هل سيهوي اعتقال مادورو بالنفط السعودي؟

هل سيهوي اعتقال مادورو بالنفط السعودي؟
في فجر السبت الأخير، وبالتحديد عند الساعة 1:01 صباحًا، وصلت قوّات خاصة أمريكية لمقر إقامة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في العاصمة كاراكاس، وكانت المروحيات الأمريكية تحلّق في المكان ذاته مستهدفةً الدفاعات الفنزويلية المحيطة بالقصر.
في عملية باهرة، وخلال أقل من نصف ساعة، خرجت القوات الأمريكية ومعها رأس النظام وزوجته. ثم في مساء اليوم ذاته، حملتهما طائرة أمريكية وهبطت بهما في نيويورك.
أشعلت هذه العملية اهتمام العالم، الذي راقب تفاصيل أحداثها ليحدّد مآلاتها عليه، وفي خضم ذلك، برز تصوّر يرى أن الاعتقال الأخير سيفتح أكبر احتياطي نفطي في العالم أمام الشهية الأمريكية، وأن مآل ذلك إغراق سوق النفط العالمي بمعروضٍ لا يحتمله، مما يعني انهيار أسعاره، ونشوء أزمة حادة للدول المنتجة للنفط مثل السعودية.
لطبيعة اختصاص النشرة، لن تنظر هذه المقالة إلى الجوانب السياسية أو القانونية من هذا الحدث، بل إلى الآثار الاقتصادية على العالم بعمومه، وعلى الاقتصاد السعودي خصوصًا؛ لتجيب عن تلك التساؤلات الاقتصادية التي برزت. ولكن، لنصل إلى الحدث الأخير، لا بد أن نعود لسياق فنزويلا.
ماذا حدث فعليًّا في فنزويلا؟
تمثل فنزويلا إحدى أكثر الحالات تطرفًا في الاقتصاد السياسي الحديث. دولة تمتلك أكبر احتياطي نفطي مُثبت عالميًا، وفي الوقت نفسه تشير تقديرات مستقلة إلى أن أكثر من 80% من سكانها يعيشون تحت خط الفقر. هذا التناقض نتج عن مسار سياسي واقتصادي طويل قاد إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتحويل إدارة الاقتصاد إلى أداة حكم.

بدأ التحول مع وصول هوغو تشافيز إلى السلطة عام 1999، حيث جرى تبنّي نموذج اشتراكي وسّع دور الدولة وربط القرار الاقتصادي بالسلطة التنفيذية. وخلال الفترة بين 2001 و2003، شهد قطاع النفط تدخلًا حكوميًّا مباشرًا وإضرابات واسعة انتهت بفصل آلاف الفنيين، ما أدى إلى فقدان جزء كبير من الخبرات التشغيلية داخل الشركة الوطنية وتحولها تدريجيًّا إلى كيان خاضع للاعتبارات السياسية.
في المرحلة الممتدة من 2004 إلى 2012، ساعدت أسعار النفط المرتفعة على تمويل الإنفاق والدعم، دون أن تُبنى مؤسسات اقتصادية قادرة على الاستدامة، ولم يُنجز أي تنويع فعلي للاقتصاد. وكان ما حدث نموذجًا مدرسيًّا لما يُعرف بـ«المرض الهولندي» (Dutch Disease)، حيث أدى تدفق الدولارات النفطية إلى تضخم العملة المحلية، ما قضى تدريجيًّا على القطاعات غير النفطية كالزراعة والصناعة. وعندما انهارت أسعار النفط، اكتشف الفنزويليون أنهم لا يملكون اقتصادًا بديلًا؛ فلا نفط مستدام، ولا زراعة كافية، مع اعتماد على استيراد نحو 80% من الغذاء، وهو ما حوّل الأزمة من اقتصادية إلى إنسانية.
وفي عام 2007، أمّم الرئيس الراحل هوغو تشافيز جزءًا كبيرًا من قطاع النفط، ما أجبر شركات كبرى مثل إكسون موبيل وكونوكو فيليبس على الخروج من البلاد. وبعد وفاة تشافيز في عام 2013، تولّى نيكولاس مادورو الحكم في ظل تراجع أسعار النفط، واستمرت السياسات نفسها من ضبط للأسعار، والسيطرة على العملة، وتقييد القطاع الخاص، ما أدى إلى تضخم كبير، ونقص في السلع، وتراجع واضح في النشاط الاقتصادي.
وبين عامي 2014 و2017، دخل الاقتصاد مرحلة انكماش حاد، حيث تراجع الناتج المحلي، وانخفض دخل الفرد، وتقلص استهلاك الطاقة، وبدأت آثار الأزمة الاجتماعية بالظهور على نطاق واسع. وفي عام 2019، فُرضت العقوبات النفطية التي عمّقت الأزمة وسرّعت وتيرتها، بعدما كان الاقتصاد يعاني أصلًا من ضعف هيكلي وفقدان للقدرة التشغيلية. ومع تراكم هذه السياسات على مدى عقدين، تحولت الثروة النفطية من نعمة اقتصادية إلى عبء ثقيل، واتّسع نطاق الفقر، وأصبح التعافي السريع خارج حدود الواقع.

يوضح الرسم البياني مسارين ينخفضان في الوقت نفسه: دخل الفرد الحقيقي واستهلاك الطاقة. هذا التزامن مهم اقتصاديًّا، لأن استهلاك الطاقة يُعد مؤشرًا مباشرًا على مستوى النشاط الإنتاجي في المصانع والنقل والخدمات. وعندما ينخفض استهلاك الطاقة، فهذا يعني تباطؤ عجلة الإنتاج أو توقفها.
في الحالة الفنزويلية، لم يكُن التراجع مجرد انخفاض في الدخل، بل انهيارًا في القدرة على الإنتاج. إذ لم يعُد الاقتصاد يولّد وظائف أو دخلًا مستقرًا، ما يفسر تحوّل الأزمة من مالية إلى معيشية، حيث أصبح العجزُ عن توفير الغذاء والدواء والخدمات نتيجةً مباشرة لانكماش الإنتاج.
لو كنت مواطنًا فنزويليًّا عشت في بلدك بين عامي 1999 - 2024 فإن الجدول التالي يوضح لك الفارق الذي حصل في مستوى معيشتك خلال هذه الفترة بالأرقام، دون تفسير أو تبرير.

هل تشكّل فنزويلا تهديدًا للسعودية في سوق النفط؟
يردّد الكثير معلومةً تقول إن لفنزويلا المركز الأول في الاحتياطات النفطية، ولكنهم لا يتنبّهون إلى الاختلافات الجذرية بين أنواع النفط المختلفة حول العالم. ولتوضيح ذلك، أقارن في الجدول التالي بين النفط السعودي والنفط الفنزويلي، بالنظر لعموم النفط المتوفر في احتياطي كل دولة.

وتوضح الصورة التالية الفرق في تكلفة الاستخراج (Extraction Cost) بين السعودية وفنزويلا، المدفوع بالأسباب المختلفة التي عرضتها.

وبعيدًا عن عامل جودة النفط ذاته، يأتي عامل آخر مهم، وهو توافر النظام المتكامل لإنتاج النفط وتصديره. فعقود من الفساد، وسوء إدارة الشركة النفطية الوطنية، وإهمال الصيانة الذي أبقى شبكة الأنابيب دون تحديث منذ 50 سنة، ومحدودية إعادة الاستثمار في القطاع، وانقطاعات الكهرباء المستمرة، والعقوبات المتتالية، جعلت الإنتاج النفطي مكبّلًا، بعيدًا عن انخفاض قيمة النفط ذاته للأسباب في الجدول السابق.
ويؤكد ذلك الرسم التالي، الذي يوضّح تضاؤل عدد حفّارات النفط في فنزويلا بمرور الوقت، وكيف يضمحلّ الإنتاج الفنزويلي مع هذا التضاؤل. انعدام الحفارات ما بعد كورونا يعني أن الإنتاج الحالي (وهو قليل) يعتمد على آبار محفورة سابقًا، وهي بدورها تتضائل قدرتها الإنتاجية بمرور الوقت، ولذا تحتاج الدولة لاستثمار وحفر مستمر لتعويض ذلك التناقص الطبيعي.

بسبب كل ذلك، فإن الدولة ذات الاحتياطي الأكبر في العالم اليوم، لا تنتج أكثر من 1% من الإنتاج العالمي. وحتى في ديسمبر 1997، عندما كانت في ذروة إنتاجها التاريخي، لم يتجاوز الإنتاج آنذاك أكثر من 3.5% من الإنتاج العالمي اليوم.
ولهذا، في سوق النفط، يُقاس التأثير بالقدرة على الإنتاج الموثوق وبصورة مجدية اقتصاديًّا، وليس بحجم الاحتياطي المُعلن وحسب.
فالسعودية لم تتبوأ مركزها في سوق النفط العالمي بفضل جدوى نفطها الاقتصادية ونظامها المتكامل لإنتاج النفط وتصديره وحسب، بل أيضًا بالموثوقية والالتزام أمام المستوردين بالبيع مهما كانت الظروف.
وليس أوضح دليل على الموثوقية السعودية النفطية من استمرار السعودية بالتصدير، وبالحصص الموعودة ذاتها بعد الاعتداءات على منشآت النفط السعودية في 2019، التي عطّلت نصف القدرات الإنتاجية السعودية، وذلك بفضل استخدام الاحتياطيات والمخازن الاستراتيجية.
ولهذا، حتى وإن تجاوزنا الجدوى الاقتصادية للنفط، وتوافر النظام المتكامل للإنتاج والتصدير، فالموثوقية والاستمرارية التي تتطلب استقرارًا أمنيًّا واستثمارًا بعيد الأمد تمثّل، بحد ذاتها، عائقًا أمام فنزويلا لتصبح منتجًا مؤثرًا بسوق النفط العالمية.
معضلة توفير الاستثمارات النفطية
بسبب مختلف المشاكل والتحديات التي تواجهها فنزويلا، يشير فرانسيسكو مونالدي، مدير برنامج الطاقة في أميركا اللاتينية بجامعة رايس، إلى أن رفع إنتاجها من نحو مليون برميل يوميًّا إلى أربعة ملايين برميل قد يتطلب قرابة عشر سنوات واستثمارات تقارب 100 مليار دولار.

وبعيدًا عن أن هذا المبلغ قريب من الناتج المحلي لفنزويلا كاملًا، إلا أن قطاع النفط يعاني من شح في الاستثمارات حول العالم، ويؤكد ذلك تقرير من وكالة الطاقة الدولية، يشير إلى أن 90% من استثمارات العالم في الإنتاج النفطي من 2019 كانت فقط لتعويض التضاؤل الطبيعي في القدرات الإنتاجية، وفقط 10% خُصصت لإنتاج معروض جديد، وذلك رغم تنامي الطلب على النفط خلال الفترة نفسها. وقد حذّر وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان مرارًا من هذه الأزمة التي يواجهها العالم. وغنيّ عن القول أن العالم إذا كان يعاني من ضَعف في الاستثمارات، فإن قدرة دولة ضعيفة في استقرارها الأمني والسياسي على جذب الاستثمارات ستكون أصعب، لا سيّما مع وجود بدائل استثمارية أكثر استقرارًا مثل غويانا. وما تتأخر به فنزويلا أيضًا على غويانا هو أن نفط حزام أورينوكو (الذي تستخرج فنزويلا نفطها منه) ضمن الأعلى عالميًّا من حيث الانبعاثات الكربونية، وهذا يجعل البنوك الغربية أكثر تحفظًا في تمويله.
ليست التجربة الأولى
في 2022، وبسبب تجاوز سعر النفط آنذاك 115$ للبرميل، حاولت أمريكا استغلال الاحتياطي الفنزويلي الضخم، عبر تسهيل إنتاجها للنفط، وهو ما سيرفع المعروض العالمي، ومن ثَمَّ سيقلل من الأسعار. ولهذا، منحت الإدارة الأمريكية آنذاك الشركة النفطية الضخمة شيفرون رخصة العمل في فنزويلا.
ولكن، رغم التسهيلات، وبسبب الأسباب المختلفة المعروضة في المقالة، لم تتمكن فنزويلا من تغذية سوق النفط العالمي بالإنتاج المطلوب. ولن تبعد التجربة الثانية، القائمة حاليًّا، عن نتائج التجربة الأولى.
هل سيتغيّر مركز السعودية النفطي؟
في ظل مختلف التعقيدات التي تجعل تعافي إنتاج النفط في فنزويلا مسارًا طويل الأجل ومكلفًا، فإن تأثير أي زيادة محتملة في إنتاجها للنفط يجب قراءته ضمن الصورة الأوسع لسوق الطاقة العالمي، فوفق تقديرات أوبك، يسير نمو الطلب العالمي على النفط بوتيرة أعلى من أي زيادات متوقعة من فنزويلا، مع توقعات بتجاوز مستوى 110 ملايين برميل يوميًّا خلال العقد القادم. وهذا يعني أن السوق، حتى في حال تحسن الإنتاج الفنزويلي، سيبقى بحاجة إلى إمدادات إضافية، وأن الفجوة بين العرض والطلب ستظل قائمة.
بناءً على ذلك، فإن أي زيادة محتملة في إنتاج فنزويلا، حتى لو تحققت، لن تكون كافية لتغيير موازين السوق أو خلق فائض مؤثر. ويظل تأثيرها في السعودية محدودًا، سواء من ناحية الحصص أو الأسعار، لا سيما في المدى القريب. فالسعودية تبقى في موقع قوة بفضل امتلاكها إنتاجًا مستقرًا، وطاقة فائضة، وقدرة عالية على ضبط إيقاع السوق، في حين يظل تعافي فنزويلا تدريجيًّا ولا يغير قواعد اللعبة النفطية القائمة.
ختامًا، الفرق الجوهري بين الرياض وكراكاس ليس في حجم الاحتياطي، بل في وجود شركة وطنية تعمل وفق معايير تجارية عالمية ومفصولة عن التقلبات السياسية، مقابل شركة تحولت إلى ذراع سياسي ففقدت وظيفتها الأساسية.
النفط تحت الأرض لا قيمة له دون إدارة حكيمة فوق الأرض.

نشرة شهرية من أحمد الجبرين، تشرح لك ما وراء الأخبار الاقتصادية. تبسِّط الأرقام، وتسلِّط الضوء على الفرص. كيف بدأت؟ وماذا تحقق؟ وإلى أي مدى سيمتد أثرها؟ بلغة واضحة، ومن زاوية تمسّ حياتك اليومية.