لماذا أعجبتنا بكائية «هامنت»؟ 💔

في أول رد لبول دانو بعد انتقادات تارانتينو لأدائه في فلم (There Will Be Blood)، أبدى سعادته لرد الناس نيابةً عنه، وعدم حاجته إلى الدفاع عن نفسه.
وعلى أني أحب تارانتينو صانع الأفلام ولا أطيق تارانتينو الإنسان، خاصة عندما يتحدث، إلا أنني لا أفهم حجم الهجوم عليه بسبب رأيه في أداء ممثل. بول دانو كان رائعًا في الفلم، ولا نحتاج إلى قمع تارانتينو لإثبات ذلك.
برأيي فرط الحساسية هذا كان مبالغًا فيه.
نايف العصيمي

لماذا أعجبتنا بكائية «هامنت»؟ 💔
إيمان أسعد
كيف لك أن تتعاطف مع مشهد موت طحيلبة مجهرية من الهائمات الدولابية، تهرع فزعةً في قطرة الماء الوشيكة على الجفاف، تهتز في اختلاجات مروِّعة قبل أن تلفظ نفسها الأخير؟
كيف لك أن تبكي بحرقة عليها كما لو أنَّ فلذة كبدك مات للتو بين يديك؟
بسيطة. شغِّل الموسيقا التصويرية لفلم «هامنت».
لا أقول هذا عبثًا أو سخرية، بل هذه حيلتي (وأتصور حيلة كثيرين غيري) في ترجمة مشاهد الموت والفقد في الروايات. لا بد أني استمعت إلى مقطوعة (On the Nature of Daylight) عشرات المرات وأنا أترجم رواية «موت في العائلة». وللعلم، مشهد الطحيلبة حقيقي من كتاب ينتمي إلى أدب الطبيعة أعكف على ترجمته حاليًّا، وبكيت عليها بحرقة. لم أختر مقطوعة ماكس ريختر الشهيرة أعلاه، بل مقطوعة أخرى من «هامنت» تدعى (Of earth and heaven)، وتركتها على وضعية التكرار. فاختيار المقطوعة المناسبة، التي تعزف على الوتر الحساس فيك وفق خصوصية كل مشهد، فنٌّ وضرورة.
وقد أتقنت المخرجة كلوي جاو اختيار كل ما من شأنه أن يعزف على أوتارنا الحساسة في عناصر بناء فلمها.
هدف الفلم الأوحد دفعك إلى البكاء (والنحيب)
مهما تحدثت عن الحبكة فلا يوجد أي حرق لأحداث الفلم. فالسطران اللذان يعرّفان الفلم يخبرانك بكل ما تحتاج إلى معرفته: ويليام شكسبير وزوجته آنييس يحتفيان بولادة ابنهما هامنت؛ لكن حين تقع المأساة ويموت الابن في سنٍّ صغيرة، يلهم موته شكسبير إلى كتابة مسرحيته الخالدة «هاملت».
هذا يعني غياب أي عنصر تشويقي على مستوى الحبكة؛ لن يتآكلنا القلق على احتمالية نجاح شكسبير بعد قراره الذهاب إلى لندن بمساعدة آنييس، والتركيز على مساره المهني المسرحي بعيدًا عن زوجته وأطفاله؛ ولن نفاجأ بانقلاب الأحداث واختيار الموت هامنت بدل أخته التوأم جوديث. وبالتأكيد لن نُذهَل من الرابط الخفي العجيب بين «هاملت» المستوحى من «هامنت».
هذا فلم عن التعامل مع الفقد، ولا علاقة للفقد بمعرفة ما قد يحدث. الفقد يتعلق بالتصالح مع ما حدث أصلًا، بعد منحه حقه من التفجُّع والألم والبكاء.
الفلم واضحٌ في هدفه، وهذا الوضوح أثار بعض الآراء الجدلية حوله، من أشهرها اتِّهامه بأنه «فلم قائم على التلاعب العاطفي» وأنه «مجرد إباحية بكائية». التهمة الثانية مشتقة من عنوان مراجعة نقدية في نيويوركر انتشرت في أروقة الريلز وتك توك.
سأعود في النهاية إلى استكمال هذه الفكرة؛ لكن دعنا نتحدث أولًا عن الفلم.
الطبيعة شاهدٌ على دائرة الولادة والموت والبعث
في مقطع ريلز انتشر مؤخرًا عن ورشة قدَّمتها كلوي جاو تصف فيها طريقة ترتيبها مشاهد أفلامها، قالت إنها تكتبها في دائرة، حيث يعيدنا المشهد الأخير إلى المشهد الأول. وهذا ما نراه في فلم «هامنت»، إذ يستهل بالشجرة العظيمة حيث ترقد آنييس أسفلها في وضعية الجنين. المكان نفسه حيث نشهد ولادة الحب بين ويليام وآنييس ويسرد عليها قصة أورفيوس، والمكان الذي تلد فيه مولودها البِكر، والمكان الذي تدفن فيه صقرها.
وفي المشهد الأخير نجد غور الشجرة المظلم والعميق، الأشبه بالرحم والقبر معًا، مجسَّدًا على خشبة المسرح، على هيئة البوابة من حيث يخرج الممثلون، وحيث نشهد بعث هامنت بطلًا خالدًا.
إدخال كلوي جاو الطبيعة عنصرًا أساسيًّا في بناء مشهدية الفلم لا يعبِّر فحسب عن شخصية آنييس وانتمائها إلى الطبيعة بوصف نفسها وسلالتها من النساء بـ«ابنة الغابة»، بل هو تعبيرٌ أيضًا عن وجود الطبيعة عنصرًا أساسيًّا في مسرحيات شكسبير وسونيتاته. الشجرة المعمرة العظيمة تجسد الأبدية بمقاييس أعمار البشر؛ حيث مرور الواحد فينا على كوكب الأرض من الضآلة بمكان بحيث لا يعادل في عمرها سقوط ورقة من أغصانها. وشكسبير يعبِّر عن ذلك في سونيتات الفقد.
منها مثلًا وصفه في سونيتة «بأي يومٍ من أيام الصيف أشبِّهك؟» (بتعريب جبرا إبراهيم جبرا) حين يختمها قائلًا:
أما صيفك الأبدي فلن يسري فيه الذبول
ولن يفقد الحسن الذي تمتلكه
ولن يفخر الموت بأنك تطوف في ظلِّه
حين تعاصر الأزمان في أبياتٍ خالدة:
فما دام في الناس رمقٌ وفي العيون بصر
هذا القصيد سيحيا، وينفخ فيك الحياة.
والفن هنا، مجسَّدًا في فن المسرح، يأخذ مقام الشجرة المعمرة العظيمة وأبديَّتها.
فقد الأب أزرق وفقد الأم أحمر
ثمة أفلام يستحيل عليك تصوُّر ممثلين آخرين في أدوارها، وهذا الإحساس تخرج به من فلم «هامنت». الأدوار الثلاثة الرئيسة لويليام شكسبير وآنييس وهامنت، ما كان ليؤديها أحدٌ أفضل مما أدَّاها بول مسكال وجيسي بكلي وجاكوبي جوب. ولا يخفى طبعًا أنَّ الشخصية المهيمنة هي لآنييس وعواطفها. ولعلَّ المشهد الذي يُعَدُّ «ماستر سين» هو مشهد صرختها لحظة وفاة هامنت المروِّعة في حجرها.
عن هذا المشهد، تقول كلوي جاو في بودكاست «ذ إنترفيو» إنها لم توجِّه بكلي إلى أداء معيَّن، وتركت لها الحرية في التعبير عن مشاعرها. وكانت بكلي قد قررت قبل التصوير الاستعانة بالموسيقا، وظلت تستمع إلى مقطوعة محددة على وضعية التكرار، إلى ما قبل الدخول في المشهد. المشهد رائع، لكن برأيي ليس الأشد تأثيرًا من مشاهد بكلي. في تلك اللحظة لم تساورني أي رغبة بذرف الدموع، لأنَّ صرخةً كهذه هي الحد الأدنى الذي تتوقعه من أي أم فُجِعَت اللحظة بوفاة ابنها المفاجئة.
المشهد البكائي الذي دفعني للبكاء تجسَّد في أداء بول مسكال على خشبة المسرح، في تجسيده الفاجعة المتأخرة المكبوتة المحمَّلة بالذنب، المتوارية خلف حوارٍ مسرحي. (ليس سرًّا أننا نتعاطف أكثر مع دمعة الرجل من دمعة المرأة)،
هنا يأتي إبداع بكلي، لا في صرختها ودموعها، بل في عينيها المشدوهتين وهي تتابع أداء «هاملت» على خشبة المسرح بذهول وصدق ومتعة. هنا بكيت عليها، وطبعًا جاءت الذروة مع اللمسة التي رافقتها موسيقا (On the Nature of Daylight)؛ هنا بكائي تحوَّل إلى نحيب!
فيما يخصُّ المشهد الأخير، لا بد أن أشير إلى توقعٍ سابق لم يتحقق: كنت على علم بوجود مقطوعة (On the Nature of Daylight) في الفلم لأنها ضمن ألبوم الموسيقا التصويرية الذي بدأت الاستماع إليه قبل أسابيع. وعدا أني أحفظها عن ظهر قلب، لاستعانتي بها قبل سنوات، فهي أيضًا تُعَد مستهلكة من كثرة الاستعانة بها لاستدرار الدموع في الأفلام والمسلسلات وتك توك. لذا توقعت أني لن أتأثر بها متى استُخدمت، لكن وكما يعرف كل من شاهد الفلم، لم تفقد المقطوعة قواها.

لماذا احتجنا إلى بكائية «هامنت»؟
فرصة «هامنت» عالية للفوز بجائزة أوسكار أفضل فلم بعد فوزه بالقولدن قلوب. ولا تواجه جيسي بكلي أي منافسة حقيقية على أوسكار مستحق لأفضل ممثلة. وكلوي جاو مرشحةٌ أقوى الآن لأوسكار أفضل مخرج بعد عرض الفلم جماهيريًّا ونجاحه في الإيرادات، ورواجه الكبير في منصات التواصل والبرامج الحوارية.
وإذ أعود إلى فكرة «البكائية» بداية المقال، فالفلم وإن كان ذا طابعٍ تاريخي أدبي، يظلُّ فلمًا معاصرًا من حيث تبيانه الفقد الحقيقي الذي نعيشه جميعًا: عجزنا العاطفي عن اللطم والبكاء. نعيش اليوم في عالمٍ كل حدث جلل فيه إما يتحول سريعًا إلى ميم ساخر أو إلى سيل من الشتائم والاتهامات. والنتيجة أننا نكبت إحساسنا بكوارثية الحدث كأنه مزحة عابرة؛ خسارةٌ أهون من سقوط ورقة شجر؛ لا نصرخ ولا نهرع ولا نفزع كما تفعل الطحيلبة بغريزتها حين تشهد دنوَّ موت العالم الذي تعرفه.

السينما وُجدت لتبقى
متى تنسى الناس السينما؟ إذا كانت مجرد تجربة بحدود الساعتين، حالما ينتهي الفلم، تختفي من ذاكرتك. مبادرة «سينماء» من هيئة الأفلام انطلقت لتضيف للتجربة عمقًا وتأثيرًا يتجاوز قاعة العرض. من خلال مسارات متنوعة تهدف إلى إثراء المشهد السينمائي السعودي، ودعم المواهب النقدية، وصناعة محتوى يليق بتاريخ السينما ومستقبلها.


في دور السينما 📽️
يبدأ اليوم الخميس عرض فلم الكوميديا والرعب «Send Help»، الذي يروي قصة موظفة ومديرها المتعجرف بعد نجاتهما من تحطم طائرة، ليجدا نفسيهما عالقين في جزيرة مهجورة، ما يفرض عليهما تجاوز خلافاتهما والعمل معًا في مواجهة مصير مجهول.
كما يُعرض فلم «Shelter» الذي يكشف حكاية رجل منعزل يعيش على جزيرة اسكتلندية نائية، ينقذ فتاة من الغرق، لتقوده هذه اللحظة إلى سلسلة من الأحداث الخطيرة، تضعه وجهًا لوجه أمام ماضيه المضطرب، وتنتهي بتهديد مباشر يطول منزله وعزلته.
ويُعرض في اليوم نفسه الفلم الوثائقي «Melania»، الذي يقدم سردًا حميميًّا لحياة ميلانيا ترمب، مسلطًا الضوء على دورها سيدةً أولى وعلاقتها بالرئيس، من خلال نظرة إنسانية تكشف جوانب شخصية بعيدًا عن الأضواء السياسية والإعلامية.
أخبار وإعلانات سينمائية 📰
أطلقت شركة (Warner Bros. Pictures) البوستر الرسمي الجديد لفلم الدراما والرومانسية «Wunthering heights»، الذي يستعرض قصة الحب العاصفة والمأساوية على خلفية هضاب يوركشاير، والمقتبس من الرواية الكلاسيكية للكاتبة إيميلي برونتي، وذلك استعدادًا لطرحه في دور العرض بتاريخ 14 فبراير.
كما طرحت شركة (Amazon MGM Studios) البرومو التشويقي الأول لفلم الخيال العلمي والمغامرة «Masters of the Universe»، حيث تدور أحداثه حول شاب بشري يكتشف أنه الوريث السري والأمير لكوكب فضائي، ليبدأ رحلة ملحمية لاستعادة السيف السحري والعودة إلى موطنه، على أن يُعرض الفلم في 5 يونيو المقبل.
وفي السياق نفسه، أطلقت شركة (Lionsgate) مقطعًا تشويقيًّا جديدًا لفلم الدراما والسيرة الذاتية «Michael»، الذي يتناول السيرة الفنية والإنسانية للنجم العالمي مايكل جاكسون، مستعرضًا محطات مفصلية في حياته ومسيرته الاستثنائية، تمهيدًا لعرضه في دور السينما بتاريخ 24 أبريل، 2026.
عروض المنصات الرقمية 📺
على (Netflix)، يُعرض اليوم الجزء الأول من الموسم الرابع للمسلسل الشهير «Bridgerton»، الذي يواصل تقديم الصراعات العائلية والاجتماعية بأسلوب درامي رومانسي، وتبرز داخله علاقات جديدة تكشف التوترات والتحديات داخل أروقة المجتمع الراقي.
وعلى (Apple TV)، انطلق الموسم الثالث من مسلسل «Shrinking»، حيث يواصل البطل مواجهة تحديات حياته الشخصية والمهنية بأسلوب كوميدي ودرامي، ليكشف أبعادًا جديدة من علاقاته وتجاربه.
وعلى (+Disney)، يُعرض الآن مسلسل السوبر هيرو «Wonder Man»، الذي يتتبع مغامرات البطل الخارق في مواجهة الشر وإنقاذ العالم.
وعلى (Prime Video)، يُعرض فلم الإثارة والأكشن «The Wrecking Crew»، الذي يروي قصة الأخوين جوني وجيمس بعد وفاة والدهما الغامضة، حيث تكشف الأسرار المدفونة مؤامرة تهدد عائلتهما.
.png)
ادّخر بذكاء من كل عملية شراء 🧠
كل ريال تنفقه يمكن أن يصنع فرقًا في مستقبلك المالي. «ادخار سمارت» من stc Bank حساب ادّخاري يعطيك 4% أرباح سنوية وتقدر تسحب فلوسك بأي وقت! ادّخر اليوم، واستثمر في غدك مع
«ادخار سمارت».

«Elegy for Dunkirk»(4:15)


تبنّى الملحّن داريو ماريانيللي في فِلم «Atonement» نهجًا مبتكرًا لصوت الفِلم، مستخدمًا صوت آلة الكتابة جزءًا أساسيًّا من الأوركسترا. الموسيقا هنا تتجاوز كونها مجرد خلفية لتصبح امتدادًا لعقلية بطلة الفِلم، «بريوني»، وانغماسها العميق في الكتابة والخيال.
في هذا الإطار، تتكشف أحداث الفِلم حول «بريوني تاليس»، طفلة في الثالثة عشرة، ترى في الكتابة وسيلةً لفهم الواقع وإعادة ترتيبه. تفسيرها المشوّه لمشهد شقيقتها الكبرى «تشيليليا» مع «روبّي»، ابن خادمة العائلة، يؤدي إلى اتهام «روبّي» في حادثة اعتداء، فينهار عالمه: يُسجن، ويُجبر على الانضمام إلى الجيش، بينما تختار «تشيليليا» الانفصال عن عائلتها والعمل ممرضة، معلّقةً حياتها على انتظار «روبّي» وحبّه الضائع.
وسط هذا الألم والفقد، تنسج الموسيقا شعورًا بالندم، وتعبّر عن محاولة «بريوني» تكفير شعورها بالذنب، من خلال الخيال الذي شكّلته.
أبرز المقطوعات
مقطوعة «Cee, You»
تظهر هذه المقطوعة في مشاهد طفولة «بريوني»، وفي لحظات الحب الأولى بين «روبّي» و«تشيليليا». يعتمد اللحن على بيانو ناعم يوحي بالبراءة، غير أن هذا الصفاء سرعان ما يتخلله صوت آلة الكتابة، بإيقاع أسرع وأكثر حدّة، ليكسر الإحساس بالأمان. هذا التداخل السمعي يزرع توترًا خفيًّا، كأن اللحن نفسه يلمّح إلى خطأ وشيك ومأساة تتشكل في الأفق.
مقطوعة «Elegy for Dunkirk»
ترافق هذه المقطوعة «روبّي» في أثناء نزوله إلى ساحل دنكرك وسط الفوضى والجنود المصابين. هنا يختفي صوت آلة الكتابة تمامًا، مشيرةً إلى فقدان «بريوني» السيطرة على السرد؛ لم يَعُد هناك «كاتب» يحدد مسار الأحداث، مما يرمز إلى أن هذا الجزء من الرواية يمثل «الواقع الفعلي». وفي هذا السياق، تتحرك الأوتار الثقيلة والبطيئة في مسار دائري بلا تصاعد بطولي، معبّرةً عن حالة «روبّي» العالق وانتظاره المرهق.
مقطوعة «Robbie’s Note»
تُسمع في أثناء كتابة «روبّي» رسائله إلى «تشيليليا»، معبّرةً عن حب مستحيل واشتياق طويل. البيانو المتكرر والأوتار الخافتة يمنحان الموسيقا إحساسًا بالكبت، كأن المشاعر محاصَرة داخل الكلمات، عاجزة عن الانفجار، وتجعل كل رسالة عبئًا عاطفيًّا على المُشاهد، محاكيةً الألم والانتظار الطويل.
مقطوعة «Denouement»
في هذه المقطوعة، يعود اللحن الطفولي الأساسي «The Cottage»، لكن بصيغة مكسورة وبطيئة، كأن الزمن أعاده مثقلًا بالندم. البيانو هنا يضيف عمقًا عاطفيًّا يوحي بالندم، حيث تتحول الموسيقا من أداة سرد إلى اعتراف نهائي، مؤكدةً أن الحب الذي شهدناه لم يتحقق إلا في الخيال، وأن الحقيقة كانت أكثر قسوة وخسارة مما تصورت «بريوني».
عهود أبو خيرة

اليوم نقول «أكشن» مع هذا المشهد الحساس من فِلم «The Notebook 2004» للمخرج نِك كاسافيتس.
تبدو القصة مألوفة من النظرة الأولى: شابة غنية، «ألي» (رايتشل مكأدامز)، وشاب فقير، «نوح» (ريان قوسلينق)، يواجهان رفض العائلة والفوارق الاجتماعية، بينما يكافح الحب ليبقى حيًّا وسط هذا التباين الطبقي. لكن الطريقة التي تُروى بها القصة تحوّلها إلى تجربة سينمائية فائقة العمق؛ فلا يُعرض الحب مباشرة في الزمن الحاضر، بل يُستعاد عبر حكايات «نوح» المسنّ (جيمس قارنر) الذي يرويها لـ«ألي» المسنّة (جينا رولاندز) الفاقدة للذاكرة، لتصبح الحكاية وسيلةً لإحياء ذكريات الحب الضائعة وسط غياهب النسيان.
في المشهد، يصل الفِلم إلى ذروة الصراع النفسي: بعد يوم طويل من السرد، تتفتح فجأة ذاكرة «ألي»، فتستعيد حبها الأول «نوح»، الشخص الذي عرفته منذ الصبا. تتحول لحظة التذكر إلى لقاء حي بعد فترة غياب طويلة، رغم وجود «نوح» معها طوال اليوم! المشهد هنا ليس مجرد استعادة للذاكرة، بل صراع بين العقل والعاطفة؛ فالعقل متشتت بفعل ألزهايمر، لكنه عاجز عن إطفاء شعلة القلب، فتستعيد الروح ذكرياتها وتعلن وجودها المؤقت في الحاضر.
اللافت في هذا المشهد تحديدًا هو لغة الجسد، حين تتذكر «ألي» الماضي وعلاقتها بـ«نوح»، تتحول كل حركة إلى رسالة عاطفية؛ تصبح النظرات أهدأ وأكثر دفئًا، يميل جسدها نحوه في إشارة صامتة إلى الاتصال والطمأنينة. وفي تبدُّل سريع للحظة التالية، حين تفقد «ألي» ذاكرتها من جديد، تنقلب لغة الجسد بشكل مذهل؛ تدفعه بعيدًا، وتغلق جسدها بذراعيها، وتتنقّل نظراتها بين الصدمة والاستغراب، فهي ترى فيه تهديدًا كونه شخصًا غريبًا عنها. يصوّر هذا التباين الدقيق بين الانفتاح والانغلاق معاناة المصابين بألزهايمر وصدمة فقدان التواصل مع مَن يحبونهم، رغم حضورهم الفعلي.
وعلى المستوى السينمائي، يكمل المُخرج هذه التجربة بإحكام: تبدو المَشاهد التي يظهر فيها «نوح» و«ألي» طوال الفِلم وهما مسنّان قصيرةً وسريعة، لا تشغل من الزمن السينمائي إلا جزءًا يسيرًا. لكن في لحظة التذكر هذه، تشعر بامتداد الزمن؛ فمع أن المشهد لا يزيد على خمس دقائق، إلا أن أسلوب المُخرج في اختيار المكان والهدوء والإضاءة والألوان يحقق الطمأنينة والسكون، مما يجعل الشعور بالزمن أهدأ وأبطأ، ويعمّق إحساس المُشاهد بقيمة اللحظة.
وما يزيد المشهد قوةً وواقعية ويضيف إليه ثقلًا استثنائيًّا أن الممثلة التي جسّدت «ألي» المسنّة، جينا رولاندز، هي أمّ المخرج نِك كاسافيتس في الواقع، وهو من اختارها لهذا الدور تحديدًا. وبعد تصوير المشهد بسنوات، أُصيبت جينا بألزهايمر فعليًّا، ليؤكد المخرج أنهم عاشوا لاحقًا ما مثلوه.
في النهاية، يقدم «The Notebook» تصويرًا مكثفًا لقسوة المرض على الذاكرة، وفي الوقت ذاته لقوّة القلب الذي لا ينسى، وهو ما نجح الفِلم في إبرازه وجعله تجربةً مؤثرة ومشحونة بالعاطفة.
عهود أبو خيرة

فقرة حصريّة
اشترك الآن


بعد النجاح اللّافت لفِلم «Strictly Ballroom»، بدأ باز لورمان يلفت الانتباه بوصفه صانع أفلام جريئًا ومبتكرًا لا يقبل بالطرق التقليدية في سرد القصص؛ لم يكن مهتمًّا بسرد الحكايات كما اعتادتها السينما، بل بكيف يمكن للحكاية القديمة أن تُقال من جديد، بصوت أعلى، وبقلب أقرب إلى جيل مختلف.
في إحدى لحظات التأمل، عاد لورمان إلى مسرحية «روميو وجولييت» لشكسبير، لكنه لم يرَ نصًّا كلاسيكيًّا محفوظًا في الذاكرة الجماعية، ولا مأساة تُعاد على خشبة المسرح كما هي منذ قرون؛ رأى قصة حب خالدة، لكنها محاصَرة بزمنها. وهنا تسلّل السؤال الذي غيّر كل شيء في ذهنه:
ماذا لو كان شكسبير حيًّا اليوم؟ كيف سيجعل هذه القصة تخاطب شباب التسعينيات؟ كيف سيجعلهم يشعرون أن المأساة تخصّهم شخصيًّا؟
من هذا السؤال، ومن شغفه العميق بالمسرح الكلاسيكي وولعه بإدماج القديم في المعاصر، وُلدت فكرة (Verona Beach)؛ مدينة خيالية حديثة صاخبة ومشبعة بالألوان، حيث تتحول الشوارع إلى مسارح مفتوحة؛ عالم تتحرك فيه الشخصيات كما لو أن النص كُتب اليوم، لا قبل 400 عام.
وبهذه المعلومة نستهلّ فقرة «دريت ولّا ما دريت» عن فِلم «Romeo + Juliet»:
بعد أن رأى لورمان صورة ليوناردو دي كابريو في مجلة، لم يجرّب مقابلة أي ممثل آخر لدور «روميو» وقرّر أنه التمثيل المثالي للشابّ العاشق.
حافظ الفِلم على حوار شكسبير الأصلي بالكامل! حتى وهو في عالم ممتلئ بالأسلحة الحديثة والصراعات الحضرية.
خلال التصوير في موقع خارجي بالمكسيك، ضرب إعصار حقيقي موقع التصوير ودمّر معظم الديكورات، فاستغلّ لورمان العاصفة الطبيعية لتصبح جزءًا من مَشاهد المطاردة والصراع، ممّا أضفى على الفِلم واقعيةً مذهلة.
خطفت عصابةٌ مصفِّف الشعر الأساسي في فريق العمل، ألدو سينيوريتي، واضطر المُخرج إلى دفع فدية قدرها 300 دولار لإطلاق سراحه قبل أن يعود إلى العمل.
في آخر يوم تصوير لبول راد، أخبره ليوناردو دي كابريو -في أثناء توجّههما للاحتفال- أنه يفكّر في قبول دور في فِلم «Titanic»، لكنه لم يحسم قراره بعد. حينها شجّعه راد على قبول الدور، وهو القرار الذي جعله نجمًا عالميًّا.
مدة الفِلم ساعتان بالضبط، تماشيًا مع العبارة الافتتاحية للنص: «هو الآن ابتغاء ساعتَين من مسرحنا…»، ممّا أضفى تناغمًا جميلًا بين النص الكلاسيكي ومدة الفِلم الحديثة.
مشهد لقاء «روميو» و«جولييت» عند حوض السمك كان صعبًا جدًّا من ناحية الإضاءة، لأن انعكاس الماء والزجاج سبّب تشويشًا في التصوير؛ فرُكّبت أنابيب ضوئية داخل الحوض نفسه لتصحيح الإضاءة، وكان هذا حلًّا مبتكرًا وقتها.
الفِلم ممتلئ برموز مستوحاة من أعمال شكسبير الأخرى، مثل أسماء المحلات واللافتات والرسومات في الخلفية، ما يجعل كل مشاهدة تكشف تفاصيل جديدة.
تصميم الأزياء عكس شخصيات الفِلم بذكاء بصري: شباب الـ(Montagues) بألوان زاهية تعكس روحهم الطفولية والمتمردة، وشباب الـ(Capulets) بأزياء حادّة وقوية تعكس عداءهم وتصلّبهم، مما يعطي المُشاهد انطباعًا فوريًّا عن الشخصيات قبل أن تتكلم.
عهود أبو خيرة

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.