هل ممكن تخلص الألحان

نطرب عند سماع بعض الأغاني ونحزن عند غيرها، والسبب غالبًا ليس الكلمات، بل اللحن؛ فهو يؤثر فينا أكثر مما نتصور.

في سياق من ثمانية

يتفق معظمنا على أن لحن «الأماكن» يثير فينا شعورًا حزينًا عند الاستماع له، بينما نصنّف ألحانًا أخرى، كالعرضة، أنها مُبهجة وحيَّة.

ولكن، من أين أتت هذه التصنيفات، إذا سلمنا بأن جميع الأغاني الحزينة والمبهجة، الشاعرية والصاخبة، تشترك في استنادها على لحن، وأن اللحن بجميع أنواعه هو محصَّلة عدد من النغمات والأصوات، حُدِّدت منذ مئات السنين؟ فكيف لشيء مجرد وعام كهذا أن يثير فينا شعورًا دقيقًا وخاصًّا؟ وطالما أن عدد النغمات محدود، فلماذا لم تنته الألحان الجديدة؟

للإجابة عن هذه الأسئلة كان عليّ أن أعود خطوة إلى الوراء لفهم منطق الموسيقا وأساسها العلمي، عبر تحليل لحن العرضة السعودية، ومقارنته بلحن أغنية «الأماكن».

وهنا تكمن متعة هذه السياقة في فهم الرياضيات التي بُنيت عليها قواعد الموسيقا، وهي حتمًا الرياضيات الوحيدة التي نتفق على حبها!

فاللحن يخرج لنا بعد أن يمر بثلاث مراحل:

في المرحلة الأولى: نختار النغمات؛ فكل صوت نسمعه عبارة عن موجة ترددات تتحرَّك في الهواء. وفي الموسيقا، فإن هذه الأصوات هي نغمات رُتبت في سلم موسيقي وفقًا لتردد كل نغمة منها ومضاعفاتها، وهذه هي النغمات الأساسية المشتركة بين جميع الألحان.

ثم نأتي للمرحلة الثانية: ونحدد فيها المسافة بين كل نغمتين في اللحن، وهنا يظهر نوع آخر من النغمات، تَقلُّ أو تزيد عن النغمة الأساسية بمقدار النصف أو الربع، ولها تردداتها الخاصة التي تمنحنا درجات صوتية أدق بين النغمات، وهي ما يُعرف بالنغمات الفرعية، التي أبدعت الموسيقا العربية في استخدامها وتوظيفها.

وبسبب هذه النغمات ودقتها الشديدة لم تنتهِ الألحان الجديدة؛ لوجود خيارات مهولة لترتيب النغمات بنوعيها، ولضبط زمن عزفها وهو ما يحدده الإيقاع داخل الألحان فور وصولنا للمرحلة الثالثة.

كل عامل من هذه العوامل الثلاث، يؤثر في اللحن وسماعنا له، وقد يكفي عامل واحد منهم لتغيير اللحن جذريًّا. فاختلاف المسافات بين لحنين مثلًا، قد يفسِّر الطابع الحزين لبعض الأغاني كـ«الأماكن».

أكثر ما أدهشني خلال الرحلة الطويلة التي خضتها لإنتاج هذه الحلقة، الذائقة الموسيقية العالية لدى أجدادنا، وإدراكهم هذه التفاصيل والقواعد الدقيقة في فنونهم الطربية، الذي ترك لنا موروثًا غنيًّا ومكتبة ضخمة عامرة بألوان وأنغام وإيقاعات فريدةً بشعورها الخاص.

سياق
سياق
منثمانيةثمانية

نتقاطع مع كثير من المفاهيم والظواهر يوميًّا؛ فتولّد أسئلة تحتاج إلى إجابة، وفي «سياق»، نضع هذه الأسئلة في سياقها الصحيح.