اقتصاد بريطانيا
رحلة بريطانيا في صناعة الاقتصاد الحديث

بكل تأكيد، هذا أثقل تمهيد أكتبه في نشرة جادي، لأنها الحلقة الأخيرة من البودكاست، وختام موسم طويل مشيناه معًا، على مدى تسعين حلقة، في نقل المحتوى الاقتصادي إلى العالم العربي مع هادي ومحمد.
حلقتنا الأخيرة عن بريطانيا التي صنعت الاقتصاد الحديث، والتي خرج منها أول محرك بخاري، وأول مصنع بحجم قارة، وأول استعمار بمفهوم السوق العالمية.
ليش كانت بريطانيا هي نقطة الانطلاق؟ ليش ما بدأت الثورة الصناعية من الصين أو الهند؟ وأيش علاقة الشاي بسلامة الناس من الكوليرا؟ وكيف صارت الإمبراطورية الصغيرة مصنع العالم ومصرفه في الوقت نفسه؟
رحلة عميقة تتقاطع فيها الزراعة مع الصناعة والاستعمار مع المال، ونختم بها الموسم بنقاش استثنائي، مثل العادة، مع محمد آل جابر وهادي فقيهي.
أتمنى أن تستمتعوا بهذه الحلقة بقدر ما استمتعنا معكم طوال الرحلة الماضية.❤️


«الوقت» سلاحًا اقتصاديًّا في البحر ⏲️
في البحر، يعتمد تحديد موقع السفينة على بُعدين أساسيين: خط العرض (شمال - جنوب)، وخط الطول (شرق - غرب). خط العرض كان تقديره برصد الشمس أو النجوم ممكنًا، في حين ظل خط الطول طويلًا عقدة الملاحة الكبرى، لأنه اعتمد على معرفة فرق الوقت بين مكان السفينة ووقتٍ مرجعيٍّ ثابتٍ في مكان آخر. وبما أن دوران الأرض 360 درجة في أربع وعشرين ساعة يعني نحو خمس عشرة درجة لكل ساعة، فإن خطأ ساعة واحدة في الحساب قد يترجَم إلى انحراف كبير في الموقع؛ يصبح خطيرًا عند الاقتراب من السواحل والممرات الضيقة، لأنه قد يحرف السفينة إلى الصخور أو يضلّلها عن الميناء المقصود.
عاشت بريطانيا هذا الخطر مبكرًا بعد كارثة جزر سيلي عام 1707، التي ارتبطت بسوء تقدير الموقع في أثناء عودة الأسطول في ظروف بحرية صعبة، فصار ملف خط الطول بعد ذلك ملف «دولة» بامتياز. وفي عام 1714، صدر قانون خصّص مكافآت مالية ضخمة لمن يقدّم طريقةً عملية لتحديد خط الطول في البحر، وتشكّلت لجنة رسمية لإدارة هذا التحدي عُرفت باسم (Board of Longitude). لم تكتفِ الدولة هنا بالانتظار، بل صممت حافزًا اقتصاديًّا قويًّا، لأن دقة الملاحة تعني سفنًا أقل ضياعًا، وتجارةً أسرع، وبحريةً أقدر، وتكاليف تأمين أقل على الرحلات البعيدة.
كانت الفكرة أن تحمل السفينة معها «وقتًا مرجعيًّا» ثابتًا بدقة عالية، لتقارن بينه وبين توقيت الظهيرة المحلي عندها، فتستنتج فرق التوقيت ومن ثم خط الطول. من هنا خرجت قصة الكرونومتر البحري المرتبط باسم جون هاريسون. واختُبرت الساعة عمليًّا في رحلات بحرية من أبرزها الرحلة إلى بربادوس في الكاريبي عام 1761، لقياس مدى دقة الساعة في عبور طويل عبر الأطلسي. مع نجاح هذا الجيل من الساعات، صار البحر قابلًا للحساب بدل أن يبقى رهينة التخمين، وأصبحت الخرائط أدق، والرحلات أضمن، وإمكانية التحكم في حركة التجارة والأسطول أعلى.
هذه «التفصيلة التقنية» تشرح جانبًا أساسيًّا من تفوق بريطانيا البحري، الذي سبق تفوقها الصناعي على اليابسة ومهّد له.

«برق» محفظة تقنيّة ماليّة💸
الخدمات، البطاقات، والمنتجات ما عليها أي رسوم.
والكاش باك، على الحوالات الدولية وتحويل رواتب العمالة، وبطاقة فيزا ومدى!
محفظة .. تعطيك ما تأخذ منك!

الفرقة التي أنقذت اقتصاد بريطانيا 🇬🇧🎸
في أواخر الستينيَّات، وتحديدًا في عام 1967، مرَّت المملكة المتحدة بأزمة اقتصادية خانقة تتعلق بميزان المدفوعات، وكان يُفترض تقنيًّا أن تعومِّ الحكومة الجنيه الإسترليني وتفك ارتباطه بالدولار في وقت أبكر بكثير، قبل أن يرتبك الاقتصاد على هذا النحو. ومع ذلك، استطاعت بريطانيا أن تقاوم وتحافظ على ربط عملتها لثلاث سنوات إضافية، بفضل عامل غير متوقع تمامًا في الحسابات المالية التقليدية، وهو النجاح العالمي المذهل لفرقة «البيتلز» (The Beatles)!
استطاعت فرقة «البيتلز»، أكبر فرقة في العالم حينها، أن تبتكر مفهومًا اقتصاديًّا جديدًا لم يكن معروفًا وقتها، وهو «الجولات الغنائية العالمية». فقبل ظهورها، كان النمط السائد هو أن يشتهر المغني ويحيي حفلاته داخل حدود بلده فقط، ولم يكن سفر الجماهير عبر القارات لمشاهدة العروض أمرًا شائعًا. إلا أن الجولات التي قامت بها الفرقة، خاصة في أمريكا الشمالية والولايات المتحدة، جعلت منها قناةً ضخمة لجلب العملة الصعبة من الخارج إلى الداخل البريطاني.
ووفقًا للتقديرات الاقتصادية، كان حجم التدفقات المالية التي ضختها الفرقة في شريان الاقتصاد البريطاني مذهلًا؛ إذ كانت الفرقة تحقق ما يعادل 650 دولارًا في الثانية الواحدة (بأسعار اليوم). هذه المبالغ الطائلة، التي كانت تأتي من أنحاء العالم، ساهمت في توفير سيولة دولارية ضخمة مكنت البنك المركزي البريطاني من الدفاع عن قيمة الجنيه الإسترليني أمام الضغوط العالمية لفترة أطول.
وأصبح هذا الضخ المالي المستمر عاملًا اقتصاديًّا غير متوقع، ساعد بريطانيا في مرحلة عانت فيها من دورات «الانطلاق والتوقف» (Stop - Go cycle) الاقتصادية. ففي الوقت الذي كانت فيه الصناعات التقليدية البريطانية تواجه صعوبات، كانت «البيتلز» تصدر منتجًا ثقافيًّا يُدرّ أرباحًا تفوق قدرة العديد من القطاعات الصناعية الأخرى في ذلك الوقت.
وبفضل هذه الأرباح الخيالية، استطاعت الحكومة البريطانية تأخير قرار تعويم العملة الذي كانت تخشاه، لما له من آثار في ارتفاع أسعار السلع المستوردة ومكانة بريطانيا الدولية. لقد عملت الفرقة كصمام أمان مالي منح الاقتصاد البريطاني نفسًا إضافيًّا للمناورة، قبل أن تضطر الدولة في النهاية، وتحديدًا بعد انحسار موجة «البيتلز»، إلى الرضوخ للواقع الاقتصادي وتعويم الجنيه.

كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭
مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨
موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!
هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗
التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁


هذه أول حلقة سجلها آل جادي، ودخلت معهم «أونلاين» للعمل مُنتجًا.
شاكر جدًّا للرحلة اللي عشتها مع محمد وهادي، ولإحسانهم في نقل المحتوى الاقتصادي إلى العالم العربي. ❤️

كلّ أربعاء يقدم محمد آل جابر وهادي فقيهي تحليلات وإجابات مبسطة للأسئلة الاقتصادية المحيرة، ومع كل حلقة تصلك رسالة بريدية بمصادر ومعلومات ووجهات نظر مختلفة لم يتسع لها وقت الحلقة.