عندما يتحول الناقد إلى صانع أفلام

مع قرب رمضان، تعلن القنوات السعودية مسلسلاتها، وتعود إلينا الأسطوانة نفسها من الأعمال المبتذلة والردود الجماهيرية الممتعضة.
لكني أستطيع أن أفهم لماذا تختار القنوات دفع الأموال على تلك الأعمال؛ لأنها ببساطة تحقق مشاهدات. وأستطيع الجزم بأن هناك من يشاهد تلك الأعمال، حتى من الجمهور الممتعض.
لا أعترض على ذلك، فتحقيق أرقام مشاهدات عالية مهم لهم. لكن ما لا أستطيع تقبُّله، هو أن تلك القنوات ذاتها لا تتحدّى نفسها وتستثمر في أعمال نوعية ومختلفة بالمقابل. هنا المعضلة الحقيقة التي ستجعلنا ندور في حلقة دائرية، ونعيد الأعمال السيئة دون أي مكاسب.
نايف العصيمي

«The Secret Agent»: عندما يتحول الناقد إلى صانع أفلام
فواز العدواني
حضرت العرض العالمي الأول لفلم «العميل السري» في مهرجان كان السينمائي، وكانت الحفاوة التي استُقبل بها استثنائية بكل معنى الكلمة. التصفيق الطويل، والنقاشات التي تلت العرض، والانطباع العام بين النقاد والجمهور، كلها أشارت إلى أننا أمام عمل مهم. منذ تلك اللحظة، كان من السهل توقع أن يستمر هذا الفلم في رحلته الطويلة عبر المهرجانات والجوائز، وأن يحجز لنفسه مكانًا ضمن أبرز أفلام العام.
بدايةً، الفلم ليس مجرد فلم إثارة سياسي، بل هو عمل يتجاوز التصنيف، ليصبح دراسة عميقة عن الخوف والذاكرة والسلطة والإنسان عندما يجد نفسه وحيدًا في مواجهة نظام استبدادي ديكتاتوري. وهو من إخراج كليبر ميندونسا فيلهو، وبطولة واقنر مورا.
من ناقد في كان إلى أفضل مخرج في كان
شخصيًّا، أنا معجب بكليبر ميندونسا فيلهو منذ أن شاهدت فنه لأول مرة عام 2012 في فلم «أصوات مجاورة»، الذي أَعدُّه من أكثر الأفلام اللاتينية التي هُضم حقها. وما يجعل حضوره في مهرجان كان الأخير، مع «العميل السري»، لحظةً ذات دلالة خاصة هو أن علاقته بالمهرجان تمتد إلى أكثر من عشرين عامًا.
قبل أن يصبح ميندونسا أحد أهم المخرجين المعاصرين، كان ناقدًا سينمائيًّا يحضر المهرجان ويكتب عنه، يحلل الأفلام ويقرأ لغة السينما من الخارج. اليوم، يعود إلى المكان نفسه لا ناقدًا، بل مخرجًا يُكرَّم ويُمنح جائزة أفضل مخرج، في رحلة تعكس العلاقة العميقة بين النقد وصناعة السينما.
هذه العلاقة ليست مفاجئة، فالنقد الحقيقي ليس مجرد تقييم، بل هو شكل من أشكال الفهم العميق للغة السينما. عندما يتحول الناقد إلى صانع أفلام، فإنه يحمل معه حسًّا بصريًّا وفكريًّا مختلفًا، ووعيًا بتفاصيل الشكل والمعنى.
يمكن رؤية هذا بوضوح في مسيرة ميندونسا، خاصة في فلم «أصوات مجاورة»، إذ إن ما ميّز ذلك الفلم هو قدرته على خلق توتر دائم من خلال التفاصيل اليومية، واستخدامه الصوت عنصرًا سرديًّا، إضافة إلى نظرته الاجتماعية الدقيقة إلى الطبقة الوسطى البرازيلية. كان فلمًا هادئًا في ظاهره، لكنه يحمل قلقًا داخليًّا عميقًا. ونلاحظ أن هذا يمثِّل ثيمة ثابتة، أو بالأحرى، سمة تتكرر وتتطور بشكل أكثر نضجًا في «العميل السري».
قصة رجل عادي في زمن غير عادي
تدور أحداث الفلم في عام 1977، خلال فترة الديكتاتورية العسكرية في البرازيل، وهي حقبة امتدت من عام 1964 إلى 1985. يجسد واقنر مورا شخصية «مارسيلو» أو «أرماندو»، وهو أستاذ جامعي سابق يجد نفسه مطاردًا من النظام، ليس لأنه ثائر أو ناشط سياسي، بل لأنه ببساطة دخل في صراع مع وزير فاسد حاول الاستيلاء على أبحاثه لصالح شركة خاصة.
فكرة أن الإنسان يمكن أن يصبح هدفًا للنظام دون أن يكون ثوريًّا هي جوهر الفلم. ويمكننا أن نقول بأن الاستبداد لا يحتاج إلى أعداء حقيقيين، بل يصنعهم. يهرب «مارسيلو» إلى مدينة ريسيفي، حيث يعيش بهوية مزيفة بين لاجئين سياسيين، ويحاول إيجاد طريقة للهروب مع ابنه الصغير.
المدينة، رغم حيويتها واحتفالات الكرنفال الصاخبة، تعيش تحت ظل خوف دائم. وفي أحد أكثر عناصر الفلم غرابة وقوة، تنتشر قصة العثور على ساق بشرية داخل بطن سمكة قرش، وتتحول إلى أسطورة حضرية، في مزيج من الرعب والكوميديا السوداء، يعكس حالة الهستيريا الجماعية التي يولدها القمع.
أداء واقنر مورا: حضور استثنائي
نتوقف أمام أداء واقنر مورا في فقرة خاصة، إذ يقدم ربما أفضل أداء في مسيرته على الإطلاق. أداؤه ليس صاخبًا أو استعراضيًّا، بل يعتمد على الصمت والنظرات والتوتر الداخلي، وما يجعله استثنائيًّا هو قدرته على تجسيد شخصية إنسان عادي، لكنه يعيش في ظروف غير عادية. نشعر بخوفه وتردده ومحاولته المستمرة التظاهر بالقوة من أجل ابنه. حضوره يسيطر على الفلم بالكامل، دون أن يحاول ذلك بوضوح.
في لقاء صحفي له في مركز لينكِن للأفلام في نيويورك، قدمه المذيع واصفًا أداءه بأنه «أداء إنساني قبل أن يكون أداءً تمثيليًّا». ربما هذا ما يجعله حاضرًا ومكرَّمًا في أغلب الجوائز النقدية.
سينما برازيلية في ذروة نضجها
يعكس «العميل السري» النضج الكبير الذي وصلت إليه السينما البرازيلية في السنوات الأخيرة. هذه السينما، التي قدمت أعمالًا عظيمة في الماضي مثل «محطة برازيل» (1998) أو «مدينة الرب» (2002)، كانت تركِّز غالبًا على الواقعية الاجتماعية المباشرة.
اليوم، نرى جيلًا جديدًا من المخرجين، من بينهم كليبر ميندونسا فيلهو، يقدمون أعمالًا أكثر تعقيدًا من الناحية الشكلية والفكرية. لم تعد السينما البرازيلية مجرد مرآة للواقع، بل أصبحت أداة لتحليل الذاكرة والسياسة والهوية.
ويمثل «العميل السري» هذا التحول بوضوح. فهو فلم سياسي، لكنه أيضًا فلم عن الزمن والشعور والحياة اليومية تحت القمع. ومع أن الفلم تدور أحداثه في السبعينيَّات، إلا أنه يتحدث بوضوح عن الحاضر، ويطرح سؤالًا مهمًّا: ماذا يحدث عندما ينسى المجتمع تاريخه؟ أعتقد بأن هذا السؤال قد يشكل معضلة فنية لأغلب مخرجي البرازيل الرواد.
بعيدًا عن التشتت في طرح معالم السينما البرازيلية، لاحظت مؤخرًا أن حتى غالبية الأفلام الوثائقية البرازيلية تناقش السياسة وتنقدها بأسلوب مباشر. من بين أفلام ميندونسا الأربعة التي شاهدتها في حياتي، «العميل السري» هو الأوضح في نقده السياسي، حتى لو كانت سياسة منذ السبعينيَّات.
فلم عظيم… لكنه ليس كاملًا
مع أن الفلم ممتاز من الناحية البصرية والإخراجية والتمثيلية، فإنه يفتقر إلى عنصر معين كان يمكن أن يجعله أعظم. الفلم مثالي تقريبًا في الشكل، لكنه أحيانًا يبدو باردًا عاطفيًّا. نحن نُعجب به أكثر مما نشعر به. هناك مسافة بين المشاهد والشخصية، مسافة فكرية أكثر منها عاطفية، إن صح القول. ربما هذا خيار مقصود من المخرج لكي يجعلنا نراقب بدل أن نندمج، لكنه أيضًا ما يمنع الفلم من الوصول إلى مستوى التحفة الكاملة.
بالمختصر، فلم مهم وناضج وذكي، يعكس قوة السينما البرازيلية المعاصرة، ويؤكد مكانة كليبر ميندونسا فيلهو بوصفه أحد أهم مخرجي جيله، ويقدم أداءً استثنائيًّا لواقنر مورا.
ترشح الفلم لأربع جوائز أوسكار، من ضمنها أفضل فلم، وأفضل ممثل دور أول (مورا)، وأفضل فلم أجنبي (البرازيل)، وأفضل كاستنق. ومن المتوقع أن تحصل البرازيل على أوسكارها الثاني في فئة أفضل فلم أجنبي للعام الثاني على التوالي، بعد فوزها في 2024 بفلم «لا أزال هنا» من إخراج والتر سالس. وقد تخدم هذه الترشيحات الكريمة فرص الجمهور الأجنبي في الالتفات إلى السينما البرازيلية وإلى الطاقات السينمائية أكثر وأكثر.
أخيرًا، وبعد مشاهدتي الثانية للفلم، تيقنت أن «العميل السري» فلم عن الماضي، لكنه يتحدث عن الحاضر. فلم عن السياسة، لكنه في جوهره فلم عن الإنسان. ومع أنه ليس كاملًا، إلا أنه بلا شك أحد أبرز أفلام العام، وعمل يؤكد أن السينما، في أفضل حالاتها، ليست مجرد ترفيه، بل ذاكرة.

مبادرة «سينماء»
تأخذ على عاتقها رفع مستوى النقد ليكون محكمًا ورصينًا ومرتبطًا بسينمانا السعودية. دون أي فوارق بين المتعة والمعرفة الجادّة.
ليكتمل المشهد، تعرف على «سينماء».



في دور السينما 📽️
يبدأ اليوم الخميس عرض فِلم الأكشن والجريمة «Gangstas» من إخراج عادل العربي وبلال فلاح (مخرجَي Bad Boys). تدور أحداث الفِلم في عالم الجريمة بمدينة أنتويرب، حيث يجد «أدّامو» وأصدقاؤه أنفسهم مجددًا في دوامة الصراعات القديمة، بعد محاولة فاشلة لبدء حياة جديدة، لتتصاعد المواجهات وسط عنف متجدد وولاءات على المحكّ.
كما يُعرض اليوم فِلم الدراما التاريخية «O’ Romeo» الذي يستعرض عالم الجريمة في مومباي بعد الاستقلال، مع تسليط الضوء على صعود عصابات جديدة وسط المدينة المتغيرة، حيث تتشابك أحداث الجريمة مع حياة السكان في سرد مشوق مملوء بالتوتر والتحديات.
أخبار وإعلانات سينمائية 📰
طرحت «Lucasfilm» مقطعًا تشويقيًّا جديدًا لفِلم الأكشن والخيال العلمي «The Mandalorian & Grogu»، الذي يتابع رحلة «الماندالوريان دين جارين» برفقة متدربته «قورقو» في مهمة جديدة، ومن المقرر عرضه في دور السينما بتاريخ 22 مايو، 2026.
كما طرحت شركة «20th Century Studios» برومو دعائيًّا جديدًا لفِلم الخيال العلمي «Project Hail Mary»، الذي يروي مهمة إنقاذ الأرض من خطر كبير من خلال السفر عبر السنوات الضوئية والتواصل مع حضارات فضائية، مع تحديد موعد عرضه في 20 مارس، 2026.
وأعلنت شركة إنتاج أفلام «The Mummy» عودة النجمين براندن فريزر وريتشل وايز للعمل معًا في الجزء القادم، بعد مرور خمسة وعشرين عامًا على آخر تعاون لهما في السلسلة.
عروض المنصات الرقمية 📺
على «Netflix» يُعرض فِلم الأكشن البرازيلي «State of Fear»، الذي تدور قصته حول «إليزا»، شابة نشأت في أحياء الجريمة في ساو باولو، تُختطف على يد شرطة فاسدة، فتحاول ابنة عمّها «كريستينا» إنقاذها.
كما يُعرض على «Netflix» مسلسل الكوميديا «How to Get to Heaven from Belfast»، الذي يتابع ثلاث صديقات منذ أيام المدرسة، ومغامراتهن غير المتوقعة بعد تلقّيهن خبر وفاة صديقة قديمة. تدفعهن الأحداث الغريبة في أثناء الجنازة إلى الدخول في تحقيق غامض يجمع بين الفكاهة والتشويق.
يُعرض أيضًا على «Netflix» مسلسل الغموض والجريمة الكوري «The Art of Sarah»، الذي يتابع تحقيقًا في قضية جريمة قتل معقدة تكشف أسرارًا مظلمة داخل المجتمع.
وعلى «Hulu»، يُعرض الموسم الثاني من مسلسل المغامرة «The Artful Dodger»، الذي يتابع حياة «جاك دوكينز» المزدوجة بين الجريمة والعمل القانوني في القرن التاسع عشر، وسط مغامرات ممتلئة بالإثارة والتحديات.
وعلى «Prime Video» يُعرض الموسم الثاني من مسلسل الأكشن والجريمة «Cross»، الذي يروي مغامرات المحقق «أليكس كروس» في حل الجرائم المعقدة ومواجهة القتلة المتسلسلين.

في عام 2016، ظهرت رواية جريمة غامضة تحمل الاسم المستعار «Andrea Killmore»، أسَرت القرّاء وأثارت فضولهم حول هوية المؤلف. وبعد ثلاث سنوات، كشف الصحفيون أن الاسم المستعار كان للكاتبين: إيلانا كاسوي المتخصّصة في علم الجريمة، ورافائيل مونتيس الروائي المعروف بأدب الإثارة، اللذين مزَجا بين البحث الواقعي في أنماط الجرائم والسرد الروائي المشوّق، ليقدّما تجربة قراءة مشحونة بالإثارة والدهاء النفسي.
نجاح الرواية دفع نتفلكس إلى تطويرها إلى مسلسل تلفزيوني، ليصبح أول مسلسل إثارة نفسية وجريمة أصلي تنتجه في البرازيل، مع إشراف مؤلّفَي الرواية شخصيًّا على السيناريو وتصميم التصوير، لضمان الحفاظ على جوهر القصة وتوسيعها بما يناسب السرد البصري المكثف.

في «Good Morning, Verônica»، نتابع «فيرونيكا توريس»؛ امرأة عادية تكافح بين مسؤوليات البيت وضغط العمل في جهاز الشرطة. تتغير حياتها فجأة عندما تصل إلى القسم امرأةٌ للإبلاغ عن اعتداء ثم تنتحر داخله، فتندفع «فيرونيكا» إلى عالم مظلم من الجرائم الممنهجة، حيث يظهر مجرم يستخدم مواقع المواعدة لاستدراج ضحاياه، ويمارس السيطرة النفسية على كل من حوله.
ومن هنا، تنطلق رحلة «فيرونيكا» في محاولة القبض على هذا المجرم وتسليمه إلى العدالة. مع كل خطوة تخطوها، وكل خيط تتبعه، يزيد الخطر ويقترب أكثر من حياتها الشخصية وماضيها العائلي، ليصبح التحقيق اختبارًا وجوديًّا يختبر مهنيّتها ويضع عواطفها على المحكّ في آن واحد، ما يجعل التوتر النفسي جزءًا لا يتجزأ من كل قرار تتخذه. ومن هذا التوتر المتداخل تنبثق قوة المسلسل؛ في تركيزه العميق على البناء النفسي للشخصيات وديناميكيات السيطرة والاستغلال، بعيدًا عن المطاردات أو المفاجآت التقليدية، حيث يظهر الشر بوصفه نظامًا متكاملًا من الصمت والخوف والاستغلال، وليس مجرد فرد واحد.
يمنحك المسلسل رؤية حادة وعميقة للمجتمع من منظور عنصر نسائي، في سياق برازيلي يتّسم بارتفاع جرائم العنف ضد النساء. من خلال أعين «فيرونيكا»، تتابع آليات الجريمة بواقعية مروعة؛ استراتيجيات المجرم في تتبع ضحاياه، واختياراته الدقيقة المدروسة بعناية. مع كل لحظة يزداد شعورك بالضغط النفسي، ويتجلّى الابتزاز العاطفي والسلطة الخفيّة التي تتحكم بالأحداث، لتشعر بالقلق المستمر وتتساءل عن العدالة والاستغلال. وبينما تتعمق في الحبكة، يطرح المسلسل سؤالًا صادمًا يلاحقك: ماذا لو كان مصدر الأمان نفسه هو من يهدّدك؟
عهود أبو خيرة
.png)
ادّخر بذكاء من كل عملية شراء 🧠
كل ريال تنفقه يمكن أن يصنع فرقًا في مستقبلك المالي. «ادخار سمارت» من stc Bank حساب ادّخاري يعطيك 4% أرباح سنوية وتقدر تسحب فلوسك بأي وقت! ادّخر اليوم، واستثمر في غدك مع
«ادخار سمارت».

«Manhã de Carnaval»(2:58)


انتشر تصنيف موسيقا «البوسا نوفا» لأنه وصل في لحظة كان العالم مستعدًّا فيها لسماع شيء أكثر حميمية. وتشكّل هذا الأسلوب بهدوء في ريو دي جانيرو أواخر الخمسينيات، فأعاد تعريف العلاقة بين الإيقاع والصوت، وجمع بين إيقاع سامبا مُخفَّف وقيتار يقود اللحن، ومساحات صمتٍ تمنح الموسيقا توترها الخاص.
وعندما ظهر فِلم «Black Orpheus» في 1959، قدّم البوسا نوفا جزءًا من المزاج العام والصورة، فارتبطت النغمة بالمشهد، والمدينة بالأسطورة، وانتقلت البوسا نوفا من إطار محلي محدود إلى تداول عالمي عبر الشاشة الكبيرة.
يستعير الفِلم أسطورة «أورفيوس» و«يوريديس» الإغريقية؛ «أورفيوس» العازف الذي يملك صوتًا يسحر البشر ويؤثّر في الطبيعة، يفقد «يوريديس» في لحظة مأساوية، فينهار عالمه ويقرر النزول إلى عالم الموتى لاستعادتها بالموسيقا، وتصبح «يوريديس» الدافع الوحيد وراء رحلته.
لكن الفكرة في الفِلم تُنقل من عالم الأسطورة إلى ريو دي جانيرو خلال أيام الكرنفال، أكبر احتفال شعبي في المدينة، حين تتحوّل الشوارع إلى مساحات مفتوحة للموسيقا والرقص والأقنعة، وتختلط الحياة اليومية بالاحتفال الجماعي.
لا تُبنى العلاقة بين «أورفيوس» و«يوريديس» عبر أحداث درامية، بل عبر الصوت. فالموسيقا هي المساحة التي يلتقيان فيها بعيدًا عن ضجيج المدينة، وهي الرابط الحقيقي بينهما. وكل تصعيد في القصة يمرّ «موسيقيًّا» قبل أن يظهر سرديًّا، وكل فقدٍ يبدأ حين يتوقّف الصوت.
أبرز أغاني الفِلم
أغنية «Manhã de Carnaval»
تقوم على قيتار أكوستيك منخفض، مع جملة لحنية قصيرة تُعاد بتغييرات طفيفة في الإيقاع والتنغيم. البناء بسيط ويعتمد على الفراغ بقدر اعتماده على النغمة. تمثّل الأغنية إحساس الحنين والانتظار، وتعكس الطابع التأملي الذي ميّز البوسا نوفا في بداياتها بوصفها موسيقا لا تبحث عن الذروة.
أغنية «A Felicidade»
الافتتاحية الفكرية للفِلم. تبدأ بهدوء ثم تنتقل تدريجيًّا إلى إيقاع سامبا جماعي صاخب. ويعكس تحوّلها التقني مضمونها الدلالي في كون الفرح حالة مؤقتة وسريعة الزوال. تُستخدم في افتتاح الفِلم مع الانتقال البصري من الرخام الإغريقي إلى شوارع الفافيلاس.
أغنية «Samba de Orfeu»
أغنية حيوية وسريعة الإيقاع، تعتمد على طاقة السامبا الجماعية. وتظهر في المشهد الختامي في الفِلم، حين يأخذ الأطفال قيتار «أورفيوس» ويعزفون ويرقصون مع شروق الشمس. وتمنح الأغنية إحساسًا بالاستمرارية لا بالختام.
عبدالعزيز خالد


اليوم نقول أكشن مع هذا المشهد من فِلم «Bacurau» الصادر عام 2019.
تدور أحداث الفِلم في قرية باكوراو في الشمال الشرقي البرازيلي، ويبدأ مع عودة بطلة الفِلم «تيريزا» إلى القرية لحضور جنازة جدّتها، لتتكشف في الخلفية قرية تعيش على الهامش؛ إذ يُقطع ماؤها، وتُهمَل طرقها، ويَستثمر عمدتها الفقر لمصلحته. وقد تبدو في البداية أنها مشكلات محلية يمكن تفسيرها بالفساد أو الإهمال، لكن يحضر حول الأحداث إحساس بأن هناك من يراقب المكان.
ووسط هذا الإحساس يأتي المشهد نقطة تحوّل؛ حيث يستعرض المعلّم جهازًا لوحيًّا أمام طلابه ليحدد موقع قريتهم باكوراو على الخريطة الرقمية، لكن تظهر أمامهم مساحة بلا اسم ولا إحداثيات، كأن القرية لم تكن موجودة أصلًا.
أقوى ما في المشهد بساطته وبرودته؛ فهو عبارة عن حدث صغير لكنّه يغيّر معنى كل ما سبقه. وقبل هذه اللحظة كان التوتر اجتماعيًّا، وبعدها يتضح أن المسألة أعمق من سوء إدارة. فحين تُمحى القرية من الخريطة، يتحول وجودها إلى مسألة اعتراف. وما لا يظهر في النظام لا يُتتبّع، ولا يُسأل عنه ولا يُستدعى له عون. وبهذه الحركة يعلن الفِلم أن المعركة ليست على الأرض وحدها، بل على حق الظهور داخل التمثيل الذي يُعرّف العالم، وحذف الاسم يغيّر وضع القرية السياسي.
تعتمد طريقة بناء المشهد على الثقة بذكاء المتلقي؛ إذ لا يفسّر نفسه ولا يكشف الفاعل. ويمنح هدوؤه الفكرةَ وزنها، ويجعل «الخلل التقني» سؤالًا عن السلطة. وحذف القرية من الخريطة فِعل محو رمزي يسبق أي عنف لاحق؛ فقبل أن يُستهدف المكان يُستهدف اسمه، وقبل أن تُحتلّ الأرض يُلغى حضورها في السجل.
حين تختفي باكوراو من النظام، تُختزل إلى فراغ رقمي، وإلى نقطة لا تستحق التوثيق، كأن الوجود نفسه مشروط بأن يُعترف به داخل قاعدة بيانات. ويذهب المشهد أبعد من حدود القرية، فهو تذكير بأن ما لا يظهر على الشاشة قد يُعامل كأنه غير موجود، وأن البيانات ليست انعكاسًا محايدًا للعالم بل أداة تنظيم له.
عبدالعزيز خالد

فقرة حصريّة
اشترك الآن


قبل أن يتحوّل «Cidade de Deus» إلى ظاهرة سينمائية صادمة وواقعية، كان اسمًا لحيّ حقيقي في مدينة ريو دي جانيرو، وواحدًا من أحياء «الفافيلا»، وهو مصطلح برازيلي يطلَق على الأحياء الفقيرة والمكتظة بالسكان في المدن الكبرى، حيث يُفتقر إلى البنية التحتية، وتعيش الأسر في ظروف اقتصادية صعبة. لكن الفافيلا ليست مجرد مكان فقير، بل ظاهرة اجتماعية كاملة تشكّلت بفعل التهميش والعنف واقتصاد الجريمة، مع قوانين حياة خاصة بها بعيدًا عن مؤسسات الدولة.
من قلب هذا العالم، خرج الكاتب البرازيلي ذو الأصول الإفريقية باولو لينس، الذي نشأ في الحي نفسه وعاش تفاصيله اليومية. سنوات من الملاحظة والتدوين الشخصي، وتجارب الطفولة والأصدقاء، تحوّلت إلى رواية صدرت عام 1997، وأثارت ضجة واسعة داخل البرازيل وخارجها، بسبب صراحتها القاسية وواقعيتها غير المسبوقة في تصوير حياة الفافيلاس.
وعندما وصلت الرواية مصادفةً إلى يد المخرج فيرناندو ميريليس، لم يكن يفكر أصلًا في صُنع فِلم عن هذا العالم، إذ شعر أنه لا ينتمي إليه اجتماعيًّا. لكن القراءة كانت صادمة؛ فقد كشفت الرواية له جانبًا من بلده لم يعرفه، مع أنه عاش فيه طوال حياته، وعرّت الفجوة بين الصورة العامة وما يحدث فعليًّا داخل الفافيلاس. ومع تقدّم الصفحات، بدأ يتخيل الفِلم بصريًّا، مشهدًا بعد آخر، حتى قرر فور انتهائه من القراءة التواصل مع باولو لينس للحصول على حقوق تحويل الرواية إلى سيناريو، لتبدأ رحلة تحويل واحدة من أكثر الروايات جرأة في الأدب البرازيلي إلى أحد أعظم الأفلام البرازيلية.
وبهذه المعلومة نستهلّ فقرة «دريت ولّا ما دريت» عن فِلم «City of God»:
معظم الممثلين في الفِلم لم يكونوا ممثلين محترفين، بل اختيروا من أحياء ريو الفقيرة نفسها، مثل ألكسندر رودريقيز «بوسكابي» الذي عاش فعليًّا في «Cidade de Deus»، ولياندرو فيرمينو «زي بيكينو» الذي جاء للاختبار لمجرد مرافقة صديقه، دون أن يكون لديه أي طموح تمثيلي.
بعض اللحظات الأكثر صدقًا في الفِلم لم تُكتب في السيناريو أصلًا؛ من بينها حديث «بوسكابي» عن أنه لم يستحمَّ قط بماء ساخن، وهو حديث جاء من نقاش عفوي خلال استراحة تصوير. وكذلك مشهد صلاة العصابة قبل المواجهة، الذي أُضيف في أثناء التصوير بعد أن أوضح أحد المشاركين -وكان مطّلعًا على واقع العصابات- أن الصلاة طقس معتاد قبل أي مواجهة كبيرة. وافق المخرج على إدخال اللحظة كما هي، فصُوّرت بعفويتها الكاملة.
لم يُصوَّر الفِلم في «Cidade de Deus» خوفًا على سلامة فريق العمل، بل في حي مجاور أقل خطرًا. ومع ذلك، حافظ المخرج على التفاصيل الدقيقة لتصوير الحياة اليومية في الفافيلاس.
لإضفاء أقصى قدر من الواقعية على مشاهد العصابات والصراعات المسلحة، استُخدمت أسلحة حقيقية في الفِلم، لكنها خالية من الذخيرة لضمان سلامة الممثلين وفريق العمل، ما جعل مشاهد إطلاق النار تبدو طبيعية ومؤثّرة بصريًّا.
كان التمثيل الواقعي للعنف مدروسًا بعناية؛ قبل مشهد اعتداء «ماريكو» على «دادينيو»، طلبت مدربة التمثيل من الممثلين ممارسة تصرفات عدوانية وتمارين تنمُّر صغيرة على «دادينيو» لمدة خمسة عشر يومًا، ما جعل دموع دوقلاس سيلفا حقيقية، وأضفى صدقًا ملموسًا على المشهد.
بعض الممثلين في «City of God» كانوا موسيقيين مشهورين بالفعل، مثل سيو خورخي الذي شارك في الفِلم بدور «مانييه قالينيا»، وأيضًا تظهر أغنية «Convite Para Vida» التي يؤدّيها ضمن الموسيقا التصويرية الرسمية، لتضيف نكهة ثقافية أصيلة للفِلم.
عهود أبو خيرة

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.