هل تنبّأ «Eyes Wide Shut» بإبستين؟

في كل أشكال الفن، يأتي كثير من الأعمال الناجحة من مبدعين لهم سوابق وسجلّات شخصية مثيرة للجدل، أو تصرفات لا يمكن الدفاع عنها أو تبريرها. ولو دقّقنا في كل فكرة وكلمة، أو فعل صدر من كاتب أو مخرج أو ممثل، سنجد أن لأغلبهم أفكارًا «لا تشبهنا»، وبالكاد ستبقى أفلام يمكننا الحديث عنها أو عرضها في صالات السينما.
فهل امتنعت عن حضور «One Battle After Another» بعدما رأيت صور ليوناردو ديكابريو في حفلات ديدي؟ أو هل كرهت «Forrest Gump» و«Toy Story» بعد ظهور توم هانكس في قائمة زوّار جزيرة جيفري إبستين؟ الفصل بين الفن وصانعه -إلا في حالات نادرة- ليس تجاهلًا للخطأ والجريمة، لكنه يسمح لنا، على الأقل، بالتركيز على العمل ورسالته واللحظة التي يقدمها، بعيدًا عن اختلافنا التامّ مع صانعيه.
عبدالعزيز خالد

هل تنبّأ فِلم «Eyes Wide Shut» بقضية إبستين؟

عهود أبو خيرة
منذ أيام، وخلال حديث عابر مع صديقة، وجدت نفسي أعود إلى ذكرى من الطفولة لم أفهم لماذا ما زالت حاضرة بكل هذا الوضوح. صديقة اختفت فجأة، بلا تبرير وبلا وداع وبلا نهاية. المدهش أنني، رغم كوني معروفة بنسيان الأسماء والوجوه بسرعة، -ذاكرة سمكة إن صحّ التعبير- ما زلت أتذكّر أدق التفاصيل عنها، إلى درجة أنني أحفظ رقم هاتف منزلهم عن ظهر قلب حتى اليوم. هنا تساءلت: لماذا لم تُمحَ هذه الذكرى مثل غيرها؟ ولماذا أستحضرها الآن؟ وما علاقتها بقضية جيفري إبستين، وبفِلم «Eyes Wide Shut»؟
السر وراء الغموض
يملك علم النفس إجابة غير رومانسية تمامًا، لكنها دقيقة. في عشرينيَّات القرن الماضي، توصّلت عالمة النفس بلوما زيقارنيك إلى ما يُعرف اليوم بـ«تأثير زيقارنيك»، وهو ميل الدماغ البشري إلى الاحتفاظ بالأشياء غير المكتملة في الذاكرة أكثر من تلك التي أُغلقت وانتهت. السبب بسيط وقاسٍ في آنٍ واحد: يتعامل الدماغ مع ما لم يكتمل على أنه «مهمة لم تُنجز»، فيواصل معالجتها غير واعٍ بحثًا عن نهاية تمنحه راحة معرفية!
هذه الآلية نفسها هي ما يجعل فِلم «Eyes Wide Shut»، آخر أعمال ستانلي كوبريك، عالقًا في الذاكرة الجماعية منذ أكثر من عقدين. لا يقدّم الفِلم غموضًا ناتجًا عن نقص، بل غموضًا مقصودًا، مصممًا نفسيًّا ليضع المُشاهد في حالة عدم ارتياح معرفي دائم. لا نعرف من هم أصحاب الطقوس، ولا مدى نفوذهم، ولا إن كان التهديد الذي يواجهه البطل حقيقيًّا أم مجرد انعكاس لهواجسه ورغباته. لا يمنح كوبريك إجابات، لأنه يعرف أن الإجابة تغلق التجربة، بينما السؤال يُبقيها حية.
يفعل الفِلم شيئًا أكثر دهاءً من مجرد ترك الأسئلة مفتوحة؛ إنه يزرع فجوات واضحة في السرد. شخصيات تظهر وتختفي بلا خلفيات، مثل الفتاة التي ضحّت بنفسها لإنقاذ الدكتور «بيل هارفورد» (توم كروز)، والحوارات الغريبة التي دارت بينه وبين «ألبرت» في غرفة البلياردو، التي تبدو مقطعة ومليئة بالتلميحات غير الواضحة، والمشهد غير المبرر عند محل ملابس التنكّر مع البائع وابنته، إضافةً إلى مشاهد الطقوس السرية داخل القصر الغامض!
في علم النفس المعرفي، تُعرف هذه الظاهرة بسدّ الفجوات، حيث لا يحتمل العقل الفراغ السردي، فيبدأ تلقائيًّا بإكمال القصة بنفسه. المُشاهد هنا لا يستهلك الفِلم، بل يشارك في بنائه، وربما في إسقاط مخاوفه عليه، ومن ثَم، يكمن النبوغ الحقيقي للفِلم في إجبار العقل على الاستنتاج.
قضية إبستين حدثٌ بلا إغلاق
تمثّل قضية جيفري إبستين نموذجًا واقعيًّا لحدث ضخم بلا إغلاق. قضية امتدت لأكثر من عشرين عامًا، شملت اتهامات بسوء استغلال القاصرات. شبكة علاقات مع شخصيات سياسية ومالية نافذة، وجزيرة معزولة تحوّلت إلى رمز للغموض والريبة. ومع أن القضية بلغت ذروتها بانتحار إبستين داخل زنزانته عام 2019، فإن نهايتها لم تمنح العقل البشري ما يبحث عنه؛ سببًا واضحًا، شبكة مكشوفة، أو نتيجة حاسمة. طالت المحاكمات، ونُشرت الملفات، لكن الصورة الكاملة بقيت غامضة، وهو ما ترك فراغًا سرديًّا مزعجًا لا يزال حاضرًا حتى اليوم.
لماذا يربط العقل بينهما؟
ربط «Eyes Wide Shut» بقضية إبستين يحدث بأثر رجعي. عُرض الفِلم عام 1999، بينما انفجرت القضية إعلاميًّا في 2019. لكن حين يواجه العقل واقعًا صادمًا مليئًا بالأسئلة غير المجابة، يصبح أكثر استعدادًا للبحث عن نماذج تفسيرية جاهزة. بعد انكشاف قضية إبستين، أعاد الناس قراءة الفِلم كأنه كان يلمّح إلى شيء ما. هذا ما يسميه علم النفس «التحيّز بأثر رجعي»؛ حين تبدو الأحداث السابقة أوضح وأكثر دلالة بعد معرفة ما حدث لاحقًا. أضف إلى ذلك ميل الدماغ إلى مطابقة الأنماط: نخبة، عزلة، طقوس، سلطة صامتة. تشابه الإشارات السطحية يكفي ليقنع العقل بوجود رابط جوهري، حتى لو اختلف السياق وانعدمت الأدلة المباشرة.
باختصار، لم يربط الناس «Eyes Wide Shut» بقضية إبستين لأن الفِلم تنبّأ بالمستقبل، بل لأنه وفّر لغة بصرية وسردية لفهم واقع لا يملك لغة واضحة. لم يكن الفِلم نبوءة، بل نموذجًا ذهنيًّا جاهزًا. وعندما يعجز الواقع عن تقديم نهاية، يستعير العقل نهايته من السينما.
وهنا يصبح السؤال الأعمق: ماذا لو كانت المؤامرة الأوسع، والأكثر إتقانًا، هي إبقاء العقل في حالة اشتباه دائم، فضول بلا نهاية، أسئلة تُفتح أكثر مما تُغلق؟ تاركك في متاهة من الاحتمالات اللانهائية…

السينما وُجدت لتبقى
متى تنسى الناس السينما؟ إذا كانت مجرد تجربة بحدود الساعتين، حالما ينتهي الفلم، تختفي من ذاكرتك. مبادرة «سينماء» من هيئة الأفلام انطلقت لتضيف للتجربة عمقًا وتأثيرًا يتجاوز قاعة العرض. من خلال مسارات متنوعة تهدف إلى إثراء المشهد السينمائي السعودي، ودعم المواهب النقدية، وصناعة محتوى يليق بتاريخ السينما ومستقبلها.



📽️ في دور السينما
يبدأ اليوم الخميس عرض الفِلم المرشح للأوسكار «The Secret Agent»، وهو عمل درامي سياسي تدور أحداثه في البرازيل عام 1977، حيث يعود خبير تقني إلى مسقط رأسه في مدينة ريسيفي هربًا من ماضٍ معقّد، قبل أن يكتشف أن المدينة تُخفي صراعات وأخطارًا تتجاوز ما تركه خلفه.
كما يُعرض اليوم فِلم الخيال العلمي والرعب «The Astronaut»، الذي يتتبّع قصة رائدة فضاء تعود إلى الأرض بعد هبوط اضطراري، لتوضع تحت الحجر الصحي والمراقبة المكثفة. لكن تتصاعد شكوكها بأن قوة غير بشرية قد عادت معها من رحلتها الفضائية، في تجربة مشحونة بالتوتر والقلق النفسي.
وفي اليوم نفسه يُعرض فِلم الأكشن والخيال العلمي «Worldbreaker»، الذي يروي قصة أب يعزل ابنته في جزيرة نائية لحمايتها من تهديدات قادمة، بينما يعمل على تدريبها على البقاء والاستعداد لمعارك مصيرية قد تغيّر مستقبلها إلى الأبد.
كما يُعرض فِلم الإثارة والتشويق «The Housemaid»، الذي يتناول حكاية شابّة تبحث عن بداية جديدة حين تعمل خادمة لدى زوجين ثريَّين، قبل أن تنكشف أمامها أسرار مظلمة تجعلها تدرك أن العائلة التي لجأت إليها أخطر بكثير مما كانت تتخيل.
ويُعرض أيضًا فِلم الإثارة والبقاء «Killer Whale»، الذي يقدّم حكاية صديقتين تُحاصَران في بحيرة نائية في أثناء مواجهة شرسة مع حوت قاتل، في قصة انتقام تنبع من أعماق البحر وتضع الشخصيات في سباق مرعب مع الموت.
📰 أخبار وإعلانات سينمائية
بعد أكثر من خمسة عشر عامًا على عرض الجزء الثاني، عاد الحديث مجددًا عن الجزء الثالث من سلسلة «Sherlock Holmes»، حيث دخل المشروع رسميًّا مرحلة التطوير بعد سنوات من التوقف، وسط توقعات بعرض الفِلم خلال الأعوام القليلة المقبلة.
كما طرحت استوديوهات «20th Century Studios» المقطع التشويقي الأول لفِلم «The Devil Wears Prada 2»، حيث يقدّم لمحة مبكّرة عن عودة الشخصيات الأيقونية من الجزء الأصلي في إطار جديد يجمع بين الموضة والصراع المهني، وذلك تمهيدًا لعرض الفِلم في دور السينما في 1 مايو، 2026.
كشفت شركة «A24» عن فِلمها الجديد «The Drama»، الذي ينتمي إلى فئة الكوميديا الرومانسية، وتدور أحداثه حول خطيبين تبدأ علاقتهما بالانهيار مع اقتراب موعد زفافهما بعد انكشاف أسرار غير متوقعة. الفِلم من بطولة زيندايا وروبرت باتينسون، ومن المنتظر طرحه في دور العرض 3 أبريل المقبل.
📺 عروض المنصات الرقمية
على (Netflix)، يُعرض اليوم الموسم الرابع من مسلسل «The Lincoln Lawyer»، حيث يواصل المحامي «ميكي هالر» الدفاع عن قضاياه المعقدة في لوس أنجلوس، ويواجه تحديات جديدة تهدد براءته وسط شبكة من الأدلة المتشابكة.
كما يُعرض على (Netflix) المسلسل الألماني «Unfamiliar»، الذي يتابع زوجين من الجواسيس السابقين مطاردين من عملاء استخبارات وقتلة، في صراع يجمع بين الأكشن والتوتر والدراما الزوجية في أثناء محاولة حماية أسرار ماضيهما.

نشأت ثقافة الهيب - هوب أوائل السبعينيات في أحياء نيويورك الفقيرة استجابةً اجتماعية للتمييز والعنصرية والفقر، ووسيلة للتعبير عن الذات. واعتمدت، منذ بداياتها، على نقل هموم المجتمع وواقعه. ثم مع الوقت، ظهرت خلافات علنية بين الفنانين، ارتبطت بالمنافسة على السيطرة على السوق، وأحيانًا، تدخّلت فيها عصابات أو تحولت إلى عنف حقيقي، ما جعل الهيب - هوب ساحةً تجمع الفن والتوتر الاجتماعي معًا.
ومع أن معظم الفنانين، على مدار تاريخ الهيب - هوب، حرصوا على إبقاء خلافاتهم ضمن الموسيقا أو خلف الكواليس، كان هناك من يختار المواجهة العلنية، كأن سقوط خصومهم يمنحهم متعة خاصة. أبرز هؤلاء هو فيفتي سنت، الذي خاض صراعًا طويلًا مع شون كومبس، المعروف باسم «P. Diddy» أو «Puff Daddy»، أحد أقوى رجال الأعمال السود في صناعة الموسيقا، الذي كان يُنظر إليه يومًا على أنه رمز للنجاح والنفوذ.
كان صراع الاثنين خليطًا من الفن والمال والسيطرة على صناعة الهيب - هوب. فهاجم فيفتي سنت كومبس وانتقد أعماله وشركاته، وصرّح بأنه كان يكتب كلمات أغاني ديدي بشكل متخفٍّ. كما امتلك كلا الطرفين شبكة من الفنانين والداعمين، فتوسّع الصراع ليشمل النفوذ التجاري والعقود، حتى أصبح معركة على الصورة العامة والآراء الإعلامية، حاول فيها كل طرف تقويض الآخر.

لكن في 2023، داهمت السلطات منازل ديدي في لوس أنجلوس وميامي، ضمن تحقيقات تتعلق بالاتّجار بالجنس وجرائم جنسية محتملة. وأسفر التفتيش عن ضبط مواد مخدرة، إضافة إلى كميات كبيرة من مواد مرتبطة بممارسات جنسية، إلى جانب أسلحة نارية وأجزاء منها.
أضاف هذا الحدث مستوى مختلفًا إلى الصراع؛ فقد أعطى فيفتي سنت الحافز لإنتاج المسلسل الوثائقي «Sean Combs: The Reckoning»، الذي يروي تجربة العمل مع ديدي، عبر مقابلات مع من كانوا يعملون معه، ويتتبّع صراعات ديدي مع عدة فنانين، مثل توباك شَكور، ويكشف تورّطه المستمر في عدة جرائم بشعة.
مع كل حلقة من الحلقات الأربع، يزداد التعقيد وتتصاعد الأحداث، كما يعود الوثائقي إلى جرائم قديمة ويربطها بالوضع الحالي لديدي، لتتضح سلسلة الأدلة التي تشير إلى تورطه وتكشف زوايا لم تُعرض من قبل في الإعلام، مقدّمًا صورة كاملة للصراع وآثاره في مسيرته وشهرته.
أغرب ما في محتوى الوثائقي أنه يستعرض لقطات أُخِذت في الأيام الأخيرة قبل دخول ديدي إلى السجن، في أثناء محاولته التعامل مع القضية القانونية التي واجهها. صوّر هذه اللقطات مصوّر وظّفه ديدي لتوثيق لحظاته قبل الاعتقال، وكانت جزءًا من مشروع شخصي لم يُمنح الإذن بنشره، لكنها ظهرت لاحقًا في الوثائقي بعد أن حصل عليها منتجو العمل. وتُظهر تلك المَشاهد ديدي في غرفة فندق وهو يناقش استراتيجيته القانونية، ويتعامل مع تدهور وضعه القانوني والاجتماعي في تلك الفترة.
عبدالعزيز خالد
.png)
ادّخر بذكاء من كل عملية شراء 🧠
كل ريال تنفقه يمكن أن يصنع فرقًا في مستقبلك المالي. «ادخار سمارت» من stc Bank حساب ادّخاري يعطيك 4% أرباح سنوية وتقدر تسحب فلوسك بأي وقت! ادّخر اليوم، واستثمر في غدك مع
«ادخار سمارت».

«Carter Burwell - Overture»(4:26)

-.jpg)
قبل أن تتحوّل الموسيقا التصويرية لفِلم «Conspiracy Theory» إلى ما نعرفه اليوم، كتب الملحّن كارتر بورويل هذه الألحان في الأصل في أثناء عمله على فِلم «Fargo 1996». خلال ذلك المشروع، درس بورويل مع الأخوين كوين مدى جدية أو خفة نبرة الموسيقا، محاولًا إيجاد الصوت المناسب للجو البارد والغريب للبلدة، لكنهم فضّلوا في النهاية عدم استخدامها، إذ اختاروا نبرة جادة تتماشى مع كوميديا الفِلم السوداء الغريبة.
وبعد مدة، وفي أثناء عمله على موسيقا «Conspiracy Theory»، أرسل بورويل عدة ألحان إلى المخرج ريتشارد دونر والمنتج جويل سيلفر، لكنّ أيًّا منها لم يلقَ إعجاب جويل، الذي طالب بأن تعكس الموسيقا الافتتاحية، على الفور، جانبًا كوميديًّا وغير مهدد، لتضع المشاهد منذ البداية في أجواء أكثر مرحًا.
استجاب بورويل لهذا التحدي بإعادة استخدام اللحن الذي جرّبه سابقًا في «Fargo»، وأضافه إلى الموسيقا الافتتاحية، فأعجب المخرج والمنتج على الفور. ليصبح اللحن الرئيس للفِلم الذي يعكس التوازن بين طرافة الشخصية الرئيسة، وغموض المؤامرات، والتهديد المستمر لعالم «جيري فليمنق». ومن هذا الأساس، طوّر بورويل موسيقا الفِلم لتتجاوز أربعين دقيقة من الألحان، وهي مدة طويلة نسبيًّا بالنسبة إلى فِلم إثارة، مما منح كل مشهد عمقًا نفسيًّا وسردًا صوتيًّا متكاملًا.
في هذا الإطار، تتكشف أحداث الفِلم حول «جيري فليمنق»، سائق تاكسي غريب الأطوار، مهووس بنظريات المؤامرة، ويشعر أن الحكومة تراقبه في كل لحظة. يتقاطع عالمه الداخلي المضطرب مع حياة «أليس»، المحامية الذكية التي تحاول فهمه ومساعدته على كشف الحقيقة والنجاة وسط شبكة من الأكاذيب والمؤامرات، فيصبح كل لقاء وكل تحرك جزءًا من رقصة نفسية بين الواقع والوهم.
أبرز المقطوعات
مقطوعة «Carter Burwell - Overture»
هي الافتتاحية الأساسية للفِلم، وتظهر في مشهد التاكسي حين يشرح البطل «جيري فليمنق» نظرياته لزبائنه، أو يغوص في كتابة مؤامراته وبحثها. تبدأ بنغمات جاز خفيفة وإيقاعات غريبة تعكس اضطراب عقل البطل، لكنها في الوقت نفسه تمنح المشاهد إحساسًا بعالم الجاسوسية والعمل السري، كأنك تشاهد لمحة من «جيمس بوند». الموسيقا هنا تدعم شعور «جيري» بأنه على وشك كشف الحقيقة المخفيّة وراء شبكة من الأسرار، وتصبح جسرًا صوتيًّا بين الغموض والطرافة.
مقطوعة «Wheelchair Chase»
تظهر هذه المقطوعة خلال مشهد هروب «جيري فليمنق» على الكرسي المتحرك بعد اعتقاله، وتتميز بقرع طبول متكرر وإيقاع واضح وسريع، يعكس إحساس الخطر المستمر. يعزّز النمط الإيقاعي توتر المطاردة، ويجعل المشاهد يعيش الإحساس بالخطر العنيف الذي يلاحق البطل، بينما تتداخل نغمات حادة ومفاجئة لإضفاء بُعد من الغموض والإثارة، فتتحول الموسيقا إلى جزء لا يتجزّأ من تجربة الهرب نفسها.
مقطوعة «First Date»
تُسمع هذه المقطوعة خلال اللحظات الهادئة الأولى التي تجمع «جيري فليمنق» و«أليس»، حين يبتعد الفِلم مؤقتًا عن المطاردات ونظريات المؤامرة، ليمنح الشخصيتين مساحة إنسانية بسيطة. تتميز الموسيقا بلحن خفيف ودافئ، يتخلّله لمسة كوميدية - رومانسية ناعمة، تعكس شعور السلام المؤقت، ومحاولة خجولة لالتقاط لحظة طبيعية. يعتمد اللحن على بساطة الإيقاع مع الحفاظ على النبض الذهني العام للموسيقا التصويرية.
مقطوعة «Now You Tell Me»
تظهر هذه المقطوعة في لحظة الحقيقة، حين تتكشف الأسرار التي كان يؤمن بها «جيري» ضمن نظريات المؤامرة، لتمنح المشهد شعورًا بالانتصار الجزئي والوضوح المفاجئ. تعتمد الموسيقا على الأوتار الصاعدة التي تعكس الارتقاء نحو الحقيقة، وتدعم الإحساس بالهيبة والانتصار، بينما يبقى الغموض محيطًا بالأحداث، ليخلق مزيجًا متقنًا من الارتياح والتحفّظ والترقب في آنٍ واحد.
عهود أبو خيرة

اليوم نقول «أكشن» مع هذا المشهد الصادم من فِلم «A Beautiful Mind 2001»، من إخراج رون هاورد.
تبدأ قصة الفِلم مع عالم الرياضيات العبقري «جون ناش» (راسل كرو)، طالب الدراسات العليا في جامعة برينستون أواخر الأربعينيات. «ناش» شاب لامع ومنعزل، ومهووس بفكرة واحدة: أن يقدّم إنجازًا علميًّا أصيلًا يخلّده في التاريخ، لا مجرد عمل أكاديمي تقليدي. منذ الافتتاحية، يرسم الفِلم شخصية «ناش» على أنه شخص استثنائيّ فكريًّا، لكنه مثقل بالتوقعات والضغط النفسي، يعيش هاجس إثبات ذاته وتحقيق اختراق رياضي «ثوري» يؤهله للحصول على منصب أكاديمي مرموق.
يرافق «ناش» في هذه المرحلة زميله في السكن «تشارلز هيرمان» (بول بيتاني)، شخصية اجتماعية ومرحة، ونقيض تام لبرود «ناش» وعزلته. يبدو «تشارلز» داعمًا نفسيًّا وفكريًّا، ويصبح مساحة أمان يلجأ إليها «ناش» في لحظات الشك والانكسار، مما يعزز ثقته بقدراته ويدفعه إلى الاستمرار في سعيه المحموم نحو التميز.
وبالفعل، بعد سنوات، تقوده عبقريته في التحليل والملاحظة الدقيقة إلى لفت انتباه الحكومة الأمريكية، فيستقطبه العميل الغامض «ويليام بارشر» (إد هاريس)، ويكلّفه بمهمة سرية بالغة الحساسية: تفكيك شفرات ورسائل مشفّرة يعتقد أن أعداء الولايات المتحدة يرسلونها عبر الصحف والمجلات العامة. هنا يتحول مسار الفِلم من دراما أكاديمية إلى أجواء توتر وتجسس، حيث ينخرط «ناش» في عمل سري لصالح وزارة الدفاع، مقتنعًا بأنه يؤدّي دورًا وطنيًّا حاسمًا في إحباط مؤامرة كبرى تهدد الأمن القومي.
في هذا المشهد المفصلي، تصل «أليشيا ناش» إلى زوجها داخل المصحة النفسية، بعد أن بدأت خيوط الحقيقة تتكشف أمامها. زيارتها مكتبه، المكدس بقصاصات الصحف والمجلات، تقودها إلى الرسائل التي كان يرسلها باستمرار معتقدًا أنها تقارير سرية موجهة إلى وزارة الدفاع. هناك، تدرك الصدمة كاملة: لا مؤامرة، ولا مطاردة، ولا مهمة استخباراتية… بل عقل منهك يصنع واقعًا بديلًا ليحتمي به. في هذه اللحظة، تتأكد «أليشيا» أن زوجها مصاب بـ«الفصام»، وتواجهه بالحقيقة دون مواربة: أنت مريض نفسيّ!
تكمن قوة المشهد في الانقلاب الإدراكي الذي يفرضه على المُشاهد. فحتى هذه اللحظة، كنا مثل «جون ناش» تمامًا، متيقنين من أنه مطارد، وأنه جاسوس يؤدي مهمة وطنية سرية. يضعنا الفِلم في موضع الشريك لا المتفرج، فنصدّق الوهم لأننا نراه بأعين البطل. ومع هذا الاعتراف الصادم، ينهار السرد السابق دفعة واحدة، وتتبدّل نظرتنا لكل ما مضى من مشاهد.
يبدأ العقل بالعودة إلى البداية؛ مشهد دخول «تشارلز هيرمان» إلى الغرفة. في المشاهدة الأولى بدا حضوره طبيعيًّا ومريحًا، لكن بعد انكشاف الحقيقة، تتضح التفاصيل التي زرعها المخرج بذكاء منذ اللحظة الأولى: حركات «تشارلز» السريعة، ودخوله المفاجئ، وتنقلاته الخفيفة وغير المبررة داخل الغرفة، وطريقة كلامه المتدفقة والسريعة، كلها تأتي نقيضًا كاملًا لشخصية «جون» الانطوائية والبطيئة. هذا التناقض ليس عبثيًّا، وإنما هو تجسيد دقيق لطبيعة الفصام؛ فالشخصية المتخيلة غالبًا ما تمثل الوجه الآخر الذي يفتقده المريض أو يتمناه.
إخراجيًّا، يذهب رون هاورد أبعد من الأداء، فيبني الوهم بصريًّا. يقف «تشارلز» غالبًا في زوايا غير واضحة الرؤية بالنسبة إلى بقية الموجودين، يظهر فجأة في أماكن غير متوقعة، كأنه يعلم سابقًا موقع البطل قبل وصوله. لا يتفاعل معه أحد سواه، ولا يترك أثرًا حقيقيًّا في المكان. وجوده وكل أفعاله تبدو -بعد الاعتراف- غير منطقية، لكنها منطقية تمامًا إذا ما قُرئت بوصفها نتاج عقل مضطرب لا جسدًا حقيقيًّا.
عهود أبو خيرة

فقرة حصريّة
اشترك الآن


حين ظهر أوليفر ستون في مقابلته مع جو روقن، استعاد الجدل حول فِلمه «JFK» الصادر عام 1991، وشرح لماذا صنعه من الأساس. فعاد إلى ما قبل عام 1991، وإلى لحظة اتّخذ فيها قرار تحويل ملف اغتيال جون كينيدي إلى فِلم، رغم معرفته السابقة بثمن ذلك.
ذكر ستون أن قراره هذا لم يكن استفزازًا فنيًّا، بل شعورًا بأن الرواية الرسمية أُقفلت قسرًا، وأن الأسئلة الجوهرية شُوِّه أصحابها أو أُسكِتوا. وتحدّث عن قناعته بأن الاغتيال لم يكن فعلًا فرديًّا، وإنما كان حدثًا سياسيًّا غيّر اتجاه الدولة، وأعاد القرار إلى مؤسسات عسكرية واستخباراتية بعينها، مثل قيادات في وكالة الاستخبارات المركزية وهيئة الأركان المشتركة، وهي جهات رأى كينيدي أنها تعوق مشروعه.
من تلك القناعة وُلد فِلم «JFK» ليكون أداة ضغط؛ فلم يسعَ ستون إلى إغلاق القضية، كما أوضح في المقابلة، بل سعى إلى فتحها وإجبار الرأي العام على مواجهة التناقضات الجنائية والسياسية التي تجاهلتها لجنة وارن. أما الهجوم الإعلامي الذي لاحق الفِلم، فقد كان متوقّعًا بالنسبة إليه، لكن ما لم يتوقعه هو النتيجة المباشرة التي ولّدها ضغط جماهيري واسع انتهى بتأسيس هيئة مراجعة سجلات الاغتيال والإفراج عن ملايين الوثائق الرسمية بعد عقود من الحجب.
هكذا تحوّل فِلم صُنع بدافع الشك إلى توثيق وسبب لإعادة النظر في واحدة من أكثر القضايا حساسية في التاريخ الأمريكي.
وبهذه المعلومة نستهلّ فقرة «دريت ولّا ما دريت» عن فِلم «JFK» الصادر عام 1991:
عُرض الفِلم على أعضاء مجلس الشيوخ والنواب الأمريكي في ديسمبر 1991، ليطلعوا على تفاصيل الأحداث الواقعية والتناقضات المتعلقة باغتيال كينيدي. وأسهم الفِلم في زيادة الضغط الجماهيري والسياسي، ما أدى لاحقًا إلى الإفراج المبكر عن ملايين الوثائق الرسمية قبل الموعد المحدد في 2029.
صُوِّرت معظم الأحداث في مواقعها الفعلية، ومنها مشاهد اعتقال لي هارفي أوزوالد ثم مقتله على يد جاك روبي، ومشهد اغتيال كينيدي في ديلي بلازا، الذي استغرق عشرة أيام وتضمّن إغلاق الطرق وإعادة بناء المنطقة العمرانية بشكل مطابق لما كانت عليه عام 1963.
صُوِّر مكتب الرئيس في البيت الأبيض بدقة استنادًا إلى أرشيف الصور والتسجيلات، مع مراعاة تفاصيل صغيرة مثل اللون والأثاث، مع أن المشهد ظهر لثماني ثوانٍ فقط، وبالأبيض والأسود.
استعان ستون بفريق بحثي ضخم من أربعة وعشرين باحثًا، قرأ بعضهم أكثر من 200 كتاب عن الاغتيال، ودرس ستون عشرات الكتب والتقارير الرسمية بالتوازي مع عمله على مشاريع سينمائية أخرى. شمل هذا البحث دراسة ملفات لجنة وارن، والمستندات الأرشيفية، واللقاءات مع الأشخاص الذين عايشوا الأحداث أو كان لهم دور مباشر فيها.
تنازل معظم الممثلين في «JFK» عن أجورهم كاملة أو جزء كبير منها، بهدف مساعدة الفِلم على الاستثمار في تفاصيل الإنتاج المكثفة، مثل إعادة بناء المواقع التاريخية، وتأمين فريق بحث ضخم، وتجهيز المشاهد بشكل دقيق يتوافق مع الواقع. وبفضل هذه التنازلات، تمكّن الفِلم من إدماج مجموعة من المواهب البارزة التي كانت قادرة على تقديم أداء عاطفي ومركّز، دون أن يُثقل الإنتاج بالأجور العالية.
عبدالعزيز خالد

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.