هل سقوط النظام الإيراني إيجابي للمنطقة
سؤال المليون تومان: هل سيستفيد الاستقرار الإقليمي، وبذلك السعودية، من بقاء النظام أم من انهياره؟

تفاقمت المظاهرات مرّة أخرى في إيران، في مشهدٍ اعتاده المتابعون للشأن الإيراني منذ الثورة. غير أنها امتازت هذه المرّة بسردية أكثر شمولًا وحدّةً في المواجهات بين المتظاهرين وقوى الأمن، وبتدخّل غربي غير مباشر قد يتحوّل إلى مباشر في أي وقت. فضلًا عن السياق الاستثنائي الذي تأتي فيه هذه المظاهرات بعد المواجهات الأخيرة مع إسرائيل وأمريكا.
يحلِّل هذا العدد هذا الظرف الاستثنائي، ويقرأ الملفات خلفه وبعده، وتحديدًا من منظورٍ سعودي.
قراءة ماتعة.
عمر العمران


هل سقوط النظام الإيراني إيجابي للمنطقة
د. هشام الغنام
يواجه النظام في إيران ما قد يكون أخطر تحدٍّ له منذ قيامه. الاحتجاجات والمظاهرات الحالية أشد من سابقاتها، تسببت بها الأوضاع الاقتصادية الصعبة وانعدام الإصلاح السياسي، إضافة إلى الإذلال الخارجي المتواصل الذي واجهته إيران منذ بداية العدوان على غزة. لكن بالمقابل، لدى النظام مؤيدون كثر، وفي جعبته أدوات قمع داخلية ضخمة ومتعددة لا يستهان بها، ولا ينبغي التقليل من تاريخه الطويل وممارساته الناجحة في ضبط الأمن الداخلي وحماية النظام.
في هذه المقالة، أحلِّل الأزمة الحالية، وأقيّم خطورة التظاهرات الحالية على النظام، وأبتغي كذلك استشراف المستقبل القريب وتأثيره فينا، إن أمكن ذلك على ضوء المعطيات والوقائع على الأرض، وهي ناقصة بطبيعة الحال ويشوبها الكثير من التحيزات.
التظاهرات الحالية
الذي أستطيع قوله، ولاحظه الجميع في الأيام الماضية، إن التضليل المعلوماتي على أشده ومن كافة الأطراف، على اختلاف طبعًا في القدرات، أعني النظام وأعداءه في الخارج. والادعاءات على طرفي نقيض، فمن جهة هناك من يروج بشدة لأن النظام يلفظ أنفاسه الأخيرة، وأن سقوطه قاب قوسين أو أدنى، وأن المدن تسقط الواحدة تلو الأخرى وأن خامنئي ورفاقه يستعدون للفرار. الهدف من هذا واضح وهو تسريع التدخل الأمريكي وانهيار معنويات مؤيدي النظام.
لا شك أن الضحايا والمآسي الإنسانية وفظائع النظام تجاه الإيرانيين متعددة، لكن تقييم ما يحدث على الأرض بدقة ليس بهذه السهولة، خاصة مع انتشار التزييف الإلكتروني، وتدخل أجهزة مخابرات معروفة بقدراتها المتفوقة في التضليل والتزييف المعلوماتي. لكن رغم هذا التضليل، من المؤكد بالطبع أن الاحتجاجات في جميع المحافظات. وهذه مظاهرات متنوعة في تركيبتها الاجتماعية، في تحالفٍ يتجاوز الطبقة والجنس والجغرافيا والعمل. الحشود ضخمة مع سقوط العديد من أحياء طهران فعليًّا تحت سيطرة المتظاهرين. أعداد القتلى بالعشرات معظمهم بالرصاص الحي، مع آلاف الاعتقالات.
كما أن هناك تحولًا واضحًا عن الماضي القريب. فعلى سبيل المثال، شهد الطابع الأيديولوجي للاحتجاجات تحولًا كبيرًا عن 2022. فبينما ركزت انتفاضة مهسا أميني على الحريات الديمقراطية تحت شعار «امرأة، حياة، حرية»، اتسمت الاحتجاجات العارمة الحالية بنزعة ملكية متزايدة، ويكفي أن تستمع إلى هتافاتها. والأهم من ذلك، أن القومية المتطرفة بدأت تحل بوضوح محل الأيديولوجيا الثورية الإسلامية (أيديولوجيا النظام).

أسس الأزمة: الكارثة الاقتصادية
كنت دائمًا ما أتحدث عن وهن ما يسمى باقتصاد المقاومة وضعف قوة هذا الاقتصاد الكاذب، رغم ما يدعيه بعض الاقتصاديين الإيرانيين ممن نلتقيهم في المؤتمرات وحلقات النقاش الخاصة. الأرقام أمامنا واضحة، وتبين انهيار العملة وارتفاع التضخم بشكل جنوني.
هذا التدهور الفظيع له أسباب متعددة بالتأكيد، بعضها طارئ مثل أثر الحرب الإسرائيلية الأمريكية الأخيرة في إيران، لكن كثيرًا من هذه الأسباب متواصل وبنيوي مثل سوء الإدارة، والفساد المالي الكبير في النظام، والعقوبات الدولية المستمرة.
زادت الأوضاع سوءًا مؤخرًا. ففي سبتمبر 2025، فعلت القوى الأوربية آلية «الزناد» (Snapback)، لتعيد فرض جميع عقوبات الأمم المتحدة التي رُفعت سابقًا بموجب الاتفاق النووي لعام 2015. كما أدت استراتيجية «الضغوط القصوى» لترمب، التي بدأها في ولايته الأولى، إلى التشديد على عزلة النظام ومحاصرته. وقد أدى انخفاض أسعار النفط، والمبيعات القسرية لعدة دول استفادت من العقوبات على إيران لتحصل على النفط بأسعار مخفضة، إلى هروب رؤوس الأموال وإفراغ خزائن الدولة وإفقار الشعب أكثر.
على خلاف بعض الأزمات السابقة، يشارك في هذه الاحتجاجات جميع الفئات، وكل من تضرر من إصلاحات بزشكيان. وسرعان ما تحول المطلب الاقتصادي إلى انتفاضة كبيرة تطالب بتغيير النظام.

المشكلة الجوهرية للنظام تكمن في عجزه عن تقديم حلول اقتصادية ذات مصداقية مع الحفاظ على سياساته الخارجية والداخلية الحالية، وهذه كانت دائمًا معضلة النظام، لكن الظروف المحيطة ساءت الآن أكثر. ويواجه سكان إيران بطالة مزمنة، وصناديق تقاعد مفلسة، وانقطاعات في الكهرباء، وتقنينًا للمياه. وهناك اعتقاد سائد بأن مافيا المياه، التابعة للحرس الثوري، تحول الموارد إلى المشاريع الصناعية بينما تعاني قرى إيران من العطش.
أسس الأزمة: الإذلال الإقليمي
تفاقمت الآلام الاقتصادية بفعل هزيمة إقليمية وإذلال غير مسبوق. سقط الأسد، مما أدى إلى قطع الممر البري الإيراني المؤدي إلى حزب الله، جوهرة تاج الاستراتيجية الإيرانية المتمثلة في الدفاع المتقدم. كما صفّت إسرائيل بصورة منهجية قيادات حزب الله وقدراته، وكانت قاصمة الظهر ضرب المنشآت النووية الإيرانية في فوردو وأصفهان ونطنز، مما دمر مشروعًا كلف مئات المليارات من الدولارات.
ولم تسبب الهجمات الصاروخية المباشرة التي شنتها إيران على إسرائيل في الأشهر التي أعقبت السابع من أكتوبر إلا أضرارًا طفيفة، بينما شلت الضربات الإسرائيلية الدفاعات الجوية الإيرانية وألحقت أضرارًا كبيرة بإنتاج الصواريخ. واليوم، تسرح الطائرات الإسرائيلية في الأجواء الإيرانية دون عوائق، وهو استعراض مهين للنظام وقياداته وخطابه الذي يدعيه أمام الشعب الإيراني.
لعقود من الزمن، روجت إيران نفسها طليعةً للمقاومة ضد إسرائيل والإمبريالية الغربية، أما اليوم، فقد تحطمت هذه السردية. تجد إيران نفسها معزولة وضعيفة، مع أضعف حالات دفاعها المتقدم في الهلال الخصيب واضمحلال قوة الردع لديها.
شبح التدخل
لا يمكن إنكار أنه خلال حرب الاثني عشر يومًا، أبدى الإيرانيون، لدوافع وطنية ودينية، تضامنًا مع النظام ضد الاعتداء الخارجي، ومن جهته خفف النظام من فرض بعض القواعد الدينية، لا سيما فيما يتعلق بالحجاب. كان الهدف امتصاص أي نقمة داخلية بتنازلات شكلية، لكن الاحتجاجات الحالية نسفت هذه التهدئة قصيرة الأمد.
الحقيقة أن النظام أمام مشكلة كبيرة، لأنه إذا ترك المظاهرات تتوسع فهذا سيهيئ الأرضية لتدخل أجنبي، أمريكي تحديدًا، وسيغري أعداء النظام الخارجيين بالضغط أكثر على النظام وإحراجه. وإذا مارس القمع المفرط سيزيد حالة النقمة واستعداء مجموعات جديدة من الشعب الغاضب.

يرى حكام إيران أن الأزمة الاقتصادية والتهديدات الخارجية مترابطان بعمق، ولعلهم محقون إلى حدٍّ ما. فكلنا نتذكر ما كان يصدر من إسرائيل، رسميًّا وغير رسمي، بأن القضاء على القادة وضرب المؤسسات سيشجع على الانتفاضة المنتظرة في إيران والقضاء على النظام إلى الأبد. وإذا جمعنا هذا مع اعتراف القادة الإيرانيين بأنهم نجوا من حرب يونيو بفضل شعبهم، فمن المؤكد أن تحريض الشعب على النظام هو جزء أساسي لا تكتمل دونه استراتيجية الحرب الإسرائيلية تجاه إيران.
أدى إعلان ترمب أن الولايات المتحدة «على أهبة الاستعداد» (Locked and Loaded) لـ«إنقاذ» المتظاهرين إلى تغيير كبير في الديناميكيات. بالنسبة إلى رؤوس النظام، وكثير منهم من مخضرمي الحرس الثوري، فإن نموذج ليبيا يلوح في الأفق؛ إذ رأوا كيف يمكن للاحتجاجات السلمية المدعومة من الخارج أن تعجل تغيير النظام. كما قدم اعتقال الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي مادورو نموذجًا جديدًا وخطيرًا للتدخل. فالتدخل محدود وبكلفة منخفضة، يكفي منه ضربات دقيقة لقطع رأس القيادة، وخنق اقتصادي، ومطالب بالاستسلام دون الحاجة إلى تقديم أي التزامات تتعلق ببناء الدولة أو نشر الديمقراطية أو إعادة تصنيع نموذج التدخل العراقي الفاشل. يعني يكفي استهداف المرشد الأعلى والمسؤولين الرئيسيين، ومنع صادرات النفط، ثم المطالبة بالتخلي عن البرامج النووية والصاروخية، والباقي يحل نفسه بنفسه فقد لا يكون مهمًّا لأمريكا أو إسرائيل.
منظور سعودي
نحن هنا لا نناقش الموقف الرسمي؛ فهذا مسطور في البيانات التي تصدر من وزارة الخارجية السعودية، إنما نستعرض استشرافنا لما قد يحدث.
بداية ينبغي إجابة سؤال المليون تومان: هل سيستفيد الاستقرار الإقليمي، وبذلك السعودية، من بقاء النظام أم من انهياره؟

لا توجد إجابة بسيطة، كما تقدمها بعض التحليلات الإعلامية. الإجابة صعبة وغير واضحة، فالنظام الحالي يرعى حركات وأحزابًا مضرة بالاستقرار ويقمع شعبه، لكن الانهيار التام قد يطلق العنان للفوضى المتمثلة في موجات لجوء، وكذلك مخاطر انتشارٍ نووي، وحروب عرقية وأهلية.
ربما يكون الخيار المفضل لدول الخليج عمومًا هو «جمهورية إسلامية ضعيفة»، تُجبَر في السنوات القادمة على تقديم أولويات الحكم الداخلي على المغامرات الإقليمية، وتقبل بالقيود النووية مقابل رفع العقوبات. لكن المشكلة كانت دائمًا أن النظام، بوجود خامنئي، لا يريد أي تغيير ولا يرغب في التنازل لا لشعبه ولا لجيرانه.
الأكيد أن الرياض ستحافظ على قناة دبلوماسية مفتوحة ونشطة مع إيران، مع دعمها الخفي لسياسة الاحتواء. والأكيد أيضًا أن الرياض استفادت استفادة غير مباشرة من تحجيم إيران وكسر شوكتها في الأعوام الأخيرة، كما كان سقوط الأسد ذا فائدة استراتجية ضخمة للسعودية. لكن مع هذا كله فإن الانهيار الكامل للنظام قد يُطلق العنان لفوضى أضرارها أكبر من فوائدها، وقد تستغلها أطراف عدة لا تريد خيرًا للسعودية للإضرار بها. كما أن التجارب أثبتت أن تحويل المنطقة كاملة إلى منطقة أمريكية، في حالة استبدال النظام الإيراني الحالي بنظام موالٍ تمامًا للولايات المتحدة، قد يحمل معه الكثير من التبعات السلبية على السعودية وعلى الخليج عمومًا.
قد يبدو هذا كلامًا غريبًا، لكن الحقيقة أن تغير النظام إلى نظام شبيه بنظام الشاه سيقلل كثيرًا من هامش المناورة والخيارات الاستراتيجية المتاحة للسعودية لا العكس. لذلك من المتوقع أن تُرسّخ السعودية مكانتها بوصفها قوة إقليمية مسؤولة تُقدّم الاستقرار وتفضّل الحالات الراهنة على التغيير مجهول العواقب، نائيةً بنفسها عن المغامرات الإيرانية، وعن أي تدخلات أمريكية تزداد احتماليتها ساعة بعد ساعة في أثناء كتابة هذا المقال.
التدخل العسكري الأمريكي يُنذر بخلق فوضى تسعى السعودية إلى تجنبها. الهدف هو إضعاف إيران وإجبارها على إعطاء الأولوية للحكم الداخلي على حساب شبكات الوكلاء الإقليمية، أي إدارة بقاء النظام، وهو ما يتحقق من خلال ضغط خارجي مستمر بدلًا من الانهيار الكارثي. وتكمن قوة السعودية دائمًا في كونها الشريك الذي لا غنى عنه لأي استقرار إقليمي، والقوة المسؤولة التي تمنع حدوث نتائج أسوأ، تساعد حتى أعداءها في ضعفهم، لكن هذا لن يكون مجانًا.
خاتمة
ستكون الأيام والأسابيع القادمة حاسمة. يواجه النظام منعطفًا حاسمًا، إذ ستستمر دورات الاحتجاج حتى يتغير النظام أو ينهار. الفصل الأخير من الثورة الإيرانية يُكتب الآن أمام أعيننا. ومن الضروري أن نستعد لليوم التالي، يوم ما بعد سقوط النظام، هذا الذي سيغير شكل المنطقة بالتأكيد. لنحرص أن يكون هذا التغيير، إن تم، في صالحنا لا العكس.

كيف تتخيّل بيت العمر؟ 💭
مسكن متكامل ومريح، موقعه قريب من كل شي، وفيه كل شي 🏡✨
موقفك الخاص، مصلى، مقهى،بقالة، صالة رياضية، وترفيهية!
هذي هي تجربة السكن في صفا 🔗
التجربة اللي تسبق الحاضر وتنبض بالحياة 🖼️🥁

فقرة حصريّة
اشترك الآن


في حلقة «متى تتوقف إسرائيل» من بودكاست فنجان، يحلِّل ضيفها وكاتب مقالة هذا العدد، هشام الغنام، خلفيات الصراع الدائم في الشرق الأوسط، وتحديدًا الحرب القائمة على غزة منذ 7 أكتوبر، وآثارها المستدامة في المنطقة.
*تعبّر المقالات عن آراء كتابها، ولا تمثل بالضرورة رأي ثمانية.

مساحة رأي أسبوعية تواكب قضايا اليوم بمقالات ولقاءات تحليلية في مختلف المجالات، لتمنحك فرصة استكشاف الأحداث وتكوين رأي تجاهها.