حياة السوق بالجزيرة العربية

الأسواق القديمة في الحياة اليومية

في نشرة فلان من ثمانية

قبل أن يظهر الاستهلاك بشكله المَرَضي، وقبل خدمات «اشترِ الآن وادفع لاحقًا»، كانت للأسواق مكانةٌ مركزية في التاريخ الإسلامي وتاريخ منطقتنا على وجه الخصوص.

لم تكُن الأسواق لمجرد بيع السلع أو مقايضتها، بل فضاءات مفتوحة لاجتماع الناس؛ يلتقي فيها سكان القرى بالبدو الرحّل، وتنتقل الأخبار، أخبار الطقس من أمطارٍ وربيع، وأخبار السياسة من أحوال القرى والقبائل، إلى جانب الأدب والشعر، وكل ذلك في مكانٍ واحد.

ومع تطوّر الزمن، ظهرت الأسواق الجوالة، حيث ينقل الباعة بضائعهم من مدينة إلى أخرى، أو من قرية إلى قرية، وعُرفت هذه الأسواق بأيامها، مثل سوق الخميس.

وفي هذه المقالة نرى حال هذه الأسواق في جنوب السعودية.

نوّاف الحربي


السوق والحياة: حكايات خميس عبيدة

ميمونة القحطاني

شكّلت الأسواق قديمًا في الجزيرة العربية قلب الحياة اليومية، لا بوصفها أماكن للبيع والشراء فقط، إنما تشمل فضاءات إنسانية تُدار فيها شؤون الناس، وتتشكل داخلها علاقاتهم، وتُختبر القِيم في صورها الأولى. في تلك الأسواق، كان الناس يأتون بما أنتجته أيديهم، ويغادرون بما تحتاج إليه بيوتهم، وبين القدوم والرحيل كانت الحياة تُروى شفهيًّا، وتُحفظ في الذاكرة أكثر مما تُكتب في السجلات.

لم تتشكل الأسواق على نمط واحد، فقد تعددت بتعدد البيئات والمسارات القديمة. ففي الحجاز برزت أسواق موسمية كبرى مثل سوق عكاظ، وسوق مجنّة، وسوق ذي المجاز، حيث التقت التجارة بالشعر، والقوافل بالأماكن. وفي مناطق أخرى، ظهرت الأسواق الدورية المرتبطة بأيام الأسبوع؛ سوق الخميس، وسوق الثلاثاء، وسوق السبت… وهي أسواق تنتقل بين القرى والهجر، فيعرف الناس يوم السوق كما يعرفون مواسم المطر، ويشدّون إليها الرحال حاملين محاصيلهم ومنتجات بيوتهم.

وهنا يكمن موضوعنا اليوم:

على مقربة من طريق أسعد الكامل، المعروف بطريق البخور أو طريق الفيل، تنبض سوق خميس عبيدة بحياة القرية كلها، كما كانت تحكي لي جدتي «عطرة» وذكرياتها العذبة. كان الخميس يومًا مختلفًا، تتنفس فيه القرية خارج رتابة الأيام المتشابهة، وتنبض فيه الأرض بالحركة والناس للاستعداد ليوم حافل له طقوسه وروتينه الخاص. تقول -رحمة الله عليها-: «أجمع يا ابنتي حُزمتين أو ثلاث من الحطب بعناية على هامش احتياج المنزل». وكل حزمة تتحول إلى وسيلة مقايضة تمنحها فرصة الحصول على ما يبهج قلبها ويفرّح والدتها، من توابل وهيل وتمر وقماش، أو حتى منديل لتغطية الرأس، أو حنّاء تلوّن اليدين وتزيد البهجة. لكل شيء في السوق اسمه الخاص: البضائع تُسمّى «جلائب» أو «جلب»، ومن يذهب للشراء أو البيع يُقال عنه «يلقى السوق»، وجمعه «اللقاي». هذه الكلمات تحافظ على روح المكان، وتخبرنا عن حياة الناس وعاداتهم.

كانت السوق أكبر من مجرد مساحة تجارية، فهي مركز اجتماعي وتجاري وإعلامي في آن واحد، تنتقل فيها الأخبار المهمة، وتُعلَن الأفراح والأحزان، وتُشهر الانتصارات والثارات؛ الناس «يغرّدون بها في السوق»، كما تخبرني جدتي، كأن المكان نفسه يروي حياة القرية وأهم ما يحدث وما سيحدث أيضًا، ويجعل كل شخص يشعر بالانتماء والمسؤولية تجاه مجتمعه، والمحافظة على سُمعته ومكانته. تتنقّل السوق بين القبائل، وتُحل تحت حمايتها وتنظيمها في أيام معلومة؛ فالخميس لعَبِيدة، والسبت لبني بشر، والأحد لرفيدة، والإثنين للحرجة. كل قبيلة تكفل يومها، ما يعكس احترامًا متبادلًا للنظام الاجتماعي وروح الانتماء العميق.

وفي جانب آخر تتنوع السلع، وتنبعث قيمتها الحقيقية من الجهد البشري المبذول فيها والاحتياج الماسّ إليها: الحائك يصنع البُسط من الصوف المغزول من شعر الضأن، في مهمة تتكفّل بها ربّات البيوت؛ والمبرمة تصنع الفخاريات من برام وصحف، وهي أوانٍ للطبخ والتقديم؛ والنجار يأتي بمنتجاته الخشبية من عجلة ودراجة ومضمد، وهي أدوات مهمة وأساسية للمزارع لتيسير عمله اليومي؛ والحداد ومنتجاته الحديدية من محراك إلى مسمار وغيره. حتى إن جدتي تخبرني أنه إذا انكسر فنجان القهوة ذهبوا به إلى الحداد ليلحمه بقطعة معدنية ويربطه بقطعة أخرى من الجلد ليتماسك ويُعاد استخدامه. أمّا ملّاك الأراضي فيقدّمون ما تنتجه مزارعهم وحلالهم من سمن ولبن وبُرّ أو شعير. في جانب آخر، البدو الرحل يحلّون ضيوفًا على أهل السوق جالبين أغنامهم أو الجلود أو الأقط (المضير)، لتتشابك حياة القرية مع حياة البادية، وتصبح السوق ملتقًى طبيعيًّا بين الاستقرار والتنقل، بين العيش والعمل، بين الإنسان والمكان في صورة تكافلية رائعة.

تصف لي جدّتي المشهد كأنني أراه بعينيّ: «أرجع يا ابنتي من جمع الحطب أو المرعى يوم الأربعاء قبل مغيب الشمس، وفي استقبالي بيتنا العامر بضيوف من البدو ممّن يعرفون أبي شخصيًّا، أو حتى عبر توصيات معارفهم بأنهم سيجدون العشاء والمكان للمبيت على الرحب والسعة».

 في جانب آخر، يخبرني أبي حكاية طريفة عن انعزال القرية: «كنا بمعزل عن العالم، في أثناء الحرب العالمية الثانية وصلنا خبر ارتفاع سعر البَز». كان ذلك فقط التأثّر الذي وصلهم، والسبب ربما وعورة الطرق وصعوبة المكان، فحافظت السوق على خصوصيتها وروتينها.

تمرّ القوافل القادمة من اليمن محملة بالزبيب والبن والقشر والفضة، متجهة إلى بيشة الغيناء، لتعود محملة بالتمور والخيرات. المقايضة كانت أساس التعاملات التجارية، مع استخدام الجنيه الفرنسي (أو كما يطلقون عليه: الفرانصي)، والريال العربي أو ما يُعرف بالريال المجيدي. كل حركة، وكل حزمة حطب، وكل بائع أو مُشترٍ، يحمل نبض القرية وأصواتها، وأفراحها وأحزانها، ويجعل السوق قلبًا حيًّا للإنسانية؛ قصة واحدة مترابطة تعكس حياة أهل سراة عبيدة بكل تفاصيلها. لم تكن ثقافة الاستهلاك في السوق بالمجمل قائمة على الرغبة بقدر ما كانت محكومة بالحاجة. كان الشراء فعلًا محسوبًا، مرتبطًا بما يكفي البيت ويستمر معه لأطول وقت ممكن، لا بما يلفت النظر أو يفيض عن الضرورة. في السوق، لم يكُن السؤال عمّا هو الأجمل، بل عمّا هو الأجدى، وما يمكن أن يخدم الأسرة موسمًا بعد موسم.

كان «اللقاي» أو مرتادو السوق يأتون إلى السوق وهم يعرفون سابقًا ما سيغادرون به. القائمة محفوظة في الذاكرة، قصيرة ومحددة: بزار للطبخ، قماش للملابس، أدوات لا تُشترى إلا إذا تعطّل ما قبلها. حتى الأطفال كانوا يدركون أن السوق ليست مساحة للطلب المفتوح، بل مكان تُدار فيه أولويات البيت. وما يُشترى، غالبًا ما يكون نتيجة جهد سابق؛ حطب جُمع، أو سمن صُنع، أو محصول زُرع، ثم حُمل إلى السوق ليُستبدل به ما هو أكثر إلحاحًا.

الشراء في السوق الجنوبي لم يكن انفصالًا عن الإنتاج، إنما امتدادًا له. فمعظم ما يُستهلك كان له أصل معروف: مَن زَرَعه، أو من ربّاه، أو من تعِب في جمعه. ولهذا، كان الاستهلاك مصحوبًا بشيء من التقدير والمسؤولية، فلا إسراف في الطعام، ولا تكديس لما لا يُستخدم، ولا استهانة بالسلع مهما بدت بسيطة. هكذا كانت حياة السوق؛ بسيطة في ظاهرها، ولها من العمق ما يتجذّر في تاريخ المكان والزمان.


في هذا التسجيل من تسجيلات الدكتور سعد الصويان مع جهويل بن سالم بن جهويل في الجنادرية، بتاريخ 25 جمادى الآخرة 1405 ھ - 16 مارس 1985م.

يعلمنا جهويل كيف تنقال السالفة، أو مثل ما يقول: السوالف تجيب السوالف. ومن عرض سوالفه الثمينة، سالفة رجال يحلب من نياقه لخيل جاره، وهذا فعل عظيم في حق الجيرة. لكنه كاد أن يخسر جاره بسبب نميمة، وتذكر البيت الشهير:

وقصير بيتي غالي لين ينزاح

أدعيه للكرمة وأجيه إن دعاني

نوّاف الحربي


 ادّخر بذكاء من كل عملية شراء 🧠

كل ريال تنفقه يمكن أن يصنع فرقًا في مستقبلك المالي. «ادخار سمارت» من stc Bank حساب ادّخاري يعطيك 4% أرباح سنوية وتقدر تسحب فلوسك بأي وقت! ادّخر اليوم، واستثمر في غدك مع

«ادخار سمارت».


لا تسرق من الحياة الحياة
هذا حمد الحركان (فلاني سابق). يوم شافني أفكر كثير؛ شلون أدخل على أحد الضيوف اللي كنا مخططين نسوي معه فِلم، وكنت أبي أقنعه بالظهور. قال لي: «محمد أنت تفكر كثير وتحط المعاذير بكلامك للضيف، وأنا نصيحتي لك: انساب مع الضيف وهو يجي معك. لا تسرق من الحياة، خلها تنساب.»

محمد السعدون


سوق الحلال/ رسم: عبدالعزيز الصريري
سوق الحلال/ رسم: عبدالعزيز الصريري


نشرة فلان
نشرة فلان
كل أسبوعين، الثلاثاء منثمانيةثمانية

الذاكرة السعودية بالنص والصوت والصورة، في نشرة بريدية نصف شهرية، تعيد اكتشاف الثقافة المحلية وارتباطها بالعالم.

+10 متابع في آخر 7 أيام
حياة السوق بالجزيرة العربية - ثمانية