هل انتهى عصر الاستثمار في السعودية؟

وين إحنا حاليًّا، وما مستقبل الاستثمار الجريء في السنوات القادمة

اليوم في السعودية، ومع تزايد رأس المال الجريء المُحرِّك لروح ريادة الأعمال ووقود أفكار الشباب الطموحة، كثيرًا ما أسمع من حولي يتكلمون عن كون هذه الحقبة هي «الحقبة الذهبية»، وأنك إن لم تغتنمها بالشكل المناسب، راحت عليك. وهو ما يدفع جيل الشباب إلى السرعة في محاولة بناء شركات ريادية ناشئة.

لكن، هل فعلًا هذه الحقبة في السعودية لن تتكرر؟ وهل الضخ العام في الاستثمارات الجريئة لرواد الأعمال لن يتكرر؟ هل هي «الحقبة الذهبية» كما يقولون، وستنقضي؛ من لحق القطار لحق، ومن انتظر راحت عليه؟

من هنا، خرجت محاولاتي لفهم المرحلة الحالية والقادمة من الاستثمارات الجريئة في السعودية، التي تموِّل الأفكار الريادية. حاولت فهم سلوك السنوات الأخيرة في السعودية منذ إطلاق رؤية 2030، وفهم دول مشابهة للسعودية في اقتصادها، وماذا حلَّ بها: هل استمر ضخ الاستثمارات الجريئة؟ أم توقف بعد النمو؟ وما هي السيناريوهات المحتملة للاستثمار الجريء في السنوات القادمة؟

تعريف الحقبة الذهبية: ممكن تكون فيها وأنت ما تدري، لكن بتسمع عنها بصيغة: «لمّا كانت الأراضي بخمسة ريال...»

قراءة ماتعة يا أصدقاء ☕️


تصميم: أحمد عيد
تصميم: أحمد عيد

بنهاية عام 2025، تكون السعودية هي الأولى إقليميًّا في عدد الاستثمارات الجريئة للعام الثالث على التوالي. إذ سجّلت 1.66 مليار دولار عبر 254 صفقة في عام 2025، وهي أعلى نتائج في تاريخ السعودية منذ تأسيس منظومة الاستثمار الجريء.

يأتي هذا انعكاسًا للتحول الهيكلي في السوق السعودية، ونضج بيئة الاستثمار من حيث تنافسية الصناديق المحلية والإقليمية، وجاذبية السوق للمستثمرين العالميين، وتنوّع القطاعات. 

وعلى مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حققت المنظومة كلها أداءً استثنائيًّا في 2025؛ إذ تجاوز إجمالي الاستثمارات الجريئة 3.6 مليار دولار عبر نحو 594 صفقة، وهو أعلى مستوى سنوي في تاريخ المنطقة.

توزيع صفقات الاستثمار الجريء حسب الدول 2025 🤝

قيمة الاستثمار الجريء حسب الدول 2025 💰


حاولتُ فهم شكل الاستثمار الجريء في السعودية خلال السنوات العشر القادمة، بين 2026 و2035، فجمعت بيانات من أكثر من ثلاثين مصدرًا عالميًّا، لأفهم النمط الذي اتبعته دول مثل الصين وبريطانيا؛ دول شهدت نموًا في الاستثمار الجريء ثم دخلت تهدئة طبيعية بعد انتهاء المرحلة التأسيسية. (مع الافتراض بأن هذا هو النمط أو السلوك الطبيعي).

بعد ذلك، طبّقت المنهجية نفسها على السعودية مع مراعاة خصوصية رؤية 2030، واعتماد الاقتصاد على النفط، وتأثير الضغوط العالمية مثل الفوائد والتضخم. وحددت خمسة عوامل رئيسة تتحكم في المسار: سعر النفط، وأداء «تداول»، وتطور سياسة الشركة السعودية للاستثمار الجريء وصندوق الاستثمارات العامة، واتجاه الفوائد العالمية، ونجاح التخارج.

ومن خلال ذلك، بنيتُ ثلاثة سيناريوهات محتملة: السيناريو الأزرق والأخضر والأحمر، مع الإشارة إلى موقعنا داخلها وأي المسارات بدأ يثبت نفسه.

السيناريو الأزرق 🟦

السيناريو الأساس، ويفترض أن الاستثمار الجريء في السعودية داخل مرحلة نضج طبيعي بعد الاندفاع الأولي القوي، ويتحوّل من قفزات سريعة إلى مستوى معقول وصحي يناسب سوقًا انتقلت من مرحلة إنشاء الشركات إلى مرحلة تكبيرها.

في هذا الإطار يُتوقَّع خلال السنوات من 2026 إلى 2030 أن يستقر حجم الاستثمار في نطاقٍ يقارب 1.2 إلى 1.6 مليار دولار سنويًّا، قبل أن يواصل النمو بثبات ليصل إلى ما بين 2.1 و2.3 مليار دولار في سنة 2035.

نقطة الانطلاق

يمثّل رقم عام 2025 البالغ 1.66 مليار دولار، عبر 254 صفقة، أعلى مستوى مسجَّل حتى الآن، وتُعدّ هذه السنة «سنة طفرة» تُستخدَم خط أساس لدورة الاستثمار. ومع دخول السوق العالمية مرحلة تهدئة بعد ذروة 2021 - 2022 (حيث تراجع التمويل عالميًّا بنسبة 40% في 2022، وأكثر من ذلك في 2023) يُفترض تراجعٌ خفيف عن قمة 2025 بنسبة 10 - 25% (متوسط تاريخي للتصحيحات الطبيعية، كما حدث في السعودية نفسها في 2024 بنسبة 44% عن عام 2023)، ثم استقرار في نطاق 1.2 - 1.5 مليار، مع نموٍّ تدريجي محدود بنسبة 3 - 6% سنويًّا، مرتبط بتحسن التخارجات ونضج الصناديق. 

منطق هذا السيناريو 

يستند إلى أن رؤية 2030 حققت تقدمًا واضحًا في مؤشرات البرامج المرحلية، ونقلت المنظومة من بناء البنية التحتية إلى مرحلة توسيع الشركات الناجحة. كما تمتلك الشركة السعودية للاستثمار الجريء (SVC) تفويضًا استثماريًّا بحجم ثلاثة مليارات دولار حتى 2030، يُوظَّف بصورة متزايدة في جولات أكبر وأقل عددًا، وقروض ديون للشركات المتوسطة (بدل الاعتماد الكلي على شراء أسهم)، ما يخلق تدفق تمويل أكثر استقرارًا وقابلية للتوقع السنوي، بدل الاعتماد على قفزات استثنائية قصيرة الأجل.

السيناريو الأخضر 🟩

السيناريو المتفائل، ويرسم صورة مبشّرة للاستثمار الجريء في السعودية. إذ تكمن فكرته الأساسية في نجاح ثلاث إلى خمس شركات سعودية كبرى «يونيكورن» في تخارجات عامة قوية عبر «تداول» خلال نافذة زمنية قريبة من 2027 إلى 2029، مع عوائد عالية للمستثمرين.

في هذا المسار، يرتفع التمويل من قمة 2025، وهي 1.66 مليار دولار، إلى ما بين 2.2 و2.6 مليار مع حلول 2028، ثم يتجاوز 3.0 إلى 3.5 مليار دولار سنويًّا مع حلول 2035، مدعومًا بصناديق جديدة وثقة المستثمرين.

نقطة الانطلاق 

مع نجاح إدراج شركات تقنية سعودية كبرى في البورصة (مثل «هيوماين AI» و«Calo» المتوقع إدراجهما بين 2027 و2029)، واستنادًا لكون إدراج الشركات حقق أرباحًا كبيرة للمستثمرين عالميًّا خلال 2020 - 2021، تُفترض قفزة قوية بنمو 15 - 20% كل سنة لمدة ثلاث سنوات، من 1.66 مليار في 2025 إلى 2.6 مليار بحلول 2028، ثم نمو في حدود 5 - 7% سنويًّا لمدة سبع سنوات، مع ثقة أكبر وصناديق جديدة، ليصل إلى 3.0 - 3.5 مليار في 2035.

ليش هذا السيناريو محتمل؟

أعلنت «Plus VC» رسميًّا أنها تخطط لإجراء أربعين صفقة في 2026، وخصصت «Wa’ed Ventures» (أرامكو) 100 مليون دولار لشركات الذكاء الاصطناعي، وتخطط «هيوماين» (PIF) للإدراج المزدوج في «تداول» وناسداك بين 2027 و2029، كما أعلنت «Calo» إدراجها في «تداول» في 2027، واستثمرت الشركة السعودية للاستثمار الجريء (SVC) في أربعة وخمسين صندوقًا للاستثمار الجريء. هذا النجاح لأكثر من حالة تخارج كبيرة قد يصنع موجة ثقة ترفع التدفقات، وهذا بالضبط هو جوهر السيناريو الأخضر.

السيناريو الأحمر 🟥

السيناريو المتشائم، و يرسم صورة أقل تمكينًا للاستثمار الجريء في السعودية. تكمن فكرته في مواجهة ضغط سيولة قوي يجعله ينكمش لمدة ثلاث إلى أربع سنوات.

نقطة الانطلاق 

في حال حدوث ركود عالمي وانخفاض أسعار النفط وارتفاع الفوائد، سينخفض الاستثمار الجريء بنسبة 50 - 70% ليصبح في حدود 500 - 800 مليون دولار بين عامي 2026 - 2028 (مثلما انخفض عالميًّا بنسبة 40%، وفي الصين بنحو 77%، وفي السعودية نفسها بنحو 44% في 2024)، مع تحسّن ونمو بطيئين جدًّا بنسبة 1 - 2% كل سنة لمدة سبع سنوات، يصل إلى 1 - 1.1 مليار في 2035.

ليش هذا السيناريو محتمل؟

إذا انخفض سعر النفط إلى 55 - 60 دولارًا للبرميل بسبب ركود عالمي كبير (مثل 2014 - 2016)، سيقل الإنفاق، وخصوصًا على المشاريع عالية المخاطر. فقد مرت «تداول» في 2025 بأسوأ سنة لها منذ عشر سنوات، ما يقلل جاذبية المستثمرين، ولذلك سيتحول رأس المال إلى مشاريع البنية التحتية.

وهذا ما حدث في الصين في 2022، حين انهارت شركة إيفرقراند -ثاني أكبر شركة تطوير عقاري من حيث المبيعات في الصين- بديون تُقدَّر بنحو 340 مليار دولار، حيث شددت الحكومة السيطرة على استثمارات رأس المال الجريء، وانخفض بنحو 77%.

(أنشأتُ هنا موقعًا على منصة «Replit»، وفيه تفاصيل أكثر للسيناريوهات والحسابات بطريقة تفاعلية).

هل تستمر الدول في ضخ الاستثمارات الجريئة إلى الأبد؟

نادرًا ما تحافظ الدول على صعود متواصل في الاستثمار الجريء خلال مراحل البناء الأولى. فالنمط المعتاد معروف؛ ارتفاعات سريعة مدفوعة بطموحات سياسات الدولة.

الصين 🇨🇳

مع بدايات الألفية، ركزت الحكومة الصينية على مساحات الابتكار الحكومية، والحوافز الضريبية، والحماس الكبير حول الإنترنت عبر الجوال، فارتفع الاستثمار الجريء من مليار دولار في 2010 إلى ثمانية وثمانين مليار دولار في 2021، وكانت نتيجة ذلك ولادة شركات صينية عملاقة مثل بايت دانس المالكة لتك توك. لكن في 2024، أدى فرض الصين تشديدات تنظيمية وارتفاع أسعار الفائدة عالميًّا إلى خفض الاستثمارات بأكثر من 70% لتكون بين عشرين وخمسة وعشرين مليار دولار سنويًّا. ما يعني انتهاء مرحلة الإعداد والتشكيل، وبدأ التحول إلى توسعٍ انتقائي أكثر انضباطًا.

المملكة المتحدة 🇬🇧

وصلت أرقام الاستثمار الجريء من نحو مليار جنيه إسترليني في 2010 إلى تسعة عشر مليارًا في 2021، عبر مبادرات الابتكار والحوافز الضريبية، ما غذّى ازدهار التقنية المالية في لندن مع شركات مثل ريفولوت. لاحقًا، أدت ضبابية الخروج من الاتحاد الأوربي وارتفاع الفائدة بين 2022 و2024 إلى انكماش يقارب 40% لينخفض التمويل إلى نحو أحد عشر مليار جنيه بحلول 2024، مع تحوّل التركيز إلى التقنيات العميقة والذكاء الاصطناعي.


فقرة حصريّة

آسفين على المقاطعة، هذه الفقرة خصصناها للمشتركين. لتقرأها وتستفيد بوصول
لا محدود للمحتوى، اشترك في ثمانية أو سجل دخولك لو كنت مشتركًا.

اشترك الآن

وأنا أتصفح الجوال على الطريق، ومع زحمة الرياض، صادفت فيديو لسام ألتمان مؤسس (OpenAI)، يتحدث فيه عن «كيف تسوي شركة». الفيديو يعود لعام 2014، ويطرح فيه خبرتهم في «Y Combinator».

ما لفت انتباهي هو قوله إن أغلب ما يتعلمه الناس وهم يبنون شركاتهم فعليًّا لا يمكن نقله كقواعد عامة، لأنه مرتبط بواقع كل شركة وتفاصيلها. لكن جزءًا منه يمكن تعليمه وتعميمه للجميع خارج التجربة، وقدَّره تقريبًا بـ30% وقال إن هذا هو هدف هذه المحاضرة؛ أن يعطيك الجزء القابل للتعميم ويترك الباقي للتجربة والعمل الحقيقي.

أحب هذا النوع من الصدق في الطرح، لذلك أتركها لكم لأنها ماتعة جدًّا.

نشرة القروش
نشرة القروش
أسبوعية، الاثنين منثمانيةثمانية

إن لم تكن قرشًا، انضمّ لنشرة القروش. نشرة تصلك صباح كلّ اثنين لتغوص بك في عالم الشركات التقنية ودهاليز الاستثمار الجريء، مع تحليلات دقيقة تساعدك في فهم تحدّيات السوق.

+40 متابع في آخر 7 أيام