التطبيقات ضد المستخدم

هل تتعمد التطبيقات فعلًا إفساد تجربة المستهلك؟

في السنوات الأخيرة، تغيّرت علاقتنا مع كثير من التطبيقات اللي كانت تُقدَّم على أنها حلول مبتكرة وسهلة. فتطبيقات مثل أوبر وكريم، كانت تُعَد ثورةً في عالم المواصلات، وقدّمت تجربةً مختلفة تمامًا عن سيارات الأجرة التقليدية.

لكن شيئًا فشيئًا، بدأنا نلحظ التغيّرات؛ ارتفعت الأسعار، وتراجعت الجودة، وصار السائقون يشتكون، وبدأ المستخدمون يشعرون بأن التجربة لم تعد كما كانت. فما الذي تغيّر؟ ولماذا تبدأ كثير من المنصات بداية قوية وجذابة، ثم تنقلب على المستخدم ومقدّم الخدمة؟

تناقش حلقة اليوم ظاهرةً تُعرف باسم «Enshittification»، أو ما يمكن تسميته بالتدهور المتعمّد في جودة الخدمة لصالح تعظيم أرباح المنصة. نحلل هذه الظاهرة من جذورها: كيف تبدأ المنصة بجذب المستخدم بأفضل ما لديها، ثم تبدأ تدريجيًّا في التضييق عليه وتحقيق مكاسب أكبر على حسابه، وعلى حساب الطرف الآخر من مقدمي الخدمة.

نأخذك في رحلة عميقة لفهم نماذج الأعمال للمنصات الرقمية، وكيف أثّر هذا التحول في السوق وفي التجربة اليومية للمستهلكين، ومستقبل هذه المنصات. وكالعادة، برفقة محمد آل جابر وهادي فقيهي.


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

فورتنايت vs أبل

في أغسطس 2020، اتخذت «Epic Games» خطوة محسوبة داخل لعبتها الأشهر «Fortnite» على نظام (iOS)، إذ فتحت مسار دفع مباشر يتجاوز آلية الشراء داخل التطبيقات التابعة لأبل، في تحدٍّ صريح لعمولة المنصة التي تُعد أحد أعمدة نموذجها التجاري. لم تمضِ ساعات حتى جاء الرد: أُزيلت اللعبة بالكامل من «App Store» بحجة خرق السياسات.

رفعت «Epic Games» دعاوى قضائية ضد أبل (وقوقل لاحقًا) بتهم تتعلق بالممارسات الاحتكارية والتحكم بنقطة الدفع، في حين تمسكت أبل بسرديتها المعتادة: القواعد وُجدت لحماية النظام، وأي استثناء يهدد عدالته وأمانته. 

تمنحك منصة «App Store» في بداياتها الوصول والبنية والجمهور، وتبدو كحليف ضروري للنمو. لكن في اللحظة التي يصبح فيها هذا الوصول هو شريان الحياة، تتحول القواعد من إطار تنظيمي إلى أداة تحكم. فبضغطة زر واحدة، يمكنها قطع السوق عنك بالكامل، حتى لو كنت منتجًا عالميًّا بملايين المستخدمين.


«برق» محفظة تقنيّة ماليّة💸

الخدمات، البطاقات، والمنتجات ما عليها أي رسوم.

والكاش باك، على الحوالات الدولية وتحويل رواتب العمالة، وبطاقة فيزا ومدى!

محفظة .. تعطيك ما تأخذ منك!


فترة شهر العسل التقنية 🍯📱


من أحمد الهلالي ✍🏼

تبدأ القصة من التحول الذي شهدناه في المنصات الرقمية الكبيرة خلال السنوات العشر الأخيرة، إذ يتذكر المستخدمون الأوائل كيف كانت تقدم تطبيقات مثل «Airbnb» تجارب استثنائية بأسعار معقولة في بداياتها عام 2012. لكنها اليوم تدهورت لتصبح في بعض الأحيان أسوأ من الفنادق التقليدية، التي طورت خدماتها على نحو لافت، وأصبحت الوحدات السكنية في هذه المنصات تفرض شروطًا تعجيزية على الضيوف، و رسوم تنظيف مبالغ فيها قد تفوق قيمة الإيجار لليلة واحدة. ما يعيد التساؤل حول مستقبل هذا النموذج الاقتصادي الذي بدأ بوصفه بديلًا «سيغير شكل السوق».

لقد عاش العالم ما يسمى «فترة شهر العسل» التقنية بين عامي 2005 و2016، وهي مرحلة تميزت بضخ هائل لأموال المستثمرين في شركات مثل أوبر ويوتيوب دون النظر إلى الربحية الفورية. كان الهدف الأساسي بناء بنية تحتية ضخمة، وتغيير عادات الناس بجعل الخدمة أرخص من التكلفة الحقيقية للاستحواذ على المستهلك. وهذا ما جعل خدمات أوبر، مثلًا، تبدو «شبه مجانية» في بداياتها مقارنة بسيارات الأجرة التقليدية. وهو نموذج عمل لم يكن مستدامًا منذ البداية، فقد اعتمد فقط على حرق مليارات الدولارات، لخلق قاعدة جماهيرية وتوسيع اقتصاديات الحجم قبل مواجهة الواقع الاقتصادي الطبيعي. 

يبرز هنا مصطلح «تردي المنصات» (Enshittification) الذي يصف دورة حياة المنصة عبر ثلاث مراحل حتمية للوصول إلى الربحية المطلقة للملاك. إذ تبدأ بتقديم خدمة ممتازة للاستحواذ على المستهلك، ثم تنتقل لمضايقة هذا المستهلك قليلًا من أجل جذب مقدمي الخدمة (كالسائقين أو أصحاب العقارات) عبر رفع عوائدهم، حتى تصل إلى المرحلة الثالثة وهي «التعفن أو التردي»، حيث تبدأ المنصة بامتصاص القيمة لنفسها فقط، فيسوء التعامل مع مقدم الخدمة والمستهلك، ليجد الجميع أنفسهم داخل نظام يهدف فقط إلى تعظيم أرباح المنصة على حساب جودة التجربة الإنسانية.

وفي المرحلة الأولى من هذا التحول، تغيرت العادات البشرية جذريًّا؛ فبدلًا من البحث عن تاكسي في الشارع، أصبحنا ننتظر خلف الشاشة، حيث كانت المنصة تقدم كل الميزات مجانًا وبلا إعلانات لتغيير السلوك الجماعي. ثم بدأت المرحلة الثانية بإغراء أصحاب العقارات والسائقين، لتحويل نشاطهم إلى «بزنس» احترافي عبر وعود بدخل مضمون ومزايا إضافية، وهذا دفع كثيرين للاستثمار في أصول مخصصة كليًّا لهذه المنصات. وبذلك ضمنت المنصة السيطرة الكاملة على جانبي العرض والطلب قبل أن تبدأ في تغيير قواعد اللعبة لصالح الربحية البحتة.

ويمكننا رؤية هذا التدهور بوضوح في تطبيقات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك، التي بدأت كمساحة بسيطة للتواصل مع الأصدقاء، ثم تحولت إلى منصة محتوى معقدة تجبر الناشرين وصناع المحتوى على الدفع مقابل وصول منشوراتهم إلى الجمهور عبر الخوارزميات. وكذلك الحال في تطبيقات التوصيل التي ترفع الأسعار وقت الذروة بشكل مبالغ، في حين لا يحصل السائق أحيانًا إلا على أقل من نصف ما يدفعه الراكب. وهذا ما يُعرف بـ«التدهور الاستخلاصي» المخطط له، إذ لم يعد الطرفان (المستهلك والمقدم) راضيين عن الخدمة، وأصبحت المنصة هي المستفيد الوحيد الذي يمتص القيمة في المنتصف.

وتعود أسباب هذه الظاهرة إلى طبيعة سوق المنصات التي لا تحتمل لاعبين كُثر بسبب «أثر الشبكة»، بحيث ينجذب المستخدمون إلى المنصة التي تضم أكبر عدد من الخيارات، مما يؤدي إلى قوة تتركز في جهة واحدة. إضافة إلى سهولة التلاعب بالخوارزميات لتغيير الأسعار وقواعد الوصول لحظيًّا، وبلا تكلفة مادية على المنصة. وكل ذلك يحدث في ظل غياب تشريعات تواكب هذه الظاهرة لتحد من هذه الممارسات الاحتكارية. إذ يرى المختصون أن القوانين في كثير من الدول لا تزال تعتمد على قواعد قديمة من الثمانينيَّات، لا تواكب سرعة التقنية وقدرتها على استغلال البيانات الشخصية والتلاعب بالسوق.

وعلى الرغم من هذا النقد اللاذع، يرى جانب آخر أن «الوسيط» الرقمي له قيمة اقتصادية عالية لا يمكن تجاهلها. فهي المنصة التي توفر الأمان وتمنع مخاطر الاحتيال وتضمن وجود سجل تتبعي للتعاملات المالية، كما يظهر في المقارنة بين تجربة التاكسي التقليدي الذي قد يعرض السائح للنصب، لغياب الرقابة، وبين أوبر التي تضمن الشفافية. فالمنصة تتحمل نقاط عدم الاتفاق وعبء القرار عن كاهل المستخدم، لكن المشكلة الحقيقية تبرز عندما تتجاوز حصة هذا الوسيط 30% أو 40% من قيمة العملية، مما يجعله عائقًا أمام كفاءة السوق بدلًا من أن يكون مسهلًا لها.

يبدو أن البشر بدأوا في إظهار تأقلم تجاه هذه التحولات، إذ تشير الملاحظات إلى انسحاب الجيل الجديد من المشاركة العامة في منصات التواصل، والعودة إلى الدوائر الضيقة والخصوصية التامة، كنوع من الاحتجاج غير المعلن على سنوات من الاستغلال الخوارزمي. ومع دخول منافسين جدد قد يقبلون بهوامش ربح أقل، ربما مستقبلًا نرى انكسار حدة هذه المنصات الكبرى. فالأجيال القادمة أصبحت أكثر وعيًا بخدعة «الخدمات المجانية»، وأكثر حرصًا على حماية خصوصيتها الرقمية من آثار «تعفن المنصات» الذي طال أغلب جوانب حياتنا اليومية.


كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭

مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨

موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!

هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗

التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁


بودكاست جادي
بودكاست جادي
أسبوعية، الأربعاء منثمانيةثمانية

كلّ أربعاء يقدم محمد آل جابر وهادي فقيهي تحليلات وإجابات مبسطة للأسئلة الاقتصادية المحيرة، ومع كل حلقة تصلك رسالة بريدية بمصادر ومعلومات ووجهات نظر مختلفة لم يتسع لها وقت الحلقة.

+10 متابع في آخر 7 أيام