساحة الثقافية والأدبية السعودية والعربية قامة من رجالاتها وهو المفكر والناقد سعيد السريحي. قابلت الدكتور آخر مرة قبل سنتين في ضيافة مركز إثراء في الظهران، وتحدثنا مطوّلًا عن ذكرياته في المغرب، وسعدت بملاحظاته عن الموسم الثقافي بمدينة أصيلة وذكريات صداقته مع مؤسّسِه وزير الخارجية المغربي السابق محمد بنعيسى. كما سعدت بذكرياته في مدينة طنجة، وقد وعدني بزيارة أخرى لها بعد أن أخبرته أن المدينة قد تغيرت كثيرًا. أحببت طبعه الهادئ وتشجيعه الأبوي وحديثه المتريث، وشعرت أن هذا التريث صفة تلازم حتى تفكيره، فتخرج كلماته من فمه معتقة بحكمة بليغة.. رحم الله أبا إقبال.

في العدد الأول من شهر رمضان المبارك، يحدثنا الكاتب الزبير عبدالله الأنصاري عن الراحل سعيد السريحي ومدى تأثيره في النقد والكتابة، وخصّصتُ فقرة «هامش» لحوار أجريته مع الكاتب السعودي أحمد الحقيل، أما فقرة التوصيات فعرّجت فيها على كتاب من وحي إحدى اللقاءات التي استضافتها قمة الويب في قطر مطلع هذا الشهر.

وكل عام وأنتم بخير.

إيمان العزوزي


رسم: الفنان عمران
رسم: الفنان عمران

السريحي، «المثقف» الذي غير مجرى النقد والكتابة ✍️

الزبير عبدالله الأنصاري

عندما أراد الناقد التونسي الراحل حسين الواد أنْ يعدِّد أربعة أعمال غيرت مسار النقد الأدبي المعاصر في العالم العربي ونقلته من «التاريخية» إلى «النصية»، ذكر من بينها كتاب «شعر أبي تمام بين النقد القديم ورؤية النقد الجديد» (1983)، وهو أطروحة الماجستير للأديب والناقد السعودي الراحل سعيد السريحي، أنجزها وهو في الثامنة والعشرين من عمره، شابًّا يتلمس خطاه في دنيا المعارف، دون أنْ يدري أنَّ لهذه الخطى أصداءها العميقة في مجرى الثقافة العربية المعاصرة.

وعندما أراد الدكتور محمد الصفراني وهو يؤرخ للحداثة الأدبية والنقدية في السعودية أنْ يحدد اللحظة الحاسمة لتبلور المفاهيم الحداثية في نقد الشعر أورد عملًا آخر للأديب نفسه وهو «الكتابة خارج الأقواس» (1986). 

الفقيد سعيد السريحي
الفقيد سعيد السريحي

تلك لمحةٌ دالَّةٌ على الأثر الخالد للسريحي في أمته وفي وطنه، وهو وإنْ رحل وقد أرْبَى على السبعين، إلا أنه ظلَّ طفلًا يرى في الأشياء بكارتها ودهشتها وانطواءها على الأسرار الأولى، لم تحجبه عنها العادة، ولا شوَّهها الإلفُ والتقليد.

ولا عجَبَ أن يكون كذلك، فقد كان مجللًا بالشِّعر، مُبَارَكًا بمائه، كتبَه واعتنقه. فكانت حياته قصيدةً، وخُلُقُه شعرًا، ولا أظنُّه حين حصر النموذج الشعري الأعلى للإنسان العربي في فضيلتيّ «الكرم» و«الشجاعة» إلا قاصدًا نفسه، منوّهًا بمناقبها من وراء حجاب التجريد والتعميم، يقول السريحي في كتابه عن أبي تمَّام: «في الكرم يستخرج (الإنسان العربي) أنبل ما في نفسه من معاني الإيثار والمحبة للآخرين، وفي الشجاعة يتخلَّص من أسوأ ما في نفسه من رواسب الهلع والخوف من الآخرين. في الأول انفتاحٌ للنفس على العالم وفي الثاني احتفاظٌ لها بمكانتها وحدودها وسط العالم»، وهكذا كان في شأنه كله، كريمًا إذا تجلَّى، شجاعًا إذ حِيل بينه وبين الجهر بالحق، ومطابقة القول للاعتقاد.

ووراء هذا المسلك منه إيمانٌ راسخٌ بحرية الرأي وحق الاختلاف، كما ذكر لي في حوار صحفي سابق، يقول: «أنا أومن بحرية الرأي إيمانًا مطلقًا، وأومن أنَّ من حق الآخر أنْ ينظر إليَّ كما يشاء عادلًا أو ظالـمًا، مخطئًا أو مصيبًا، فتلك هي حريته التي لا أنازعه فيها، غير أني لا أقبل مطلقًا.. أن يُلْزِمني بما يراه، لذلك ليست المشكلة أن نختلف، المشكلة أن نرفض أن نختلف، وأن نُجْبِر بعضنا بعضًا على أن نتفق، وأن نؤمن بما لا نؤمن به». وقد عانى السريحي في سبيل قيمه هذه، لكن معاناته يمكن فهمها في سياق فلسفته الأخلاقية، فالفضائل، في تصوره، «أفقٌ أعلى» يتسامى حتى ليوشك أنْ يخرج عن طوق الإنسانية وطاقتها.

في مقالة مفردة كهذه، لن أستطيع أن أحيط بالسريحي المثقف، وهو الذي أوقف حياته كلها على الأدب، معلِّمًا يدرّسه للطلاب، صحفيًّا يبسطه للعامة، شارحًا يقرِّبه من الخاصة، ومُنظِّرًا يفكِّك أصوله وأسسه عند خاصة الخاصة. لكني سأتعرض هنا بإيجاز للمجالات الكبرى لإسهام السريحي في الثقافة العربية المعاصرة، وهي في رأينا أربعة: التنظير الجمالي للكتابة، والدراسة النصية للشعر القديم، وتحليل الخطاب، والأعمال الإبداعية.

مع أنَّ التنظير يحضر في جميع كتابات السريحي، فإن العمل البارز في هذا الباب هو «الكتابة خارج الأقواس»، الذي كان بمثابة الاستجابة النقدية لحركة الحداثة الشعرية في السعودية إبَّان ثمانينيات القرن الماضي.

يرى السريحي أنَّ الكتابة تقوم على مقاومة النمطي والجاهز، فهي «مُروق على عرف الجماعة وخروج عن معياريتها السائدة». على أنَّ الخروج عن المألوف لا يتعلَّق بالكاتب وإنما بالكتابة، فهي التي ينبغي أنْ تفارق الجماعة وأن تشِذَّ عنها، ولا يضيرها في ذلك أنْ يكون صاحبها خاضعًا، في حياته ومسلكه، للسائد ثقافيًّا أو أيديولوجيًّا، كما أنه لا ينفع الكاتبَ تمرُّدُه على السائد، في شخصه وآرائه، إذا كانت كتابتُه تقليديةً لا تكسر غِلًّا، ولا تشفي غليلًا.

لكن تحرير الكتابة من المألوف مطلب عزيز، وذلك بسبب التوتر الذي يصل حدَّ التنافي بين الإبداع واللغة، فإذا كان الأول ينزع أبدًا نحو الفردية والتغير والانفصال، فإنَّ الأخيرة قَدَرها أن تكون جماعية مشاعة يتجمد بموجبها العالم في علاقات ثابتة بين الكلمات وإحالاتها.

وهنا تكمن أزمة الكاتب أو الشاعر، فكيف له أن يرد الجمع إلى صيغة المفرد، أو بعبارة أوضح، كيف له أن يجرد اللغة من جماعيتها حتى تطابق رؤيته الإبداعية؟ للخلاص من هذا المأزق، يقترح السريحي إستراتيجيتين مترابطتين، الأولى: «تجاوز المعنى الدلالي للكلمة، والخروج بها عمَّا تم التواضع عليه، وذلك في سبيل تحريرها وإعادتها علامة عائمة حرة، تنبثق دلالتها الجديدة من سياقها الذي تم وضعها فيه»، والأخرى: «تجاوز البناء النمطي للجملة والخروج عن النسق النحوي المألوف في محاولة لبناءٍ نحو النص الذي يتناغم مع تميز الرؤيا وتفردها». وهنا ينبه السريحي إلى أنَّ هذا التجاوز في الدلالة والتركيب لا بدَّ أن يُبْنَى على علم تامٍ بالعربية وتمرُّس بأساليبها الفصيحة العالية، وإلا كان «خَلْطًا وغلطًا لا يُفْضِي إلا إلى خلط وغلط».

المجال الثاني البارز، وربما الأبرز في إسهامات السريحي، هو دراسته النصية للشعر القديم، وقد خصَّص لهذا الغرض معظم أعماله ومقالاته، وأهمُّها في رأينا كتبٌ ثلاثة: «شعر أبي تمام بين النقد القديم ورؤية النقد الجديد» و«التجديد في اللغة الشعرية عند المحدثين في العصر العباسي» (1988) و«حجاب العادة: أركيولوجيا الكرم، من التجربة إلى الخطاب» (1996).

بعض كتب السريحي
بعض كتب السريحي

في الكتابين الأولين يرتدُّ السريحي بالشعر إلى اللغة وتقاليدها الجمالية، مناوئًا بذلك النزعات التاريخية التي سادت حتى ذلك الحين في قراءة الشعر القديم، وأفضت بها حتمياتها العلمية إلى جعل الشعر محض «إفراز طبيعي لمجموعة من العوامل الاجتماعية والنفسية».

وهنا يُحدِّد السريحي منهجًا «نصيًّا» لقراءة الشعر القديم يقوم على ثلاثة مبادئ: الأول: أنَّ لغة الشعر غايةٌ في ذاتها وليست مجرد وسيلة؛ والثاني، وهو امتداد للأول، أنَّ الشعر لا يُعْنَى بالجانب الإيصالي للغة وإنما بجانبها الانفعالي الذي «يستبطن تجربة الإنسان الأولى مع الأشياء وتعاطيه الوجداني لها»؛ والثالث: أنَّ القصيدة كونٌ له منطقه الخاص، وهذا يعني أنَّنا نقتنص المعنى الشعري من خلال السياق «انطلاقًا من نظرة شمولية تدرك الأشياء إدراكًا كليًّا لا يُنْظرُ فيه إلى أي جزء من الأجزاء خارج نطاق الوحدة العضوية التي تربطه ببقية الأجزاء الأخرى».

وفي الكتاب الأخير «حجاب العادة» يرتدُّ السريحي بالشعر إلى التراث وتقاليده الثقافية، متكئًا على منهج «حفري» يُنقِّب في بنية الخطاب الشعري عن بنية التجربة الإنسانية التي تعد أصل الخطاب وأساسه العميق.

ولكي نفهم هذا المنهج، سأكتفي بإيراد نموذج واحد من النماذج المتعددة التي تضمنها الكتاب، فالصورة المتكررة في الشعر القديم للمرأة التي تلوم زوجها على كرمه، يمكن ردها، كما يرى السريحي، إلى بنية التجربة الأساسية للكرم من حيث هو انقسام في ضمير الكريم وعالمه الداخلي بين نفسين، إحداهما تدعوه للإمساك «مخافة عوادي الأيام والفقر»، والأخرى تحثه على البذل والعطاء نزولًا عند أعراف الجماعة وقيمها، كما قال حاتم الطائي:

أشاور نفس الجود حتى تطيعني.. وأترك نفس البخل لا أستشيرها

وبفعل الثقافة، تطورت صورة النفس اللوامة، فأصبحت «أنثى» لها وجودها المستقل، ولا عجب أن صيـَّر الخطابُ الشعري النفسَ اللائمة «امرأة»، واحتفظ بالنفس الداعية إلى الإنفاق للشاعر «الرجل»؛ لأن هذا الخطاب محكوم، كما يقول السريحي، بنظام ثقافي «يعيد توزيع الطبائع والأخلاق بين الجنسين مستخلصًا السمات الموجبة كالكرم والشجاعة والقوة لتكون للذكر، تاركًا للأنثى نقيضها كالبخل والجبن والضعف».

ومع أن التحليل محصور في «الكرم»، فإن النموذج صالح للتطبيق على جميع المفاهيم في الشعر القديم، ففي البدء تكون هناك بنية أساسية هي عبارة عن التجربة الإنسانية الأولى، ثم تعيد الثقافة صياغة هذه التجربة وتشذيبها في بنية شعرية تُظهر من هذه التجربة ما يتفق مع نظام الثقافة، وتواري ما يشذ ويختلف. وهنا تصبح مهمة القراءة الناقدة السير في اتجاه معاكس لهذا الأنموذج، وذلك بالحفر في بنية الخطاب واختراق رواسبه الثقافية نحو المنابع الأولى لتجربة الإنسان.

وهذا يقودنا إلى المجال الثالث في إسهامات السريحي وهو «تحليل الخطاب»، فهو كالتنويع على هذا المنهج الذي ابتدأه في «حجاب العادة»، غاية ما هنالك أنه لم يقيده بالخطاب الشعري، وإنما طبَّقه أيضًا على الخطابات الأخرى، وعلى الممارسات الثقافية عمومًا، كما نرى في كتبه «غواية الاسم: سيرة القهوة وخطاب التحريم» (2011)، و«أيديولوجيا الصحراء: آفاق التجديد وسؤال الهوية المعلقة» (2015)، و«ما لم يقله الشاهد: بحث في المضمر وإنتاج الخطاب» (2021).

أمَّا المجال الرابع والأخير، فهو أعماله الإبداعية بشقيها السِّيَري والروائي، وذلك مثل «الرويس» (2013)، و«الحياة خارج الأقواس: سيرة غير ذاتية للمدعو سعيد» (2020)، و«جدة 915» (2025). ولا يعني تخصيص هذه الأعمال بوصف «الإبداعية» أن غيرها تنتفي عنها هذه الصفة، فالحق أن جميع كتابات السريحي إبداعية، بل لا أبالغ إذا قلت إن بعض أعماله التي أريد لها أن تكون شرحًا للشعر وتنظيرًا له، مثل «شعر أبي تمام»، و«الكتابة خارج الأقواس» و«حجاب العادة» أعرق في الإبداع وأدخل في صميم اللغة الأدبية من بعض الأعمال التي جُرِّدت صراحةً للغاية الإبداعية.

الضحكة التي لا تغيب
الضحكة التي لا تغيب

والمهم أن أعمال السريحي الإبداعية يجمعها هذا الحنين إلى الماضي، وهذا العود الأبدي إليه، لا لأنه ماضٍ فحسب، ولكن لأنه أقرب، على الأقل من منظورنا الخطي المحدود للزمن، إلى الوجود الأول، وإلى البدايات الأولى، عندما كانت الكلمة احتضانًا للوجود، وكنا نخلع «الأسماء» على الأشياء لاختصار الأبعاد اللامتناهية لتجربتنا معها، وما أظن رحيله عنَّا، وهو الذي تشبث بطفولته حتى ضحكاتها الأخيرة، إلا إمعانًا في هذه العودة المحمومة، وانتهاء بها إلى غاياتها القصوى.


حوار نشرة إلخ مع أحمد الحقيل 📚

أحمد الحقيل كاتب وروائي سعودي، صدرت له أعمال بارزة، منها «بيت» و«طرق ومدن» و«دوائر»، وآخرها «الحافة المطلة على العالم». في هذا الحوار نقترب من تجربته الأدبية ورؤيته الإبداعيّة، ونتعرف على قراءاته وطقوسه الرمضانية.

أحمد الحقيل
أحمد الحقيل
  1. أحمد الحقيل، كيف جئت إلى الكتابة؟

أريد القول إنها اختارتني، ولكن كم كاتبًا اختار هذه الإجابة؟

أريد أن أكون أصيلًا، أن آتي بإجابة شاطحة وأن أختلق قصةً خرافية. ولكنني كلما كبرت، أدركت أن الحياة راضخة للابتذال، وأن أكثر الإجابات ابتذالًا أقربها إلى الحقيقة. ربما لأن عمر التاريخ يتجاوز 5 آلاف سنة، ماذا سيفعل البشر كل هذا العمر غير تكرار الإجابات؟

ولذا أظن أنها اختارتني.

وُلدتُ في بيت يدور في فلك الكتب والكتابة، رغم أن أبي أميٌّ ووالدتي أُميَّة. يقولون إنها متحدرة من نزعتنا القديمة إلى المعرفة، تلك التي تسبق القراءة والكتابة. سمعت قصصًا كثيرة، شهدت أحداثًا كثيرة، قرأت كتبًا كثيرة. ولذا أظن أن الكتابة جاءت إليَّ بقدر ما سعيت إليها.

قصة حب مبتذلة.

  1. «أنا أكتب إذن أنا موجود» هي أول جملة نصادفها في عملك الأخير «الحافة المطلة على العالم»، كيف تفسر هذه الحاجة الحيوية للكتابة؟

مرض، والعياذ بالله.

كنتُ أظن –بين الخامسة عشر والعشرين– أن الناس يشهدون الأشياء كما أشهدها: مواد خام لإعادة التدوير المُتخيَّل. تدخل من العين أو الأذن، تتحول الصور من فوتونات إلى نبضات عصبية يكتمل معناها في القشرة البصرية، والأصواتُ من موجات إلى ترددات يكتمل معناها في القشرة السمعية. ثم ماذا؟ يتوقف الأمر؟ لا بد أنهم يحاولون التفكر فيها، تأملها، صياغة سرديات معقدة تجمعها. منظر الفتاة التي تسير مع أخيها، ممسكة بيده، تحمل معنى أعمق من تلك الصورة المجردة، الحب والخوف والغيرة والذاكرة والطفولة. أليس هذا ما يفعلونه في الكتب التي أقرؤها والأفلام التي أشاهدها وقصص الكبار التي أسمعها؟ أليست هذه فضيلة من فضائل الحس؟

لذا ربما ليس مرضًا، ولكنه طبع. متأصل فيزيولوجيًّا في الدماغ. كل شيء يدخله يتحول إلى إمكانية: كيف يُكتب؟ كيف يعاد تدويره؟

  1. تصف عملك الأخير بأنه «قصص قصيرة هجينة»، وحين نقرأ العمل نشعر أن هذا الهجنة تجمع السيرة بفن القص؟ ما السرُّ خلف هذا الاختيار؟

الكسل. أحيانًا نُكافأ على السلوكيات السيئة.

كنت أجبر نفسي على جمع قصصي القصيرة في كتاب. كم هي عملية مملة أن تجمع ما قرأه الناس مسبقًا في مدونتك. ثم صادفت قصة غريبة، ومنحَتْ غرابتها فرصةً لكسلي أن ينفش ريشه مستطردًا: كيف كتبتها؟ استرجعتُ حالتي في أثناء كتابتها، ورأيت أن تبرير كتابتها أفضل من القصة نفسها. وهنا يستوعب الكسلُ أنه قتل نفسه بنفسه. لأن تلك الفكرة نفخت روحًا جديدة: كم سيكون مثيرًا أن يرى القارئ ما رأيتَه حين كتبتَ القصة. ولكن لا تشرح، لا تجعلها دورة لتعليم الكتابة، دع قصة كتابة قصتك تتكلم وكأنك تروي سيرتك.

  1. وأنا أقرأ عملك لم أتوقف أبدًا عند فصول «أنا أكتب إذن أنا موجود» إلا وقد ختمت القصة التي تليها، متى أنهيت الكتاب أدركتُ أنها خطة جيدة لتحفيز القارئ، هل الأمر كان مقصودًا؟ أم منطق الكتابة فرض نفسه؟

لا أنفي أن الصدفة تخدم الكاتب أحيانًا، وكم مرة يفاجئك قارئ باستنتاج ذكي لم يطرأ عليك. ولكنني أحاول أن يكون كل شيء مقصودًا، حتى الأشياء التي يظن بعض القراء أنها زائدة، هي مقصودة وإن لم تعجبهم. هذا ما يجذبني في الكتابة، التخطيط حتى لو كان محل خلاف، وهذا ما ينفِّرني من الأدب النثري منزوع البناء. أدركت منذ الفصل الأول من «أنا أقرأ إذن أنا موجود» أن هذه الخانة ستمثِّل يدًا تأخذ بيدك إلى ما بعدها. من الصعب أن تقرأ لكاتب يُخبرك عن وفاة والده، وكيف تحولت إلى قصة امرأة مسنة، دون أن تجد عينيك تسحبانك إلى الصفحة التالية لترى كيف حدث ذلك. 

  1. تقول في كتابك: «تاريخ الإبداع هو تاريخ التغيير»، هل هذه القناعة ما يؤخر فكرة النشر لديك، أن تُحدثَ هذا التغيير؟

الكتاب لا يغيِّر، وإنما أسلوب هذا الكتاب. والأسلوب يرتبط بمشروع كامل. نحن نتذكر المتنبي أكثر مما نتذكر «فراق وهل فارقت غير مُذمَّم»، ونتذكر جويس أكثر مما نتذكر «يوليسيس». وأنا أتمنى أن أُذكر أسلوبًا أكثر مما سأُذكر بـ«كتاب» منشور بعينه.

ولذا، لا يهمّ متى تنشر، ولكن لماذا تنشر؟

  1. لكن، هل نستطيع فعلًا إحداث التغيير وكل شيء قد سبق و«قيل من قبلك» كما أكدت في كتابك؟

طبعًا، فما تقوله يتقزَّم أمام كيفية قوله، وكيفيةُ قوله نابعةٌ من العصر المعاش، وكل شخص يريد أن يتلقَّى الشيء الذي ربما قيل من قَبل بأسلوب عصره. الأسلوب هو الملك، كما يُقال. وهو ما يفرِّق بين أرسطو والجاحظ ودي مونتين وإن تشابهت أقوالهم.

  1. كتبت للسينما فِلم «القيد»، ونزل في السينما بالتزامن مع كتاب «الحافة المطلة على العالم»، هل يوجد فرق بين الكتابة الأدبية والكتابة السينمائيّة؟ وأين تجد نفسك أكثر؟

كتابتي الأدبية بصرية، بسبب مرجعيتي السينمائية، أصلًا. لذا كانت سهلة.

لكنك لا تملك النص السينمائي، هو مُلك آخرين يتصرفون به يمنة ويسرة، إذ يتوارى كتّاب السيناريو العظماء خلف مخرجيهم ومنتجيهم. أما النص الأدبي فملكك وحدك. ولذا لا مقارنة: الأدب للكاتب، السينما للمخرج.

  1. سجلت بصوتك كتاب «الحافة المطلة على العالم» على راديو ثمانية، كيف كانت التجربة؟

مرهقة. كنت مغترًّا بنفسي، أظن أن الأمر سهل، اضغط وتكلم. وإذا بي أبذل جهدًا لو علمتُه لفاوضتُ أكثر.

سأستدرج عبدالرحمن أبومالح إلى جلسةٍ أباغته فيها بمطالب أخرى. ولكن لا تخبروه.

  1. لمن يقرأ الحقيل من الكتاب المعاصرين؟

في الرواية والقصة؟ كثر، ولكن أقلّ مما يجب. من الأجانب هاندكه ويون فوسه ودون ديليلو وجورج سوندرز ولازلو كراسناهوركاي وليديا ديفيز ومكيوان وموديانو وباموق وموراكامي، إضافةً إلى الكتّاب الذين نقرأ لهم كتابًا رائعًا دون قراءة بقيّة أعمالهم. ومن العرب عزيز محمد وطارق إمام ووليد سيف وعدي الحربش وياسر عبداللطيف ومحمد العرادي وعبدالله البصيص، وأيضًا الكتَّابُ الذين نقرأ لهم كتابًا رائعًا دون قراءة بقيّة أعمالهم.

  1. ماذا تقرأ في رمضان؟ وما طقوسك في الكتابة في هذا الشهر؟

أقضيه غالبًا عند أمي، في بيتنا العائلي. لا أقرأ كثيرًا، ولا أكتب كثيرًا. رمضان يوقظ إحساسًا عميقًا -ربما مجلوبًا من الذاكرة– يحثُّ على مزيد من التراخي والتأمل والتبطل. ولذا أستمع وأسولف وأشاهد أكثر مما أقرأ أو أكتب. 


ادّخر بذكاء من كل عملية شراء 🧠

كل ريال تنفقه يمكن أن يصنع فرقًا في مستقبلك المالي. «ادخار سمارت» من stc Bank حساب ادّخاري يعطيك 4% أرباح سنوية وتقدر تسحب فلوسك بأي وقت! ادّخر اليوم، واستثمر في غدك مع

«ادخار سمارت».


هناك نصيحة جديرة بالتأمل، فإذا كنت تكتب وعجزت عن الاستمرار في الكتابة، فما عليك إلا بالقراءة: اقرأ، فستعيد الكتب منحك الإلهام. اقرأ عندما تريد الكتابة واقرأ عندما تعرف الكتابة، واقرأ عندما لا تستطيع الكتابة. كبار الأدباء لا يجلسون للكتابة أبدًا إلا بعد قراءة بعض الصفحات لكتّاب آخرين. إن هذا الطقس ضروري لشحذ الإلهام.

حسن مدن


  1. Technofeudalism: What Killed Capitalism

    تأليف: يانيس فاروفاكيس/ الناشر: Bodley Head/ عدد الصفحات: 304

وقف يانيس فاروفاكيس في بداية هذا الشهر على منصة قمة ويب في قطر ليعلن للعالم، ببلاغته المعهودة، وفاة الرأسمالية. كان خطابه هذا أحدث تعبير درامي عن أطروحة «الإقطاعية التكنولوجية» التي صاغها في كتابه «الفيودالية التقنية: ما الذي قتل الرأسمالية» (Technofeudalism: What Killed Capitalism). 

يوجه فاروفاكيس، الاقتصادي ووزير المالية السابق في اليونان، كتابه في صيغة رسالة إلى والده الراحل، الماركسي التقليدي الذي قاوم الفاشية في اليونان، وكان يؤمن أن الرأسمالية لا بد أن تسقط يومًا بثورة بروليتارية. اختيار هذا الإطار الشخصي يمنح الكتاب بُعدًا إنسانيًّا وتفسيريًّا يُهيّئ القارئ لمقاربة موضوعاته ببساطة، وهو الإطار الذي استخدمه الكاتب سابقًا في كتابه «الاقتصاد كما أشرحه لابنتي».

يرى فاروفاكيس أن الرأسمالية بصيغتها الكلاسيكية قد انتهت، وأن ما نعيشه اليوم هو نظام أكثر دهاءً ونعومة يقوم على هيمنة المنصات الرقمية. قد يبدو هذا الحكم متسرّعًا أو مبالغًا فيه، لكن قوة الكتاب لا تكمن في تنظيراته بقدر ما تكمن في الأسئلة التي يفرضها. فالكاتب يلفت الانتباه إلى تحوّل عميق في علاقتنا بالاقتصاد؛ فهو يعتقد أننا غيرنا المعادلة، وانتقلنا من كوننا مستهلكين وعمال بالأجرة إلى ما أسماه بـ«الخدم السحابيين»، وهو شيء يشبه الأقنان في النظام الإقطاعي.

هكذا أضحى عملنا الرقمي «المجاني»، سواءً في نشر المحتوى أو الإعجابات أو التسوق أو البحث، يثري الإقطاعات الجديدة مثل أمازون وقوقل. فانتباهنا وبياناتنا وسلوكياتنا الرقميّة تُقلَّب وتُحرث باستمرار لتوليد القيمة دون مقابل عادل. وهذا ما يخلق الآلية المحوريّة للنظام الجديد، الذي يفرض رسومًا (إتاوات) على كل حركة اقتصادية عبر الخوارزميات ومختلف المنصات، مما يعني أن السوق التنافسية التي كانت قلب النظام الرأسمالي، قد استُبدلت فعليًّا بـ«الإقطاعية الرقميّة».

ما يمنح الكتاب الجاذبية هو أسلوبه السلس واعتماده على التشبيهات الذكية لشرح قضايا اقتصادية معقّدة، بدءًا من استعارات مستوحاة من شخصية «دون دريبر» في مسلسل «ماد مان» وصولًا إلى مقارنات مع نظريات الفيزياء لأينشتاين. 

مع دقة هذا التشخيص في وصف هيمنة المنصات الرقمية وإحساسنا العام بالعجز، إلا أن النظرية تعاني من ثغرات جوهرية؛ فتشبيه هذه المنصات بالإقطاع مبالغ فيه، إذ يتجاهل المركزية المتأصلة في النظام الرقمي مقارنةً بلامركزية الإقطاع القديم، والأهم من ذلك، فالتحول الأكثر واقعية الذي نشهده حاليًّا يتجه نحو شكل متطرف من الرأسمالية الاحتكارية المالية، وليس نحو نمط إنتاج جديد بالكامل.

ربما لم يُسمِِّ فاروفاكيس هذا «الوحش» بأدق تسمياته، لكنه قدّم وصفًا قويًّا لملامحه المرعبة وآليات هيمنته. ولكي نفهم أطروحة هذا الكتاب بنحوٍ أفضل، يستحسن ربطها بقراءات أخرى مهمة، مثل كتاب شوشانا زوبوف «عصر رأسمالية المراقبة» (The Age of Surveillance Capitalism).

  1. رحلة الحج على خطى الجد

    تأليف:عبد الله ولد محمدي/ الناشر: المركز الثقافي للكتاب/ عدد الصفحات: 240

من الكتب الجميلة التي قرأتها مؤخرًا وتركت فيّ أثرًا طيبًا، كتاب «رحلة الحج على خطى الجد»، للكاتب والصحفي الموريتاني عبد الله ولد محمدي، وهو عمل أدبي وتوثيقي فريد يجمع بين السيرة والرواية والمخطوطات التاريخية في سرد مترابط يعيد إحياء تجربة الحج كما عاشها الجد في أواخر القرن التاسع عشر.

يرتكز الكتاب على مخطوطة قديمة كتبها الشيخ محمد فال بن باب العلوي جد الكاتب، الذي قام برحلة حج بحرية في عام 1889، واخترق خلالها الحدود التقليدية للرحلات بين بُعدها الروحي وواقع السفر في تلك الحقبة. 

واللافت أن الجد لم يسلك الطريق البري المغربي التقليدي إلى مكة المكرمة، بل اتخذ المسار البحري عبر المحيط الأطلسي مستخدمًا سفينة بخارية، وهو أمر شجاع وغير مألوف في ذلك الزمن، وقد عكس اختياره هذا توكله على الله ورغبته في اختبار روحي حقيقي. 

يعيد ولد محمدي في كتابه قراءة هذه الرحلة باستخدام تقنية «الاسترجاع السردي»، إذ يدمج بين ما دوّنه الجد بخط يده، وبين ما يستدعيه من سرد معاصر وتخييل يحافظ على روح الأحداث. بهذا الأسلوب، ينتقل النص بين زمن الجد وزمن الحفيد، فيعمل على خلق جسر بين الماضي والحاضر ويدعو القارئ إلى خوض تجربة الحج كما عاشها الجد، مع ذكر تفاصيل متعددة عن المحطات الجغرافية والثقافية التي مرّ بها، ابتداءً من موريتانيا مرورًا بمدن مثل سانت لويس ومرسيليا والإسكندرية ووصولًا إلى الحجاز. 

ومن خلال هذه الرحلة المتعبة نقف على الظروف الاجتماعية والتاريخية لتلك الحقبة، مثل طرق السفر الصعبة، والأثر الاستعماري في الثقافة والمجتمع، والتواصل بين العلماء في تلك العصور. هو عمل يشكّل شهادة ثقافية وتاريخية تعكس اهتمام المؤلف بإعادة إحياء الذاكرة الروحية والإنسانية لحج الجد، كما يقدم للقارئ تجربة قراءة غنية تراوح بين السرد الأدبي والمعرفة التاريخية. 

  1. ذاكرة البشر الأكثر سريّة

    تأليف: محمّد مبوقر سار/ ترجمة: إسكندر حمدان/ الناشر: دار أثر/ عدد الصفحات: 521

تُعدّ رواية «ذاكرة البشر الأكثر سريّة» للكاتب السنغالي محمد مبوقار سار من أبرز الأعمال الأدبية في الأدب الفرنكوفوني المعاصر، إذ سرعان ما فرضت نفسها حدثًا ثقافيًّا وفكريًّا لافتًا. وتُوّج العمل بحصوله على جائزة قونكور عام 2021، ليصبح مبوقار سار أول كاتب من إفريقيا جنوب الصحراء ينال هذا التكريم.

يقدّم سار، من الناحية الأسلوبية، عملًا غير تقليدي يجمع بين السيرة والبحث والمذكرات ورسائل متعددة الأصوات، ما يمنح النص ثراءً أدبيًّا يربط بين القارئ والشخصيات المختلفة والمعقدة. تدور أحداث الرواية حول «دياقان لاتيير فاي»، كاتب سنغالي يعيش في باريس، يكتشف صدفةً روايةً نادرة بعنوان «متاهة اللاإنسان» (Le Labyrinthe de l'inhumain)، نُشرت عام 1938 وأثارت ضجة كبيرة في حينها.

الرواية لمؤلفٍ يُدعى «ت. ش. إيليمان». يبدأ «دياقان» رحلة بحث عن آثار هذا الكاتب الذي فقدته الأوساط الأدبية، محاولًا كشف سره ومعنى كتابه. يُعد العمل تحقيقًا سرديًّا يكشف عن علاقة الكاتب بالكتابة، وجودة الأدب الأفريقي ضمن السوق الأدبي الغربي والهوية والتاريخ والذاكرة الجمعية. وتسبر الرواية أعماق التجربة الاستعمارية وما تبقى من ندوبها عبر البلدان التي يعبرها «دياقان» في أثناء بحثه عن «إيليمان».

العنوان مُستمدٌّ من اقتباس للكاتب روبرتو بولانيو، وقد أُهدي الكتاب إلى يامبو أولوقيم، الكاتب المالي الذي نال جائزة رينودو الأدبية سنة 1968، قبل أن تُلاحقه اتهامات بالانتحال الأدبي. غير أن الرواية لا تروي سيرة أولوقيم. فالكاتب يستلهم بعض ملامح حياة الكاتب المالي، لكنه، في روايته، يُنشئ عالمًا روائيًا خالصًا، ويبتعد ابتعادًا جذريًا عن السرد البيوغرافي. ومع ذلك، يظلّ عنصرًا أساسيًّا مشتركًا حاضرًا، إذ إن الحدث الذي يؤدي إلى اختفاء «ت. ش. إيليمان» من المشهد الأدبي هو أيضًا اتهامه بالسرقة الأدبية، بعد أن حظي بإشادة نقدية واسعة وأُطلق عليه لقب «رامبو الزنجي».

الرواية ممتعة بما تقدمه من متاهات التشويق التي تلازم القارئ من الصفحات الأولى حتى الختام. ولعل أهم سؤال تطرحه الرواية، والذي يشغل بال معظم الكتاب «هل يكتب المرء أم لا يكتب؟»

القراءةالكتب
نشرة إلخ
نشرة إلخ
أسبوعية، الأربعاء منثمانيةثمانية

سواء كنت صديقًا للكتب أو كنت ممن لا يشتريها إلا من معارض الكتاب، هذه النشرة ستجدد شغفك بالقراءة وترافقك في رحلتها. تصلك كلّ أربعاء بمراجعات كتب، توصيات، اقتباسات... إلخ.

+30 متابع في آخر 7 أيام