«هجرة»: فِلم يقف في منطقةٍ وسطى


«هجرة»: فِلم يقف في منطقةٍ وسطى
عبدالعزيز خالد
حين يختار فِلم أن يبدأ من «رحلة»، فهو يؤسّس إطارًا سرديًّا قائمًا على الحركة بوصفها أداة كشف. حيث تُقابل الحركةَ الجغرافية حركةٌ داخلية ومسار خارجيّ يُفترض أن يفتح طبقات أعمق من الشخصيات. ولا يعتمد هذا النوع من الحكايات على المفاجأة أو المنعطفات الحادّة، بل على التتبّع والمرافقة، ومراقبة التحوّلات الصغيرة التي تطرأ على الشخصيات في أثناء السير.
ضمن هذا الإطار، يأتي فِلم «هجرة» من إخراج شهد أمين، بوصفه حكاية انتقال تنطلق من نقطة واضحة، وتتحرّك في مسار يبدو مفتوحًا على احتمالات متعددة، دون أن يَعِد منذ البداية بوجهة نهائية بقدر ما يَعِد بتجربة عبور.
مسار الرحلة
تدور أحداث «هجرة» في عام 2001، ويتتبّع ثلاث نساء: الجدّة «ستّي» (خيرية نظمي) وحفيدتاها «سارة» و«جنة»، في رحلة عبر مناطق متباعدة من المملكة العربية السعودية، وفي مسار يبدأ ظاهريًّا بوصفه رحلةً لأداء الحج. تنطلق رحلتهن من الطائف باتجاه مكة، وبعد الوصول إلى الميقات، تنكسر الوجهة المتوقعة بهروب «سارة». هنا يتغيّر اتجاه الرحلة ومعناها، وتتخذ الجدة قرارًا حاسمًا بعدم إكمال الطريق إلى مكة، وتُحوّل الرحلة إلى البحث عن «سارة». فيصبح الانتقال الجغرافي اختبارًا للذاكرة، وللعلاقة بين الأجيال، وللقدرة على الفهم المتبادل داخل العائلة.
لماذا الهروب؟
يوضح الفِلم منذ بداياته أن «الهروب» و«التنقّل» ليسا غاية سردية بحدّ ذاتَيهما، بل أدوات رمزية لطرح أسئلة أوسع عن الهوية، وعن فكرة الصدمة المتوارثة عبر الأجيال، التي تعود بأشكال مختلفة داخل الأسرة الواحدة.
ويتجلّى هذا الطرح في التناقض بين الشخصيتين «جنة» و«سارة». فبينما تبدو «جنة» مطيعة في ظاهرها، لكنها تحمل عنادًا وقسوة داخلية، تمثّل «سارة» نموذج التمرّد. وكلتاهما تحمل صفة «العناد» الموروثة من جدتهم «ستّي». والتوازي بينهما مقصود وواضح، ويعمل بوصفه محاولةً لقول إن الاختلاف بين الجيلَين ليس قطيعة، بل تَكرار بصيغ مختلفة.
مشكلة التجربة
لا تكمن مشكلة الفِلم في فكرته أبدًا، بل في طريقة تحويلها إلى تجربة. في البداية شعرت أن الفِلم يثق بوصفي مُشاهدًا ويترك لي مساحات للتأويل، غير أن هذه الثقة تتعرّض للنسف المتكرر عبر حوارات مَصوغة بعناية زائدة، وتُشرح بطريقة مستفزة، وأقرب إلى الجُمل «المحفوظة» بدلًا من كلام ينبع من الشخصيات وظروفها. وهذه الحوارات تُقاطع لحظاتٍ كان يمكن للصمت أو للصورة أن تؤدي فيها دورًا أعمق، وتقتل أي فرصة للتفكير.
ويعاني الفِلم بشدة على مستوى إيقاعه؛ فمع أن مدته لا تصل إلى ساعتين، وصلني إحساس بالثقَل. والثقل ليس بسبب طول الرحلة وصعوبتها، إذ كانت الانتقالات بين الأماكن سريعة وخفيفة إلى حدّ يُفقدها أيّ أثر جسدي أو نفسي، فلا يصلني شعور التعب، ولم أرَ أثرًا قويًّا للرحلة في الشخصيات. لكن بالضبط بعد منتصف الفِلم، تحوّل سؤالي من «إلى أين ستصل الشخصيات؟» إلى «متى سينتهي الفِلم؟».
أعي أن فكرة تقديم «الهجرة» بوصفها حالة ذهنية خِيارٌ واعٍ، لكن لا يتّضح هذا الخيار في الفِلم، بل يترك الانطباع بأن ما شاهدته أقرب إلى ضعف في البناء الدرامي منه إلى قرار فني محسوب.
الفرص المهدرة للنقاط الإيجابية
من بين عناصر الفِلم، تبرز شخصية الجدّة «ستّي» بوصفها الأكثر تماسكًا؛ فدوافعها واضحة، وقراراتها هي التي تدفع السرد فعليًّا، مع عُمق جميل في فهم موقعها داخل العائلة، وما تحمله من ذاكرة. وتظهر أيضًا شخصية السائق «أحمد» (نايف الظفيري) بوصفها أكثر الشخصيات إثارة للاهتمام، ومُنح وقتًا كافيًا قبل الكشف عن خلفيته بطريقة رائعة. وعلاقته بـ«جنة» تحمل بذرة إنسانية واضحة، تُذكّر بعلاقات مشابهة للعلاقة في «Paper Moon» أو «Leon: The Professional»، غير أن هذه العلاقة لا تُستثمر حتى نهايتها، وتفتقر إلى مواقف أعمق كان يمكن أن تمنحها أثرًا أقوى.
أما التناقض بين «سارة» و«جنة» فظل قائمًا بوصفه فكرة ذهنية أكثر من كونه مسارًا دراميًّا متطوّرًا. ولا نشهد تحوّلات حقيقية تعيد تعريف علاقتهما، بل يبقى التوازي ثابتًا تقريبًا حتى النهاية.
وتُعدّ لحظات حضور رمزية «الجمل» المصاحبة لـ«جنة» و«ستّي» أفضل ما في الفِلم بالنسبة إلي، وهي من اللحظات القليلة التي شعرت فيها بأن العمل يثق بالصورة دون استعجال للشرح، وتكتسب ثقلها من علاقتها بالشخصيات والمكان. ويعبّر هذا الترميز عن حسّ شهد أمين الإخراجي.
أين يقف «هجرة»؟
يقف «هجرة» في منطقةٍ وسطى؛ ليس فِلمًا سيئًا، لكنه لا ينجح في ترسيخ نفسه ليكون تجربة عالقة. يطرح أفكارًا ورموزًا مثيرة للاهتمام، ويجذب الانتباه في لحظات محددة، لكن فكرته أبسط من تنفيذها، ولا تحتاج إلى هذا الامتداد الزمني ولا هذا الكم من المسارات الجانبية لتأكيدها.
لكن أجد ترشيح «هجرة» لجائزة الأوسكار عن فئة أفضل فِلم دولي منطقيًّا، خصوصًا إذا نُظر إليه من زاوية التلقّي الخارجي. فالفِلم يقدّم موضوعًا غير مألوف ثقافيًّا لجمهور أجنبي، ومع غياب الفهم للّغة المنطوقة، يتقدّم الإطار العام على تفاصيل الحوار والشخصيات. أعتقد أن هذا النوع من التلقّي يجعل العمل أكثر جاذبية خارج السياق المحلي، وهو ما يفسّر الإشادات النقدية الأجنبية التي وصفته بـ«الجريء»، وكان هذا بالضبط الدافع الأساسي لمشاهدتي له.

السينما وُجدت لتبقى
متى تنسى الناس السينما؟ إذا كانت مجرد تجربة بحدود الساعتين، حالما ينتهي الفلم، تختفي من ذاكرتك. مبادرة «سينماء» من هيئة الأفلام انطلقت لتضيف للتجربة عمقًا وتأثيرًا يتجاوز قاعة العرض. من خلال مسارات متنوعة تهدف إلى إثراء المشهد السينمائي السعودي، ودعم المواهب النقدية، وصناعة محتوى يليق بتاريخ السينما ومستقبلها.



في السينما 📽️
يبدأ اليوم الخميس عرض الفلم المصري «كولونيا» من إخراج محمد صيام، وهو عمل درامي عائلي يستكشف علاقة أب وابنه بعد سنوات من الفراق، بعد أن يستفيق الأب من غيبوبة طويلة.
كما يُعرض الفلم الفلسطيني المرشح للأوسكار «اللي باقي منك» الذي يعيد سرد قصة عائلة فلسطينية عبر عقود من الزمان. عندما يجرف احتجاج في الضفة الغربية مراهقًا فلسطينيًّا، تروي والدته قصة العائلة، مجسدةً النضال الذي أوصلهم إلى هذه اللحظة الحاسمة.
وفي اليوم نفسه يُعرض فلم «Giant» الذي يستعيد قصة الملاكم البريطاني من أصول يمنية، الأمير نسيم ناز حامد، من طفولته المتواضعة في أحياء الطبقة العاملة إلى صعوده ليكون أحد أبرز أبطال الملاكمة في العالم.
كما يُعرض غدًا فلم الرعب المنتظر «28 Years Later: The Bone Temple»، الجزء الجديد من السلسلة الشهيرة، الذي يواصل استكشاف عالم ما بعد الوباء في أجواء أكثر قتامة ووحشية، حيث تتصاعد المخاطر والصراع من أجل البقاء.
أطلقت شركة (Amazon MGM Studios) مؤخرًا البوستر الرسمي الجديد لفلم الإثارة والجريمة المنتظر «Crime 101»، تمهيدًا لطرحه في دور العرض السينمائية العالمية بتاريخ 13 فبراير، 2026، وسط ترقب واسع من محبي أفلام الجريمة والتشويق.
عروض المنصات الرقمية 📺
على (Netflix)، يُعرض ابتداء من اليوم المسلسل القصير المقتبس من رواية أقاثا كريستي «Agatha Christie’s Seven Dials» الذي تدور أحداثه في إنقلترا عشرينيات القرن الماضي حول لغز قتل غامض في حفلة فاخرة داخل منزل ريفي.
وعلى (Apple TV)، انطلق رسميًّا الموسم الثاني من مسلسل «Hijack»، ليكمل قصة سام نيلسون الذي يجد نفسه مجددًا وسط أزمة احتجاز رهائن، لكن هذه المرة ليس على متن طائرة، بل في مترو أنفاق قطار تحت الأرض في مدينة برلين بألمانيا.
.png)
ادّخر بذكاء من كل عملية شراء 🧠
كل ريال تنفقه يمكن أن يصنع فرقًا في مستقبلك المالي. «ادخار سمارت» من stc Bank حساب ادّخاري يعطيك 4% أرباح سنوية وتقدر تسحب فلوسك بأي وقت! ادّخر اليوم، واستثمر في غدك مع
«ادخار سمارت».

«Feeling Good»(2:53)


يبدأ فِلم «Perfect Days» بلحظة إصغاء إلى أصوات يومية مألوفة؛ تفاصيل صغيرة لا تلفت الانتباه عادة، لكنها هنا تُقدَّم بوصفها جوهر التجربة. منذ اللحظة الأولى، يضعك الفِلم في حالة حضور كامل، كأنه يطلب منك أن تتوقف قليلًا… وأن تستمع.
يرافقنا العمل في أيام «هيراياما»، عامل نظافة يعمل في حمّامات طوكيو العامة، ونعيش معه تفاصيل يومه البسيطة: الاستيقاظ من النوم، وترتيب الفراش، وتنظيف الأسنان، والاستحمام، والخروج إلى العمل… تفاصيل متكررة، تُقدَّم بصمت شبه كامل، وبتركيز عميق في اللحظة، وبحضور حسِّي نادر.
ما يلفت الانتباه هنا ليس ما يحدث، بل كيف يُسمَع؛ صوت فرشاة الأسنان، وتدفُّق الماء، وخطوات القدمَين، وإغلاق الباب، وقرمشة الطعام في أثناء الأكل. أصوات نمرّ بها يوميًّا، لكننا بالكاد نلتفت إليها. لكن في «Perfect Days»، يصبح الاستماع فعلًا وجوديًّا، والحضور الكامل هو الغاية.
لهذا، يتَّخذ فندرز -مخرج الفِلم- قرارًا واعيًا بالاستغناء عن الموسيقا التصويرية التقليدية. لا موسيقا تُملِي عليك الشعور، ولا نغمات تضغط على العاطفة أو توجّهها. يحميك الفِلم من اندفاع الدوبامين المعتاد، ومن تلك المحفّزات السريعة التي تحرّكك كما تشاء هي، لا كما هي اللحظة. نوتة هذا الفِلم هي «الصمت»… أو بالأحرى، الإصغاء لما يحيط بك.
لا تظهر الموسيقا إلا في لحظات محددة جدًّا: حين يقود «هيراياما» سيارته متّجهًا إلى العمل أو عائدًا إلى منزله. في هذه اللحظات، نسمع الموسيقا من داخل المشهد لا من خارجه، تعكس اختيارات «هيراياما» الموسيقية مزاجه اليومي، وتتحول الأغاني إلى نافذة على عالمه الداخلي.
هذه الاختيارات ليست عشوائية؛ اعتمد فندرز على أغانيّ من الستينيات والسبعينيات، بإيقاع هادئ وروح تأملية، تنتمي إلى موسيقا «السول والفولك روك».
من أبرزها أغنية «Sittin’ On The Dock of the Bay» لأوتيس ريدينق. اختيار دقيق، لا سيما في لحظة قيادة السيارة قبل شروق الشمس. ومع معرفتي السابقة بالأغنية، فقد توقفت لأول مرة عند عبارة: (I'm just sittin' on the dock of the bay Wastin' time).
القلق من هدر الوقت وعدم اللحاق به فكرة مرهقة، لكن في هذا المشهد تحديدًا، تمنحك الأغنية -والفِلم- إذنًا صريحًا بتضييع الوقت، لا بوصفه فشلًا، بل فعلًا إنسانيًّا متناغمًا مع رسالة الفِلم: التمهّل والانتظار والحضور دون مطاردة الزمن، بل أحيانًا… مع تركه يمضي.
أما الذروة، فتأتي مع أغنية «Feeling Good» لنينا سيمون في المشهد الختامي. في تلك اللحظة، أدركت لماذا كُتبت كلمات الأغنية بهذه الطريقة، ولماذا خاطبت المغنية السماء والشمس والطيور، وهي على يقين تام بأنها «تعرف» حالتها الشعورية:
(Birds flying high You know how I feel، Sun in the sky You know how I feel).
لا تُوجَّه الكلمات إلى مستمع، بل إلى العالم نفسه، إلى عناصره الأولى، كأن الشعور لا يكتمل إلا حين يُرى ويُسمَع من الطبيعة ذاتها. لم يتكشف هذا الفهم لي إلا في موضعها الدقيق بنهاية الفِلم. فبعد درس طويل في الحضور والانتباه، تشير الأغنية إلى تحقيق الغاية الأعمق لـ«Perfect Days»: الاتصال التام بالحياة من حولك، إلى درجة أقرب إلى مخاطبتها، وجعل الشعور متبادلًا، والاتصال مستمرًّا عبر الإصغاء للحياة ذاتها. هنا لا يعود الإحساس فرديًّا أو داخليًّا فقط، بل يتحول إلى حالة مشتركة بين الإنسان والعالم، بين مَن يشعر ومَن تُنصت له الطبيعة.
بهذه الاختيارات الموسيقية الدقيقة، يدعم فيم فندرز فكرته الأساسية: التوقف عن البحث المحموم عن الإنجازات الكبرى، والانتباه إلى الأيام الهادئة. «Perfect Days» لا يقدِّم قصة بقدر ما يقدِّم إيقاع حياة، يذكّرك بأن المعنى قد يكون مختبئًا في أبسط التفاصيل… إن سمحت لنفسك بأن تتوقف وتستمع.
عهود أبو خيرة


اليوم نقول «أكشن» مع هذا المشهد من فِلم «The Discreet Charm of the Bourgeoisie» الصادر عام 1972، من إخراج لويس بونويل.
يتتبّع الفِلم ستّ شخصيات تنتمي إلى الطبقة البرجوازية، تحاول مرارًا الاجتماع لتناول وجبة عشاء. وفي كل مرة، يتعطّل هذا الهدف البسيط لأسباب عبثية تتراوح بين الواقع والخيال، مثل خطأ في الموعد، أو جنازة مفاجئة، أو مداهمة عسكرية للمكان، أو انقطاع ناتج عن حلم. ولا يهتم الفِلم ببناء حكاية تقليدية أو تطوّر للشخصيات، بل يراكم محاولات فاشلة تخلق تجربة جديدة للمُشاهِد.
في هذا المشهد، تجلس الشخصيات حول مائدة العشاء، ويُقدَّم لهم الطعام، قبل أن يتبيّن سريعًا أنه مزيَّف. وبعدها تُفتح الستارة خلف الشخصيات، ويتحوّل المكان إلى خشبة مسرح أمام جمهور صامت، ويُطلب من الجالسين أن يبدؤوا التمثيل. فينهض بعضهم فورًا ويغادر، بينما يتردد آخرون، ثم يكتشفون أنهم لا يتذكّرون «النص» المطلوب منهم قوله، فينسحبون واحدًا تلو آخر. وقبل أن يتطوّر الموقف أو يُحلّ، ينقطع المشهد، ويتبيّن أنه كان حلمًا لإحدى الشخصيات، وينتهي كما انتهت أحلام أخرى في الفِلم، بلا أثر في مسار الأحداث.
قد تُقرأ هذه اللحظة بوصفها تعليقًا على البرجوازية، لأن الفِلم -منذ بدايته- يطبّق فكرة تعطيل العشاء، ويسخر بشكل أو بآخر من البرجوازية. وقد وصف بونويل منطلق الفِلم بأنه بسيط حدّ السذاجة، وتعطيل العشاء هو البنية الأساسية له. ومن هنا يصبح تحويل غرفة الطعام إلى خشبة مسرح تطوّرًا منطقيًّا، يكشف عجز هذه الطبقة حين تُنتزع من طقسها المعتاد ويُطلب منها الكلام خارجه.
تكمن أهمية المشهد في كونه اللحظة التي تنتقل فيها نبرة الفِلم من السخرية إلى التنظير. فقبل هذا المشهد، كان يمكن التعامل مع العمل كسلسلة مواقف عبثية عن «عشاء لا يكتمل». لكن بعد هذا المشهد، يصبح واضحًا أن التعطيل ليس نكتة، بل أطروحة متكاملة.
لكن تحليلي للمشهد يتعارض مع موقف بونويل من تفسيرات الفِلم، إذ عبّر مرارًا عن ضيقه من محاولات الجمهور فرض رسالة أو منطق سردي للفِلم، مؤكّدًا أن ما يعنيه هو الإحساس الناتج عن الانقطاع ذاته، لا تأويله.
عبدالعزير خالد

فقرة حصريّة
اشترك الآن


شاهَدَ أصغر فرهادي، في أثناء دراسته الجامعية، مسرحيةً بريطانية قدّمها طلاب، فتحت أمامه نافذةً للتأمل في الحكايات المحلّية التي تتحوّل فيها الأفعال الصغيرة إلى لحظات بطولة مفاجئة. حيث يصبح الأشخاص العاديّون محطّ تقدير المجتمع واحتفائه، لمجرد قيامهم بتصرف أخلاقي عابر. هذا الاهتمام بالفعل البسيط الذي يتحوّل إلى رمز اجتماعي، ارتبط أيضًا بمسرحية «حياة قاليليو» للكاتب برتولت بريخت، التي تناولت باختصار فكرة البطل وعلاقته بالمجتمع، وقد تركت بساطتها أثرًا عميقًا في وعيه، وأثارت لديه سؤالًا جوهريًّا حول كيفية صناعة «البطل» داخل المجتمع.
ظل هذا السؤال عالقًا في ذهن فرهادي لسنوات طويلة، حتى أصبح مُخرجًا محترفًا. وبعد انتهائه من فِلمه الإسباني «Everybody Knows» عام 2018، عاد إلى هذه الفكرة مجددًا. في تلك الفترة، صادف فرهادي قصة حقيقية نشرتها الصحف بعنوان «بطل»، تحكي عن سجين إيراني عثر على حقيبة نقود وأعادها إلى صاحبها. كانت هذه الحكاية الواقعية الشرارةَ التي حوّلت فكرة البطولة المؤجلة إلى مشروع سينمائي، لتتبلور تدريجيًّا وتصبح أساس فِلمه «A Hero»، حيث يستكشف من خلاله كيف يمكن لفعل بسيط أن يتحوّل إلى اختبار أخلاقي واجتماعي شامل، تحت ضغط الرأي العام والإعلام والسُّلطة.
وبهذه الخلفية، نستهلّ فقرة «دريت ولّا ما دريت» عن فِلم «A Hero 2021»:
تسبب توقف إنتاج الفِلم، جرّاء جائحة كورونا، في استغلال فرهادي هذه الفترة لإجراء بروفات مكثفة مع فريق التمثيل استمرت نحو عشرة أشهر، وهي الفترة التي أثّرت جوهريًّا في صقل الأداء وبناء الشخصيات، وعكست أثرًا إيجابيًّا في مسار القصة.
قبل أن يُختار أمير جديدي لتجسيد شخصية «رحيم»، كان قد اكتسب كتلة عضلية لدورٍ في فِلم آخر، بينما «رحيم» شخصية شاحبة ومرهَقة. طلب منه فرهادي تعديل جسده وطريقة مَشيه، وخسارة وزنه ليتناسب مع الدور. وبالفعل، خضع أمير إلى برنامج صارم من حمية وتمارين، وخسر نحو اثنين وعشرين رطلًا خلال شهرين، محافِظًا على هذا الوزن حتى بدء تصوير الفِلم.
صُوّر الفِلم في مدينة شيراز، واعتمد فرهادي على مواقع حقيقية بدل الديكورات المصطنعة، من بينها السجن، والمؤسسات الخيرية، والبيوت الشعبية، في محاولة لطمس الحدود بين الواقع والتمثيل، وتعزيز الإحساس بأن الكاميرا تراقب حدثًا حيًّا لا مشهدًا مُعدًّا سابقًا.
في أثناء التصوير، حرص فرهادي على عدم إدراج أزمة كورونا ضمن أحداث الفِلم، إلا أن ظهور بعض الأشخاص في الخلفية مُرتدِين الكمامات كان أمرًا لا مفرّ منه. لذلك، لجأ إلى إزالة الكمامات رقميًّا خلال مرحلة ما بعد الإنتاج، باستخدام أحدث تقنيات المؤثّرات البصرية (VFX)، وهو تعديل لم يلحظه الجمهور لكنه كان ذا قيمة كبيرة بالنسبة له.
واجه الفِلم جدلًا قانونيًّا في إيران رغم الإشادة النقدية الواسعة، بعد أن اتّهمت مُخرجة وثائقي سابقة -كانت من طلاب فرهادي- أنه استوحى قصة الفِلم من فِلمها الوثائقي «All Winners All Losers» دون منحها الاعتراف المناسب. وأدّت القضية إلى إجراءات قانونية مطوّلة حول حقوق الملكية الفكرية وكيفية استلهام الأعمال الفنية من الواقع. ردّ فرهادي بأن كلا العملين استندا إلى قصة حدثت فعلًا ونُشرت في وسائل الإعلام العامة، وأن الفِلم تفسير سينمائي خاص به، وبالفعل نال براءته.
عهود أبو خيرة

مقالات ومراجعات سينمائية أبسط من فلسفة النقّاد وأعمق من سوالف اليوتيوبرز. وتوصيات موزونة لا تخضع لتحيّز الخوارزميات، مع جديد المنصات والسينما، وأخبار الصناعة محلّيًا وعالميًا.. في نشرة تبدأ بها عطلتك كل خميس.