كيف تتحول دول الشرق الأوسط إلى شبكات
ماذا يحدث عندما تتبنى الدولة نفسها منطق الشبكة؟ وماذا يعني أن تنتقل هندسة السيادة واتخاذ القرار من نموذج هرمي إلى نموذج موزّع يقوم على الترابط واللامركزية؟

يمرّ الشرق الأوسط بمرحلة تحوّل غير مسبوقة ستعيد تشكيل شكله وواقعه بصورة عميقة وجذرية.
يحلِّل عدد الأسبوع هذا التحوّل عبر نظرية لافتة: تنامي نموذج الدول الشبكية.
قراءة ماتعة!
عمر العمران


كيف تتحول دول الشرق الأوسط إلى شبكات
مأمون فندي
لم يبدأ مفهوم «الدولة الشبكية» بوصفه نظرية في الدولة أو في السيادة، بل وُلد في الهامش البحثي لدراسات مكافحة التمرد والحروب غير المتكافئة. فقد نشأ داخل برامج بحثية سعت إلى فهم تحوّل طبيعة الصراع من مواجهة جيوش نظامية إلى التعامل مع فواعل موزعة، عابرة للحدود، تعمل وفق منطق الشبكات لا وفق التسلسل الهرمي. وقد صيغ مفهوم «حرب الشبكات» في هذا السياق بوصفه نمطًا من الصراع لا يمتلك فيه الخصم مركزًا قياديًّا يمكن تدميره، بل بنية من العُقد المترابطة التي تتشارك الموارد والمعلومات والسردية، وتتمتع بقدرة عالية على إعادة التشكل بعد كل ضربة.
لكن ما بدأ توصيفًا لحركات ما دون الدولة تحوّل، تدريجيًّا، إلى سؤال أكثر جذرية: ماذا يحدث عندما تتبنى الدولة نفسها منطق الشبكة؟ وماذا يعني أن تنتقل هندسة السيادة واتخاذ القرار وإدارة الأمن القومي من نموذج هرمي إلى نموذج موزّع يقوم على الترابط واللامركزية وتسريع دورات القرار؟

في الشرق الأوسط، ظهر أول نموذج عملي قريب من فكرة «الدولة الشبكية» في السلوك الإقليمي الإيراني. فقد بُني النفوذ الإيراني خارج الحدود لا عبر حروب تقليدية أو احتلال مباشر، بل عبر نسيج من الوكلاء والشركاء المحليين، تُدمج فيه الصراعات المحلية داخل بنية إقليمية واحدة من التنسيق العملياتي واللوجستي والإعلامي. لم تكن إيران تصدّر القوة بقدر ما كانت تُدرج نفسها داخل الصراعات، وتحولها إلى عُقد في شبكة أوسع.
غير أن التحول الإسرائيلي كان أكثر دلالة، لأنه لم يأتِ من موقع مشروع توسعي، بل من موقع إخفاق استراتيجي. فقد كشفت حرب عام 2006 حدود العقيدة العسكرية الإسرائيلية التقليدية أمام خصم شبكي متكيّف ومتجذر اجتماعيًّا.لم تكن المشكلة في نقص القوة أو ضعف الاستخبارات أو محدودية التفوق التكنولوجي، بل في عدم ملاءمة بنية القيادة والسيطرة لمنطق الخصم.

منذ ذلك التاريخ، بدأت عملية إعادة هندسة بطيئة، ولكن عميقة، داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ثم داخل منظومة الأمن القومي الأوسع. أُعيد توزيع القيادة على مستويات إقليمية ووظيفية متعددة، وأُعيد تصميم دورة القرار لتصبح أقصر وأكثر محلية، وجرى دمج الاستخبارات والعمليات والقدرات السيبرانية والاستهداف اللحظي في عقد عملياتية واحدة. لم تعد السلطة الأمنية محصورة في مركز استراتيجي واحد، بل أصبحت موزعة عبر شبكة من القيادات الميدانية وغرف العمليات القادرة على اتخاذ قرارات سريعة استجابة لسياق محلي متغير.
هذا التحول لم يكن مجرد إصلاح تنظيمي أو تطوير في وسائل القتال، بل مثّل انتقالًا في منطق الدولة نفسه. إذ لم يعد الأمن يُفهم بوصفه حماية حدود، بل بوصفه إدارة شبكة من التهديدات المترابطة. ولم تعد ساحات غزة ولبنان وسوريا والفضاء السيبراني تُدار بوصفها جبهات منفصلة، بل بوصفها عُقدًا ضمن منظومة واحدة. وأصبح معيار الأمن ليس سلامة الخطوط الجغرافية، بل سلامة منظومات الإنذار والاتصال والقيادة والسيطرة وقواعد البيانات والبنية التحتية الرقمية.
بحلول منتصف العقد الماضي، استقر هذا النموذج بوصفه عقيدة عمل. لم تعد الضربة العسكرية، ولا العملية السيبرانية، ولا تفكيك شبكة تمويل، ولا استهداف عقدة لوجستية، مسارات مستقلة، بل أجزاء من سلسلة عملياتية واحدة. كما اندمج القطاع التكنولوجي المدني وشركات الأمن السيبراني ومراكز البحث والتطوير في المنظومة الأمنية، ما أدى إلى تآكل الحدود التقليدية بين المجالين المدني والعسكري.
حتى عام 2022، بدت هذه الصيغة الشبكية مصدر قوة استثنائية. فقد استطاعت إسرائيل أن تعمل في أكثر من ساحة في الوقت نفسه، وأن تضرب عُقدًا محددة في شبكات خصومها، وأن تدير مستويات التصعيد بدقة عالية دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة. لم تعد الحرب حدثًا استثنائيًّا، بل عملية مستمرة لإدارة الشبكات المعادية. ولم يعد الهدف هو الحسم، بل التحكم في مستوى الترابط لدى الخصم ومنعه من التحول إلى شبكة إقليمية متكاملة.
غير أن الشبكة، مهما بلغت مرونتها، تبقى شبكة من عُقد. والأنظمة الموزعة، وإن كانت قادرة على امتصاص الضربات الكبرى، تبقى شديدة الحساسية تجاه الخلل الموضعي في لحظة زمنية دقيقة. وهنا تكمن المفارقة البنيوية في الدولة الشبكية.

لقد كشف هجوم السابع من أكتوبر 2023 هذه المفارقة بوضوح. فلم يكن الهجوم موجّهًا إلى العمق الاستراتيجي الإسرائيلي أو إلى مركز القيادة السياسي والعسكري، بل إلى إحدى العقد الطرفية الحساسة في المنظومة الشبكية، أي شبكة غلاف غزة، بما تضمّه من منظومات إنذار محلية، ومراكز قيادة ميدانية، وروابط اتصال، وقدرات استجابة سريعة. ومع تعطيل هذه العقدة، انتقلت الصدمة إلى بقية الشبكة. لم يكن ما جرى مجرد خرق أمني، بل اختراقًا لمفهوم الدولة الشبكية نفسه، لأن التفوق الشبكي الذي بُني لتجاوز منطق الحرب التقليدية تحوّل، في تلك اللحظة، إلى نقطة ضعف.
تلتقي هذه التجربة مع النقاش الدائر في الولايات المتحدة وأوربا حول معنى «النصر» في الحروب الحديثة. ففي سياق الشبكات، لم يعد النصر يُعرّف بوصفه هزيمة عسكرية نهائية لخصم مركزي، بل بوصفه قدرة مستدامة على منع الشبكات المعادية من تحقيق أهدافها الاستراتيجية. يتحول النصر من لحظة فاصلة إلى عملية طويلة من الإضعاف والتعطيل وإدارة المخاطر. وفي هذا العالم، لا توجد نهاية حرب واضحة، لأن الخصم ليس كيانًا هرميًّا يمكن إجباره على الاستسلام، بل شبكة قادرة على إعادة التشكّل.
بعد السابع من أكتوبر، لم تخرج إسرائيل من منطق الدولة الشبكية، بل اندمجت فيه على نحو أعمق. فحروبها لم تعد موجهة ضد دول، بل ضد شبكات: شبكات قيادة وشبكات تمويل وشبكات تهريب وشبكات اتصال وشبكات دعم إقليمي. وبذلك أصبحت، من حيث البنية العملياتية، أقرب إلى صورة معكوسة للنموذج الإيراني الذي واجهته طويلًا.
هذا التحول البنيوي ينعكس مباشرة على سؤال الدولة الفلسطينية. فالدولة الشبكية لا تنظر إلى القضية الفلسطينية بوصفها مشكلة سيادية يمكن حلها عبر ترسيم حدود وإنشاء دولة، بل بوصفها شبكة تهديدات يمكن إدارتها وتفكيك عُقدها ومنعها من الاندماج في شبكة إقليمية أوسع. ما دام بالإمكان التحكم في مستويات التصعيد، ومنع الترابط بين غزة والضفة ولبنان والساحات الإقليمية الأخرى، فإن الدافع الأمني لقبول حل الدولتين يتراجع من كونه ضرورة استراتيجية إلى كونه خيارًا سياسيًّا محفوفًا بالمخاطر.
وينطبق المنطق نفسه على مفهوم السلام مع الجوار العربي. ففي العقيدة التقليدية، كان السلام مع الدول العربية هو الطريق لتخفيف التهديد الوجودي. أما في منطق الدولة الشبكية، فالأولوية لا تُمنح لإنتاج سلام تاريخي شامل، بل لتفكيك الروابط بين الساحات، وعزل الشبكات المعادية عن بعضها، ومنع تشكّل بيئة إقليمية مترابطة معادية. ومن هذا المنظور، يمكن فهم التحولات التي أتاحتها اتفاقات التطبيع الأخيرة بوصفها اختراقًا في شبكة العزلة الإقليمية، لا تحولًا في جوهر الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي.
لو افترضنا، نظريًّا، حدوث تحول جذري في بنية السلطة في طهران، فإن إعادة ترتيب العلاقة معها تصبح ممكنة من منظور الدولة الشبكية دون المرور بالبوابة الفلسطينية. لأن العداء القائم ليس صراع حدود أو اعتراف، بل صراع شبكات ووكلاء وساحات مترابطة. تفكك هذه الشبكة كفيل وحده بتغيير المعادلة الاستراتيجية.
غير أن الأهم من الحالة الإسرائيلية وحدها هو السؤال الأوسع: هل نحن أمام تمدد لنموذج الدولة الشبكية في الشرق الأوسط؟

تشير تطورات العقد الأخير إلى أن هذا النموذج لم يعد مقتصرًا على قوى كبرى أو دول ذات عقائد أيديولوجية عابرة للحدود. فدول متوسطة الحجم باتت تمارس نفوذها الإقليمي عبر أدوات شبكية واضحة في ليبيا والسودان، وفي مواني البحر الأحمر، وعبر الانخراط في معادلات أمنية في أرض الصومال، وبناء شبكات من الشراكات الأمنية والاقتصادية واللوجستية. وما اعتراف إسرائيل باستقلال أرض الصومال إلا نموذجًا لذلك. هذا الحضور لا يقوم على السيطرة الإقليمية المباشرة، بل على بناء عُقد تأثير في سلاسل التجارة والطاقة والملاحة والأمن المحلي.
وبالمثل، تتحرك تركيا، بوصفها دولة كبرى إقليميًّا، ضمن منطق قريب من الدولة الشبكية في ليبيا والقرن الإفريقي والسودان والصومال وإريتريا، عبر مزيج من الوجود العسكري المحدود، والتدريب، والاتفاقات الأمنية، والارتباط بالبنى السياسية المحلية، واستخدام أدوات اقتصادية وثقافية. النفوذ هنا لا يُمارس من خلال الاحتلال أو الضم، بل من خلال إدماج هذه الساحات في شبكة مصالح وأمن متداخلة.
ما يجمع هذه النماذج ليس تشابه الأهداف السياسية، بل تشابه منطق العمل. فالدولة الشبكية، سواء كانت صغيرة أو متوسطة أو كبيرة، لم تعد بحاجة إلى السيطرة الإقليمية المباشرة كي تكون فاعلًا مؤثرًا. يكفيها أن تبني شبكة من العُقد في المواني والممرات البحرية والأنظمة المحلية والشركات والبنى الأمنية، لتتحول إلى لاعب مركزي في معادلات إقليمية معقدة.
تبعات هذا التحول على الأمن الإقليمي عميقة. فانتشار منطق الدولة الشبكية يعني أن الصراعات لم تعد محكومة بجبهات واضحة أو باتفاقات سلام قابلة للقياس، بل أصبحت صراعات على الترابط، وعلى السيطرة على العُقد الحيوية في سلاسل الإمداد والمواني والمضائق والبنى الرقمية والشبكات المالية. كما يعني أن الحروب ستصبح أقل قابلية للانتهاء وأكثر قابلية للاستدامة المنخفضة الحدة، وأن أدوات الردع التقليدية ستفقد جزءًا كبيرًا من فعاليتها.
في هذا السياق، يبدو خطاب «النصر المطلق» الذي ترفعه بعض القيادات السياسية تعبيرًا عن مفارقة عميقة. فهو خطاب ينتمي إلى عالم الدولة التقليدية، في حين أن الواقع الأمني في الشرق الأوسط يتحرك، على نحو متزايد، داخل عالم الدولة الشبكية، حيث لا توجد لحظة حسم نهائي ولا نهاية واضحة للصراع، بل إدارة مستمرة لشبكات متنافسة.
قد تستطيع الدولة الشبكية أن تؤجل القرارات الاستراتيجية الكبرى، وأن تشتري الوقت عبر جولات متعاقبة من حروب الشبكات. لكنها لا تستطيع أن تلغي كلفة هذا التأجيل إلى الأبد. ففي عالم تُدار فيه الصراعات عبر العُقد والروابط، لا يكمن الخطر الأكبر في قوة الشبكات المعادية وحدها، بل في هشاشة الشبكة الذاتية، حين تتحول إحدى عقدها، في لحظة غير متوقعة، إلى نقطة انكسار كبرى تهزّ المنظومة بأكملها.

كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭
مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨
موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!
هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗
التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

فقرة حصريّة
اشترك الآن


في حلقة «سياسي صعيدي في الغرب» من بودكاست فنجان، يتناول العالم السياسي مأمون فندي صعود التيَّارات اليمينية حول العالم وانعكاسات ذلك على الشرق الأوسط، كما يحلل مواقف الدول العربية وأدوارها وتأثّرها بالتحولات الجذرية القائمة في المنطقة.
*تعبّر المقالات عن آراء كتابها، ولا تمثل بالضرورة رأي ثمانية.

مساحة رأي أسبوعية تواكب قضايا اليوم بمقالات ولقاءات تحليلية في مختلف المجالات، لتمنحك فرصة استكشاف الأحداث وتكوين رأي تجاهها.