ليش ما نشوف شركات سعودية عالمية؟

لماذا يتوقف توسع الشركات المحلية عند حدود السوق السعودية؟

الشباب كتبوا استهلالًا عميقًا مقتبسًا من الأخ نافال، لكني قررت مسحه وكتابة سالفة توقف النشرة في الفترة الماضية. سواليف نافال ما هي طايرة إن شاء الله. 😆

خلال الفترة الماضية، انقلبت حياة فريق النشرة رأسًا على عقب. فالزميل عبدالملك آل سعيد قرر أن يستغل ثورة الذكاء الاصطناعي ويسوي شيئين: يتعلم كيف يلبس كرفتّة، ويؤسس شركة «صوت» المختصة بأنظمة المكالمات عبر الذكاء الاصطناعي. والآن هو في دافوس يتزلج مع أصحاب النفوذ.

أمّا أنا، فبعد حصول ثمانية على حقوق الدوري، صرت شخصية رياضية بالغلط وانشغلت مع باقي فريق ثمانية في العمل على هذا التحول الكبير، وفي رأسي صوت ينادي كل يوم اثنين: لازم ترجع نشرة القروش.

وبتوفيق رب العالمين، وحرص مديرتنا إيمان والعزيز أيمن، تعود نشرة القروش اليوم بروح جديدة وفريق تحرير جاء ليأخذها إلى المستقبل، وهم الزملاء أحمد الهلالي وسليمان فخري. وأتطفل عليهما بين الحينة والأخرى.

استغلينا فترة التوقف لنعيد التفكير في توجه النشرة، ورأينا أن التركيز على الأخبار بمعايير القروش الدقيقة يجعل نشرها أسبوعيًّا شبه مستحيل. فوسعنا نطاقها لتشمل مقالات يكتبها الفريق وأبرز الشخصيات في عالم ريادة الأعمال في المنطقة، إضافة إلى تحقيقات صحفية ولقاءات ترى النور قريبًا.

لا أكتب هذا لتبرير التوقف، وإنما لأني أشعر بعلاقة شخصية عميقة مع كل من يقرأ هذه النشرة. فلو كان هذا الحب من طرف واحد علموني حتى أتخطى، والله المستعان.

إبراهيم القرعاوي


ليش ما نشوف شركات سعودية عالمية؟

تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

سليمان فخري ✍🏼

حين بدأت تأمل واقع الشركات السعودية اليوم والتساؤل عن أسباب عدم ظهور أسماء عالمية من محيطنا (ولا أتحدث هنا عن أرامكو وسابك)، وجدت أن أول خطوة لفهم هذا الواقع هي التعمق في النماذج التي صنعت الفارق في أماكن أخرى؛ وكان النموذج الأمريكي المدخلَ الأبسط والأشهر، لأنه واضح من حيث التوثيق والتأثير.

منذ بدايات القرن العشرين، تبنّت الولايات المتحدة سرديةً جديدة يمكن اختزالها في ما يُعرف بـ«الحلم الأمريكي». ومع دخول الرئيس الأمريكي روزفلت إلى المشهد، بدأ تحوّل «الحلم» إلى عقد اجتماعي، وإلى سياسة عامة تُنظّم الطموح و تؤطره داخل بنية مؤسسية. ومع الوقت، أصبح هذا النوع من الفكر وقودًا لمسيرة الهيمنة الناعمة على العالم؛ إعلاميًّا وثقافيًّا واقتصاديًّا.


وعلى مرِّ السنوات الماضية، لم تستطِع كل دول العالم أن تنسخ التجربة الأمريكية في إنشاء شركات عابرة للقارات. يقول الاقتصادي ويليام بومول في كتابه «The Free-Market Innovation Machine»: «إن محاولة استنساخ النموذج الأمريكي كما هو، غالبًا ما تنتهي بإنتاج نسخة بلا روح.»

لأن أسباب وصول الشركات والحاضنات والمناطق التقنية الأمريكية إلى العالمية، وقدرتها على الوصول إلى العالم بتوسع كبير، هي نتاج منظومة معقّدة من الثقافة والمخاطرة والمؤسسات والسوق المفتوحة. وهذا ما يُسمّيه بومول «الرأسمالية الريادية» (Entrepreneurial Capitalism)، حيث تصبح السوق نفسها آلة ابتكار مستمرة، وتجبر المنافسة الجميع، كبارًا وصغارًا، على التجديد المستمر شرطًا للبقاء. 

وفي الطريق نحو العالمية، لا يكفي وجود منتج جيد، إذ لا بد من طريقة لوصول هذا المنتج إلى العالم. وهنا تأتي «اللغة الإنقليزية» جسرًا أول؛ فقد عملت بمثابة بنية تحتية وفكرية وثقافية ساعدت على تمدد الشركات الغربية عالميًّا. فالرسائل التي تُكتب بالإنقليزية لا تحتاج إلى وسيط لتصل مباشرة إلى أكثر من مليار ونصف متحدث، ومليارات آخرين يفهمونها لغةً ثانية. الأهم من ذلك، أن الإنقليزية، بشكلها الذي نعرفه اليوم، مشبعة بفكر «الحلم الأمريكي»، وهذا يفسر أحد أهم أسباب وصولها واستمرارها في كل قارات العالم. 

وبينما تتجاوز الشركات الأمريكية العالمية المنتج إلى الرسالة، لا تزال المعاني المرتبطة بمنتجاتنا (في السعودية والعالم العربي) عالقة في «ما يقدّمه المنتج والحل الأساسي» عوضًا عن «ما يعنيه المنتج». نتقن الحديث عن الجودة والسعر وسرعة التنفيذ، لكننا نتأخر حين يتعلّق الأمر ببناء معنى، أو نسج قصة تجعل المنتج رمزًا وتجربة، لا مجرد حل. 

الرسم البياني أدناه يوضّح هذا التفاوت بوضوح؛ فبينما تتموضع العلامات الأمريكية في أعلى يمين الخارطة، حيث الإلهام والرؤية والتغيير والابتكار والتجربة، تتركز معظم منتجاتنا في الزاوية اليسرى، عند حدود السعر والفعالية والخدمة.

رغم الصورة النمطية التي تفترض أن السعودية أو العالم العربي بعيد عن المنافسة العالمية في منظومات ريادة الأعمال، فإن للمعطيات الحديثة قولًا مختلفًا؛ ففي تقرير «Startup Genome» لعام 2025، قفزت الرياض ستين مركزًا لتحتل المرتبة الثالثة والعشرين عالميًّا في المنظومة الريادية. ويعود هذا التقدم إلى قفزة الاستثمارات والسياسات الداعمة وأداء السوق، مما دعم البيئة بتخارجات صحية للأفراد والمستثمرين المؤسسين.

الدعم الحكومي في السعودية، كما في كثير من دول المنطقة، هو ما يدفع الشركات الناشئة للبدء. إذ تُضخ استثمارات ضخمة في الصناعات والتقنية وتمكين رواد الأعمال، كما يُظهر النموذج البياني أدناه المأخوذ من تقارير الشركة السعودية للاستثمار الجريء (SVC)، الذي يوضح تطور الاستثمار الجريء في السعودية سنويًّا من حيث عدد الصفقات ومجمل الاستثمارات.

ويرسم تقرير «STV: MIND THE GAP UPDATE - 2025» الصورة ذاتها في كون البيئة الريادية السعودية نمت بسرعة، لكن سقفها لا يزال إقليميًّا. فخلال خمس سنوات، ضُخّت داخل السعودية نحو خمسة مليارات دولار بوصفها رأس مال جريء، وظهرت تسع شركات مليارية. وعلى مستوى الشرق الأوسط، ظهرت أربع عشرة شركة مليارية، 65% منها شركات مقرّها السعودية (جاهز وتمارا وسلّة وتابي ورسن ونينجا ونايس ون)؛ ثلاث منها مُدرجة في تاسي (جاهز ونايس ون ورسن). وفي الإمارات، شركة واحدة (طلبات) مدرجة في سوق دبي المالية.

ما لفتني في التقرير تحديده للتحدي الأكبر، وهو الفجوة في التمويل بين الشركات الناشئة والشركات في مراحل النمو. في منطقة الشرق الأوسط، تحصل الشركات الناشئة على تمويل أكثر من الشركات في مرحلة النمو، وهذا يؤثر في جاهزية الشركات الكبرى (التي في مرحلة النمو) للانطلاق عالميًّا.

وهنا يأتي الفرق بين أمريكا والصين وأوربا درسًا ومثالًا على ما أصفه بـ«قدرة التوسّع». فوفق (Hurun Global Unicorn Index 2025)، تقود الولايات المتحدة بـ758 شركة مليارية عالمية، مقابل 343 للصين و173 شركة مليارية في أوربا والمملكة المتحدة مجتمعة.

ما يستحق التأمل والدراسة هو الفرق الكبير في عدد الشركات المليارية العالمية بين دول أوربا مجتمعة وأمريكا، على الرغم من أن عدد سكان أوربا ضعف عدد سكان أمريكا، وتقارب حجم الاقتصاد والقوة الشرائية ومتوسط الثراء.

أهم أسباب هذه الفجوة في أوربا هو وجود عدد أقل من الاستثمارات في الشركات في (مراحل النمو). وعلى الرغم من إزالة كثير من الحواجز الاقتصادية والتشريعية بين أسواق أوربا المختلفة لخلق ما يُسمى «السوق الأوربية المشتركة»، بما يشجع الشركات على البيع بحرية في كل أوربا كأنها سوق واحدة، لا تزال السوق مجزأة بلغات عدة شكّلت عقبة للتوسع الإقليمي.

في المقابل، تمثل أمريكا سوقًا عملاقة تضم أكثر من 300 مليون نسمة، يتحدثون لغة واحدة، وتُظلّهم منظومة تمويل متطورة تُثمِّن النمو وتحتضن المخاطرة، ضمن بيئة أكثر نضجًا في مسارات التخارج، سواء عبر الإدراج أو صفقات الاستحواذ والاندماج، مما يمنح الشركات فرصًا أوفر للتحول إلى كيانات ذات تأثير عالمي.


  • يمثّل الأسبوع الأول من فبراير 2026 لحظة فارقة لما يُسمّى «الذكاء الاصطناعي الفيزيائي»؛ إذ دخلت روبوتات شبيهة بالبشر (humanoids) الخدمة التجارية في بيئات حقيقية مدعومة بأنظمة رؤية حاسوبية وتحكّم حركي متقدم تجعلها قادرة على التعامل مع مهام متنوعة في المصانع والمستودعات، بدلًا من الاقتصار على خطوط إنتاج جامدة. 🤖

  • في مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2025، الصادر عن معهد ستانفورد (HAI)، جاءت السعودية في المركز الثالث عالميًّا في فئة النماذج القيادية وفي معدلات التوظيف في الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وهي تأتي مباشرةً بعد الولايات المتحدة والصين في جانب النماذج اللغوية، وبعد الهند والبرازيل في نمو وظائف الذكاء الاصطناعي؛ ما يضعها ضمن أعلى عشر دول عالميًّا في مؤشرات الذكاء الاصطناعي المختلفة، ويسند سردية صعودها قوةً ثالثة بعد الصين وأمريكا.

  • أغلقت شركة «TikTok» صفقةً لتأسيس مشروع مشترك جديد داخل الولايات المتحدة لتجنب الحظر، بحيث يمتلك مستثمرون أمريكيون وعالميون 80.1% بينما تحتفظ «ByteDance» بحصة 19.9% مع تصاعد مطالبات مشرعين أمريكيين بتدقيق الصفقة بسبب نقص التفاصيل المعلنة. ⏳


ليش معايير تقسيم السوق مهمة؟ 

«تجزئة السوق» هي طريقة تنظيمٍ تفصل السوق الكبيرة إلى مجموعات أصغر متشابهة؛ لتتمكن الشركة من تصميم منتجها ورسالتها وتجربتها لكل مجموعة بصورة أدق. 

وتتلخص أشهر أربعة أنواع مستخدمة في التسويق فيما يلي: «التجزئة الجغرافية» (Geographic) حسب المكان، و«التجزئة الديموغرافية» (Demographic) حسب العمر والدخل ونمط الأسرة، و«التجزئة النفسية» (Psychographic) حسب القيم والاهتمامات ونمط الحياة، و«التجزئة السلوكية» (Behavioral) حسب السلوك الفعلي، مثل تكرار الشراء والولاء وتوقيت الاستخدام. 

تاريخيًّا، ظهرت «تجزئة السوق» لأنها كانت أقصر طريق للفهم في زمنٍ كانت فيه البيانات محدودة والقنوات أقل. إذ احتاج التسويق إلى اختصار ذكي يجيب عن سؤال: من نخاطب؟ وكيف نصل إليه بكفاءة؟ وقام المنطق حينها على فكرة أن خصائص الناس ثابتة نسبيًّا؛ ولذا فإن تقسيمهم حسب المكان أو العمر أو الاهتمامات يعطي فرقًا واضحًا في الرسائل والمنتجات. وهو ما ارتبط بمنطق (Segmentation Targeting) داخل علم التسويق، بوصفه جزءًا من إدارة السوق واختيار المجموعة التي تستطيع الشركة خدمتها بفعالية. 

لكن كل شيء تغير الآن!

قرأت مقالًا منشورًا على «Brand Equity» يفترض ببساطة أن «تجزئة السوق»، حين تُبنى على فكرة أن الشخص ثابت (عمره ودخله واهتماماته لا تتغير)، أصبحت أقل فاعلية. لأن «هوية المستهلك» اليوم صارت متحركة؛ فقد يتصرف الشخص في لحظة ما كأنه يبحث عن التوفير، وفي لحظة أخرى كأنه يبحث عن التميز؛ ليس لأنه متناقض، ولكن لأن «السياق» هو الذي تبدل؛ مزاجه تغير، ظرفه تغير، مكانه تغير، أو حتى هدفه من القرار تغير.

ولهذا السبب أصبح سؤال كثير من المسوِّقين اليوم: «من نخاطب الآن؟» بدلًا من: «من هو العميل؟» أي بدل أن تركّز على تعريف الشخص، ركز على فهم المشهد الذي هو فيه الآن واختر رسالة تناسب لحظته. وهذا يعد تغيرًا كبيرًا في سلوك البشر عمومًا خلال السنوات الأخيرة.


ودك تفهم كيف تخاطب المستثمرين؟

اطَّلعتُ على نشرة من «Product Market Fit» لكاتبها قييرمو فلور، حيث جمع فيها سبعة وعشرين «عرضًا تقديميًّا للمستثمرين» (Pitch Deck)، أو ما يُعرف بـ«ملفات تعريف الاستثمار»، لعدد من شركات الذكاء الاصطناعي التي جمعت تمويلات تقدر بمليارات الدولارات في 2025. ويمكنك الاطلاع على تلك الملفات من هذا الرابط مباشرة

المبهر أن هذه الملفات كانت تُعرض على المستثمرين بالفعل، وتستطيع أن تلاحظ فيها كيف يبني المؤسسون القصة، وكيف يوضحون حجم المشكلة، وكيف يبررون قصة المنتج. هي فرصة جميلة للتعلم.


نحرص أن تكون جزءًا من إعداد النشرة، وهذا يشمل أهم ما فيها: الأخبار.
لو عندك معلومات أو أخبار حصريّة، شاركها هنا وسنتعامل معها بسريّة تامّة.
ستجد هذا الرابط في نهاية كل عدد، إن احتجته 😉

نشرة القروش
نشرة القروش
أسبوعية، الاثنين منثمانيةثمانية

إن لم تكن قرشًا، انضمّ لنشرة القروش. نشرة تصلك صباح كلّ اثنين لتغوص بك في عالم الشركات التقنية ودهاليز الاستثمار الجريء، مع تحليلات دقيقة تساعدك في فهم تحدّيات السوق.

+20 متابع في آخر 7 أيام