«اللي باقي منك»: يستحق الترشيح للأوسكار 🥇


ظهر الثنائي مات ديمون وبن أفليك في لقاء مع جو روقان للترويج لفِلمهما الجديد. وخلال حديثهما عن تجربتهما مع نتفلكس، أشارا إلى نقطة لافتة:

تفرض نتفلكس على الكتّاب قواعد محدّدة، من بينها إعادة توضيح الحبكة الرئيسة داخل الحوارات، لأن المنصة تفترض أن جزءًا كبيرًا من المشاهدين يكون منشغلًا بهاتفه في أثناء المشاهدة.

في الحقيقة، يعكس هذا المعيار واقع عصرنا الحالي. ففي السينما، عندما ألاحظ عددًا من الحضور منشغلًا بجوّاله، أعدّ ذلك مؤشرًا واضحًا على أن الفِلم مملّ أو غير مشوّق.

لم يكن هذا التحدي قائمًا في الماضي؛ الأفلام سابقًا لم تكن مضطرةً إلى التنافس مع شاشة أخرى في يد المشاهد.

اليوم، أصبح تكييف الأفلام لتكون ممتعةً إلى أقصى حدّ في عصر الجوال، مهمةً شديدة الصعوبة. لكن في المقابل، يراودني قلق حقيقي من أن يؤثّر هذا التوجّه في جودة الكتابة والكتّاب، وأن تتحوّل الأعمال إلى محتوى مصمَّم ليكون لامعًا وسطحيًّا، فقط من أجل جذب الانتباه لا أكثر.

نايف العصيمي


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

«اللي باقي منك»: استسلام أم سلام؟

عهود أبو خيرة

عادةً لا أستلطف مشاهدة الأعمال السياسية أو الحربية، فهي غالبًا تتحوّل إلى سجلّات تحليلية تُركّز على الأحداث والخلفيات التاريخية، محاوِلةً الإجابة عن أسئلة مثل: «ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟». مهمة قد يراها البعض قيّمة، لكنها نادرًا ما تلامس مشاعري أو تترك أثرًا عاطفيًّا حقيقيًّا. ما يأسر اهتمامي حقًّا هو ما وراء السياسة، ما يكمن في الإنسان ذاته: كيف يعيش حين تُحاصَر حياته، وكيف تنهار التفاصيل الصغيرة في بيته تحت وطأة الحرب، وكيف يظل الأمل ينبض! وفِلم «اللي باقي منك» كان، بالنسبة إليّ، تجربة من هذا النوع الذي يجبرك على الغوص في أعماق التجربة الإنسانية واختبار ما يعنيه التهديد والخوف.. ومحاولة النجاة! 

الحكاية

يُفتتح الفِلم بمطاردة عفوية في أحد الشوارع بين صديقَين مراهقَين، أحدهما «نور». اللحظات مليئة بالمرح والمزاح؛ انعكاس طبيعي لطبيعة هذه السن. لكن فجأة، تُقاطع الجوّ طلقة نارية مفاجِئة تصيب «نور»، وتُفتح أمامنا بوابة لحكاية أعمق بكثير.

ننتقل بعدها إلى والدة «نور»، «حنان» (شيرين دعيبس)، التي تبدأ بسرد تاريخ العائلة عبر ثلاثة أجيال، محاوِلةً شرح كيف تشكّلت الأحداث التي أوصلت ابنها إلى هذه اللحظة الحرجة. من خلال حكاياتها، نكتشف الألم والخسارات والانقسامات التي تركت أثرها في العائلة، ونعود بالزمن إلى الوراء لنرى تفاصيل كل ما قاد إلى تلك اللحظة المصيرية.

فصول المعاناة

يُبنى الفِلم على شكل فصول زمنية محددة، تبدأ مع سنوات الاحتلال الأولى داخل عائلة «شريف» (آدم بكري)، حيث يتشكل الصراع الأساسي بين خيارَين مستحيلَين: الهرب حمايةً للعائلة، أو البقاء دفاعًا عن المنزل والهوية. يختار «شريف» النضال بدل الرحيل، ويتحمّل تبعات هذا القرار القاسي حين يُسلب منزله ويُزجّ به في معسكر اعتقال. هذه التجربة، بكل ما تحمله من عنف وانكسار، تجري تحت أنظار ابنه «سليم»، لتغرس في داخله خوفًا عميقًا من كلفة المقاومة، وتُشكّل نظرته لاحقًا إلى النضال بوصفه فعلًا نبيلًا، لكنه مدمّر للعائلة.

تمرّ ثلاثون سنة، وتحمل الذاكرة أثر الماضي؛ حيث نرى «سليم» قد أصبح أبًا، واختار السلام خيارًا واعيًا نابعًا من فهمه للثمن الباهظ الذي دفعه والده. يسعى لحياة آمنة، خالية من المواجهة، لكن هذا الاختيار يتشكّل بدوره تحت أنظار ابنه «نور»، الذي يجد في الجدّ نموذجًا للمقاومة والكرامة، ويطوّر مع الوقت وعيًا ثائرًا يجعله يرى خضوع والده خيانةً لا حماية. 

ثم تعود بنا الأحداث إلى اللحظة نفسها التي انطلقت منها قصة الفِلم: الرصاصة التي اخترقت جبهة «نور»، ونقله على إثرها إلى المستشفى، حيث يُصدم الوالدان بخبر موته دماغيًّا، ليواجهوا أصعب قرار في حياتهم! 

ثقل الاختيار

تفتح الجدلية الأخلاقية في هذا الجزء أفقًا واسعًا للتأمل؛ التبرع بأعضاء ابنك أمر صادم بذاته، فما بالك أن يدخل فيه بُعد آخر يزيد التعقيد: لمن ستذهب هذه الأعضاء؟ وهل يمكن أن تُحيي حياة مَن قد يصبح لاحقًا سببًا في دمار منطقتك؟ الأسئلة تتراكب، والقرار يبدو مستحيلًا، وهو ما يجعلنا نفكر في معنى المسؤولية والضمير والنتائج غير المتوقعة لكل اختيار.

ومع قوة هذه المعضلة، جاء تقديمها في الفِلم دون تمهيد كافٍ، مما جعلني أتوقع أن تنتهي الحكاية عند موت «نور» لتكتمل دائرة الصراع العائلي. لكن بدلًا من ذلك، يُفتح أمامنا جزء جديد من الفِلم يركّز على تبعات هذا القرار المعقد.

رحلة اكتشاف مَن استفاد مِن الأعضاء بعد سنوات طويلة، ومحاولة فهم إن كان ما قاموا به صوابًا أم خطأً، تكاد تكون فِلمًا منفصلًا قائمًا بذاته، مشحونًا بالضغط النفسي والدراما الإنسانية.

ومع أنه قرار مرتبط بالخلفية نفسها، فإن هذا الجزء يبدو مستقلًّا عن سياق القصة الأصلي. ركّز الجزآن الأوليان على النضال أو الاستسلام، بينما انتقل الجزء الأخير إلى بُعد إنساني خالص، بعيدًا عن الانحياز السياسي أو الفكري لأيّ طرف. أعجبني هذا الجانب الإنساني بشدة، إذ يعكس الإنسان في جوهره، بعيدًا عن الألقاب والجغرافيا والهويات. لكن مع ذلك، لم يكن تقديم هذا الجزء متماسكًا مع سياق الفِلم الأصلي، مما يجعل تقييم نجاحه في هذا الجانب صعبًا. بالنسبة إليَّ، لم يُقدَّم بمثالية.

شخصيات معقدة

عمومًا، أميل إلى التحفظ تجاه الأعمال التي يتولّى فيها صانعها أكثر من دور أساسي، خصوصًا حين يجمع بين الكتابة والإخراج والتمثيل؛ إذ غالبًا ما ينعكس ذلك سلبًا على توازن العمل، ويُضعف المسافة الضرورية بين الرؤية والتنفيذ. غير أن فِلم «اللي باقي منك» يشكّل استثناءً لافتًا، إذ نجحت شيرين دعيبس في تحقيق معادلة دقيقة بين الإخراج والأداء، مُقدِّمةً شخصية الأم «حنان» بحساسية عالية وصدق داخلي واضح.

ومع أن البنية الجسدية لشيرين دعيبس لا تتطابق تمامًا مع الصورة النمطية الراسخة في الذاكرة الجمعية للأم الفلسطينية -صورة أكثر صلابة، مثقلة بالتعب والانكسار- فإن هذا الاختلاف لم يشكّل عائقًا حقيقيًّا أمام إيصال المشاعر. على العكس؛ عوّضته بأداء يعتمد على التفاصيل الدقيقة، خصوصًا في تعبيرات العين ونبرة الصوت. في مشاهد المستشفى، حيث تنتظر مصير ابنها، يتجسّد التوتر بين الأمل والخوف في وقفتها، وفي نظراتها المعلّقة، وفي سكونها المشحون، لتصل الحالة الشعورية إلى المتلقّي دون حاجة إلى خطاب أو مبالغة.

أما صالح بكري، فيقدّم أداءً بالغ النضج في دور الأب، أداءً يتّسم بالاقتصاد والصدق، ويمنح الشخصية بُعدًا إنسانيًّا عميقًا؛ طريقته في المشي، وصمته الطويل، وهدوؤه في مواجهة الكوارث، كلها عناصر تُراكم التوتر الداخلي تدريجيًّا، وتُمهّد لانهياره اللاحق بوصفه لحظةً مستحقة ومؤثّرة، لا انفجارًا دراميًّا مفتعلًا. هذا النوع من الأداء، القائم على الكبت لا على الانفعال، يجعل المُشاهد لا يراقب الألم فحسب، بل يشاركه!

وفي المقابل، شخصية الجدّ (محمد بكري)، كانت الأقرب إلى قلبي، وربما الأكثر إنسانيةً في توازنها بين البساطة والقسوة في آنٍ واحد. فعلى الرغم من فداحة الموقف الذي يعيشه، لا يواجهه مباشرةً، بل يلجأ إلى السخرية كآليةٍ دفاعية. أسلوبه الفكاهي المتهكّم، والمشحون أحيانًا بالاستخفاف واللامبالاة الظاهرية، يُخفي وراءه شعورًا عميقًا بالعجز والانكسار. هنا تتحوّل السخرية إلى شكل من أشكال المقاومة الصامتة، حيث يصبح التهكّم دِرعًا نفسيًّا يحميه من الانهيار الكامل، ويمنحه إحساسًا وهميًّا بالسيطرة على واقع لم يَعُد قادرًا على تغييره.

الباقي من الفِلم

فِلم «اللي باقي منك» تجربة سينمائية رائعة بكل المقاييس. مع أن مدته تتجاوز الساعتَين، إلا أن مشاهدته كانت ممتعةً ومؤثّرة منذ اللحظة الأولى؛ تغمرك في عالَم هذه العائلة بطريقة طبيعية وحيّة. التصوير مذهل، سواء في نقل الحقبات الزمنية المختلفة أو في الانتقالات بين الأزمنة. وهي مهمة صعبة، غالبًا ما تهدّد سلاسة السرد، لكن هنا تمّت بسلاسة وصدق، مما جعل القصة تتدفّق دون أيّ شعور بالانقطاع أو الاصطناعية.

وبهذا المستوى من الإتقان والصدق، لا شك أن الفِلم يستحق أن يكون ضمن قائمة الترشيحات للأوسكار.


السينما وُجدت لتبقى

متى تنسى الناس السينما؟ إذا كانت مجرد تجربة بحدود الساعتين، حالما ينتهي الفلم، تختفي من ذاكرتك. مبادرة «سينماء» من هيئة الأفلام انطلقت لتضيف للتجربة عمقًا وتأثيرًا يتجاوز قاعة العرض. من خلال مسارات متنوعة تهدف إلى إثراء المشهد السينمائي السعودي، ودعم المواهب النقدية، وصناعة محتوى يليق بتاريخ السينما ومستقبلها.

اعرف أكـثر


Z» (1969)»
Z» (1969)»

 في دور السينما 📽️ 

  • يبدأ اليوم الخميس عرض الفِلم المرشَّح للأوسكار «Hamnet»، العمل الدرامي الذي يستلهم حياة الكاتب ويليام شكسبير وعائلته، ويركّز على تأثير وفاة ابنه الوحيد في حياته وزوجته، وكيف شكّل هذا الحدث المأساوي مصدر إلهام لكتابة مسرحية هاملت.

  •  كما يُعرض الفِلم السعودي «سلمى وقمر» للمخرجة عهد كامل، الذي يكشف قصة صداقة غير متوقعة بين فتاة شابّة وسائقها، تجمعهما أحلام وطموحات مشتركة، وسط تحديات اجتماعية وصراعات شخصية تعكس واقع المرأة والمهاجرين في السعودية.

  • وفي اليوم نفسه، يُعرض فِلم الإثارة والخيال العلمي «Mercy» الذي يتتبّع محقّقًا يُحاكَم بتهمة قتل زوجته، ويجد نفسه في سباق مع الزمن لإثبات براءته أمام نظام قضائي قائم على الذكاء الاصطناعي، في قصة مشحونة بالتوتر والذكاء.

  • ويُعرض أيضًا فِلم الرعب «Return to Silent Hill»، حيث يواجه جيمس سندرلاند الرسائل الغامضة من حبيبته المفقودة، ويكتشف أسرار المدينة المظلمة المليئة بالكوابيس والرهبة النفسية.


أخبار وإعلانات سينمائية 📰

  •  أطلقت الشركة المنتجة (Raimi Productions) بوسترًا جديدًا لفِلم الرعب الكوميدي «Send Help» الذي يمزج بين الرعب والسخرية، استعدادًا لطرحه في دور العرض بتاريخ 30 يناير.

  • أعلنت (Universal Pictures) موعد عرض فِلم الرعب «The Exorcist» في 12 مارس المقبل، ضمن رؤية جديدة للسلسلة الشهيرة التي تعالج موضوع المسّ الشيطاني بأجواء مكثفّة من الرعب النفسي.

  •  طرحت شركة (Warner Bros. Pictures) فيديو تشويقيًّا جديدًا لفِلم المغامرة والرعب «The Mummy»، الذي يحكي قصة ابنة صحفي تختفي في الصحراء وتعود بعد ثماني سنوات، لتتحوّل عودتها إلى كابوس حيّ، تمهيدًا لعرضه في 17 أبريل، 2026.


عروض المنصات الرقمية 📺

  • على (Netflix)، يُعرض اليوم الجزء الثاني من فِلم «جرس إنذار» من إخراج عبدالله بامجبور. يدور الفِلم حول مجموعة من الفتيات في مدرسة، تتحول حياتهن إلى كابوس حين يسقطن في حفرة مخفيّة تحت الأرض، في صراع مع الماضي والظروف القاسية للخروج. 

  • كما يُعرض أيضًا على (Netflix) فِلم الإثارة «The Big Fake»، الذي يحكي قصة «توني» الشاب الطموح القادم إلى روما في السبعينيات ليصبح فنانًا عظيمًا، لكن شغفه بالحياة والمصير والتاريخ يقوده ليصبح أحد أعظم المزوّرين في الفن.

  • وعلى (Apple TV) انطلق الموسم الثاني من مسلسل «Drops of God»، حيث تكشف البطلة عن أعظم مجموعة نبيذ في العالم تركها والدها الغائب، وتتواجه مع تلميذه القديم في منافسة مشوّقة على الميراث. 

  • وعلى (Prime Video) يُعرض اليوم مسلسل الإثارة «Steal» الذي يحكي قصة عملية سرقة كبرى، وموظفة عادية تجد نفسها فجأة في قلب الأحداث، في رحلة مشوّقة مليئة بالتوتر والتقلّبات.


ادّخر بذكاء من كل عملية شراء 🧠

كل ريال تنفقه يمكن أن يصنع فرقًا في مستقبلك المالي. «ادخار سمارت» من stc Bank حساب ادّخاري يعطيك 4% أرباح سنوية وتقدر تسحب فلوسك بأي وقت! ادّخر اليوم، واستثمر في غدك مع

«ادخار سمارت».


«Mama Ararira»(4:23)

فِلم «Hotel Rwanda»
فِلم «Hotel Rwanda»

منذ اللحظة الأولى التي ينكشف فيها عالم «Hotel Rwanda»، يفرض الفِلم ثقله الإنساني قبل السياسي. يستند العمل إلى أحداث الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، ويتتبع سيرة بول روسيساباجينا، مدير فندق ينتمي إلى قبيلة الهوتو؛ يجد نفسه فجأة محاصرًا بحرب أهلية وحشيّة بين الهوتو والتوتسي. صراع غذّته آلة تحريض حوّلت الهوية العِرقية إلى حكم بالإعدام، وجرّدت الضحايا من إنسانيتهم بوصفهم «حشرات» يجب القضاء عليها، عقب اغتيال الرئيس وانهيار اتفاقيات السلام.

وسط هذا الانهيار الكامل للنظام الأخلاقي، تبدأ رحلة بول من مساحة النجاة الفردية إلى مسؤولية الحماية الجماعية؛ فزوجته تنتمي إلى قبيلة التوتسي، ما يجعل الخطر شخصيًّا وحميميًّا، لا سياسيًّا مجردًا. ومع اتساع دائرة العنف في الشوارع، يتحوّل الفندق من منشأة سياحية إلى ملاذ هشّ، ومن مساحة حياد إلى ساحة مواجهة صامتة، حيث يصبح البقاء فعل مقاومة بحدّ ذاته.

في هذا السياق، لا تصبح الموسيقا التصويرية خلفية جمالية، بل طبقة سردية ثانية تتكامل مع الصورة وتكثّف معناها. شارك في تأليف الموسيقا (Rupert Gregson-Williams) و(Andrea Guerra)، إلا أن حضور الأغاني الإفريقية كان الأشد تأثيرًا، لما فيها من حمولة ثقافية وتاريخية، تنقل الإحساس الجمعي بالخطر والخسارة دون الحاجة إلى تفسير.

أبرز المقطوعات

تبرز هذه الأغنية بوصفها نموذجًا للتوظيف الموسيقي الواعي داخل الفِلم. يعتمد اللحن على ضربات طبول متكررة وحادّة، لا تعبر عن إيقاع احتفالي، بل هي إعلان دائم عن اقتراب العنف، أشبه بدقّات إنذار لا تهدأ. ويتقاطع هذا الإيقاع القاسي مع صوت غنائي حزين وشجيّ، فيخلق تضادًّا صوتيًّا يعكس جوهر الفِلم: شجاعة الاضطرار إلى المقاومة، مقابل خوف إنساني عميق من عواقبها. هنا، لا تعبّر الموسيقا عن حدث، بل عن حالة داخلية متأرجحة بين الإقدام والتردد.

مع تصاعد المجازر والهجمات، تُسمع هذه المقطوعة بوصفها ذروة التوتّر السمعي في الفِلم. تزداد الموسيقا كثافةً وضغطًا، ويصبح الإيقاع أثقل، واللحن مشحونًا بالتوتر، ليضع المُشاهد في حالة يقظة قصوى لا تمنحه أيّ ملاذ عاطفي. حتى الصمت حين يحضر، يبدو محمّلًا بالتهديد، كأن الموسيقا انسحبت مؤقتًا لتضاعف أثر عودتها. في هذا الموضع، تتحوّل الموسيقا إلى أداة قمع نفسي، تحاكي رعب الفوضى وغياب أيّ أمان ممكن.

يبلغ التوظيف الموسيقي ذروته الدلالية في مشهد إجلاء الأجانب البيض من المدينة، أحد أكثر مشاهد الفِلم قسوةً ودلالة. في لحظة يُخيَّل فيها للروانديين أن المساعدة الدولية وصلت، تنسحب القوات حاملةً رعاياها فقط، تاركةً خلفها مئات المدنيين لمصيرهم المحتوم. واختيار إدخال أصوات الأطفال في الأغنية لم يكن تفصيلًا عاطفيًّا، بل موقفًا دلاليًّا واضحًا: أصوات بريئة وهادئة، مشبعة بالخوف والاستسلام، لكنها تحمل في نبرتها بذرة أمل هشّة.

تأتي هذه المقطوعة، نغميًّا وسرديًّا، بوصفها انتصارًا إنسانيًّا. حين ينجح بول في إنقاذ عائلته وكل مَن احتمى بالفندق، تتغير نغمة الفِلم بالكامل؛ اللحن هنا أقل توترًا وأكثر دفئًا، لا يحتفل بالنصر، بل بالبقاء. الموسيقا تعكس، بحسّها الدقيق، أن النجاة في هذا السياق ليست خلاصًا كاملًا، وإنما فعل ذاكرة ومقاومة صامتة، تسترجع الإنسانية وسط الخراب.

خلاصةً، مع أن اللهجة الغنائية في موسيقا الفِلم إفريقية، ولم تكن الكلمات مفهومةً على المستوى اللغوي، نجحت الموسيقا في إيصال الإحساس مباشرة، متجاوِزةً حدود اللغة. الإيقاع والنبرة وطبقات الصوت كانت كافيةً لنقل الخوف والحزن والترقّب، مؤكدّة أن الموسيقا، حين تُوظَّف بوعي وصدق، تصل مباشرة إلى المشاعر، فلا يُشترط فهم الكلمات بقدر ما يُستشعر الإحساس.

عهود أبو خيرة


 فِلم «Grave of the Fireflies»
فِلم «Grave of the Fireflies»

اليوم نقول «أكشن» مع أحد أكثر المشاهد قسوة وهدوءًا في تاريخ الأنمي، من فلم «Grave of the Fireflies» الصادر عام 1988، من إخراج إيزاو تاكاهاتا.

يروي الفلم حكاية الشقيقين «سييتا» و«سيتسوكو»؛ طفلين يتيمين يعيشان في اليابان خلال الحرب العالمية الثانية، بعد أن فقدا والدتهما في قصف جوي حوّل منزلهما إلى رماد. في لحظة واحدة، يُنتزع كل ما كان يشكّل عالمهما: البيت، والأسرة، والإحساس بالانتماء. يجد الشقيقان نفسيهما في بلد ينهار تحت وطأة الحرب والمجاعة، حيث لم يعد هناك متسع للعاطفة أو الرحمة. ومع غياب الأب في ساحات القتال، وانشغال الجميع بالبقاء، يُدفع «سييتا» قسرًا إلى دور الحامي والمسؤول؛ دور يفوق عمره وإمكاناته النفسية، لكنه يتشبث به بدافع أخوي غريزي، لا بوعي ناضج بعواقبه القاسية.

يأتي مشهد اليراعات في لحظة مفصلية، بعد خروج الشقيقين من منزل قريبتهما، التي حوّلت فكرة التضامن العائلي إلى تجربة إذلال يومية، ليختارا العزلة بدل الخضوع. ينسحبان إلى كهف مظلم ورطب على هامش المدينة، مكان لا يصلح للحياة بقدر ما يصلح للاختباء. هنا، يحاول «سييتا» أن يعيد اختراع فكرة «البيت» بأبسط الوسائل الممكنة. يجمع اليراعات من بيئتها الطبيعية ويطلقها داخل الكهف، لتصبح مصدر الضوء الوحيد وبديلًا بدائيًّا عن الكهرباء التي يعجز عن توفيرها. في تلك اللحظة، يتحول الكهف من فراغ موحش إلى فضاء حميمي مؤقت؛ أضواء صغيرة تتراقص في العتمة، وضحكات طفولية خافتة، وصمت يلف المكان كأنه وعد قصير بالأمان. مشهد يبدو حالمًا، لكنه محكوم منذ ولادته بالزوال.

غير أن الفلم يرفض الانخداع بهذا الوهم. ومع بزوغ الصباح، ينكشف الثمن. يستيقظ «سييتا» ليجد «سيتسوكو» تحفر الأرض بيديها الصغيرتين، وتدفن اليراعات الميتة واحدة تلو الأخرى. ماتت اليراعات لأنها انتُزعت من بيئتها الطبيعية، واحتُجزت في فضاء مغلق بلا غذاء ولا رطوبة، تمامًا كما وُضع الطفلان في عالم لم يعد صالحًا لطفولتهما. وخلال هذا الطقس الجنائزي البسيط، تفصح «سيتسوكو» عن وعيها بحقيقة موت والدتهما، وأنها دُفنت هي الأخرى بسبب الحرب. لا تصرخ، لا تنهار، بل تفعل ذلك بهدوء مذهل، كأن الموت بات جزءًا من يومياتها. هنا، لا نشهد حزنًا طفوليًّا عابرًا، وإنما لحظة إدراك مبكر وقاسٍ لمعنى الفقد.

تُوظَّف اليراعات في هذا المشهد بوصفها رمزًا مركزيًّا متعدد الطبقات؛ فهي تمثل الضوء، والحياة، والطاقة العابرة، لكنها في الوقت ذاته كائنات قصيرة العمر، شديدة الهشاشة. موتها السريع لا يرمز إلى ضعفها بقدر ما يفضح قسوة البيئة التي وُضعت فيها قسرًا. ودفنها على يد «سيتسوكو» يتحول إلى صورة بصرية مؤلمة لأطفال يُجبرون على ممارسة طقوس الفقد قبل أوانهم، ولبراءة تُسحق بالإهمال، والجوع، وغياب أي شروط للحياة.

يعمل مشهد اليراعات بوصفه نبوءة صامتة لنهاية الفلم بأكمله. فكما ماتت اليراعات لأنها عاشت خارج بيئتها الطبيعية، تموت «سيتسوكو» لاحقًا للسبب ذاته: الجوع، وسوء التغذية، واستحالة الحياة داخل الكهف. لا يصرّح الفلم بهذا الربط، ولا يفرضه على المشاهد، بل يزرعه بصريًّا ونفسيًّا في الذاكرة، ليعود هذا المشهد لاحقًا بوصفه المفتاح الأكثر قسوة لفهم المأساة كاملة.

بهذا الهدوء الخالي من الخطابة، يقدّم «Grave of the Fireflies» واحدًا من أصدق البيانات السينمائية ضد الحرب، يختصر في دقائق قليلة معنى أن يولد الضوء في زمن لا يسمح له بالاستمرار، وأن تكون الطفولة، في حد ذاتها، شكلًا من أشكال المقاومة الهشة في عالم معادٍ للحياة.

عهود أبو خيرة


فقرة حصريّة

آسفين على المقاطعة، هذه الفقرة خصصناها للمشتركين. لتقرأها وتستفيد بوصول
لا محدود للمحتوى، اشترك في ثمانية أو سجل دخولك لو كنت مشتركًا.

اشترك الآن


في مطلع التسعينيَّات، عاشت ضواحي باريس حالة من التوتّر والاحتقان؛ كونها أحياء معزولة اجتماعيًّا، ترتفع فيها معدّلات البطالة بين الشبان، ويتراكم فيها التمييز العرقي. كان الاحتكاك اليومي مع الشرطة جزءًا من الحياة هناك، وغالبًا ما ينتهى بـ«العنف». ومع تكرار هذه الوقائع، تشكّلت علاقة مأزومة بين الدولة وشبان الضواحي، تقوم على حوادث متشابهة تنتهي في كثير من الأحيان دون محاسبة.

من بين هذه الحوادث، برزت قضايا مقتل شبّان من أصول إفريقية في أثناء وجودهم في حجز الشرطة الفرنسية، وعلى رأسها مقتل الشاب الزائيري ماكومي مباول داخل مركز شرطة في باريس. اختزلت هذه الحادثة شعورًا عامًا بأن العنف أصبح جزءًا من بنية العلاقة بين سكان تلك الأحياء والسلطة. 

حينها، فكر المُخرج الفرنسي ماثيو كاسوفيتز في كتابة فِلم عن هذا الواقع، مصورًا يومًا في حياة ثلاثة شبّان من الأقلية العرقية في ضواحي باريس وما يواجهونه فيها. ومع أن ماثيو لم يكن ابن الضواحي ولم يعِش تجربتها، لكنه صرّح بعدم تقبله لحدوث مثل هذه الوقائع في مجتمعٍ حديث يدّعي المساواة والعدالة.

وبهذه المعلومة نستهلّ فقرة «دريت ولّا ما دريت» عن فِلم «La Haine» الصادر عام 1995:

  • في العرض الأول للفِلم في مهرجان كان، عبّر عدد من رجال الشرطة عن غضبهم من طريقة تمثيل جهازهم في الفِلم، واحتجوا عبر إدارة ظهورهم لطاقم العمل في أثناء وصوله. لكن رغم هذا الاحتجاج، قوبل الفِلم بعد عرضه بتصفيق طويل من الجمهور، ونال كاسوفيتز جائزة أفضل مخرج في تلك النسخة من المهرجان.

  • صُوّر الفِلم بالألوان، ثم اتُّخذ قرار تحويله إلى الأبيض والأسود في مرحلة ما بعد الإنتاج. وكان القرار مقصودًا -بحسب رأي كاسوفيتز- لتجريد الصورة من أي إغراء بصري، ولتأكيد أن ما يُعرض هو شهادة قاسية. وخُطِّط لإصدار نسخة ملوّنة من الفِلم إذا فشل تجاريًّا، وهو ما لم يحدث.

  • أدّى فنسنت كاسيل دور شاب مراهق في الفِلم، مع أنه كان في الثامنة والعشرين من عمره في أثناء التصوير.

  • في مشهد المعرض الفني، وجّهت إحدى الفتيات إلى «هيوبرت» سؤالًا: «التقينا من قبل، أليس كذلك؟». يُقرأ هذا السؤال بوصفه إحالة داخلية مقصودة إلى عمل سابق للمخرج، جمع الممثلَين أنفسهما في سياقٍ مختلف.

  • في أحد المشاهد الأيقونية في الفِلم، ظهر شخص من نافذة أحد المباني وهو يعزف أغنيةً هجومية موجّهة إلى الشرطة، هذا الشخص هو صاحب الأغنية الحقيقي، والمعروف باسم (Cut Killer).

  • اختار كاسوفيتز أن تتطابق أسماء الشخصيات مع أسماء الممثلين الحقيقيين، لتعزيز الإحساس بالواقعية بين الممثلين، وتقليص المسافة بين الأداء والهوية الفعلية بينهم.

  • في أكتوبر 1995، نُظّم عرض خاص للفِلم حضره الرئيس الفرنسي، آنذاك، جاك شيراك وعدد من أعضاء حكومته، في مؤشر على أن العمل لم يكن منتجًا ثقافيًّا فقط، بل قضية سياسية تستدعي المشاهدة الرسمية.

عبدالعزيز خالد

النشرة السينمائية
النشرة السينمائية
أسبوعية، الخميس منثمانيةثمانية

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.

+10 متابع في آخر 7 أيام