كيف تلعب الكرات الثابتة في الدوري السعودي
تحليل طريقة لعب الكرات الثابتة في الدوري السعودي وتطورها على مدار تاريخ الدوري وكيف تستفيد منها الفرق هذا الموسم


.png)
كيف تلعب الكرات الثابتة في الدوري السعودي
محمد البريكي
تشهد الكرات الثابتة تطوّرًا ملحوظًا في أنظمة اللعب الحديثة، حيث أصبحت عنصرًا استراتيجيًّا محوريًّا في كرة القدم الآن. وخلال المواسم الخمسة الأخيرة، شهدت الكثير من البطولات على مستوى العالم اعتمادًا متزايدًا عليها، وتطوّرت بالتبعية أنظمتها وطرق تنفيذها.
فكيف تطوّرت الكرات الثابتة في الدوري السعودي خلال المواسم الأخيرة؟
الكرات الثابتة في الدوريات الكبرى
بطبيعة الحال، عندما نحاول قياس أمرٍ ما في كرة القدم الحديثة يجب أن تُؤخَذ الدوريات الكبرى بالحسبان. فهذه البطولات تحظى بزخمٍ كبيرٍ من جميع النواحي الفنية نظرًا لحجم الإنفاق على اللاعبين والمدربين على حد سواء.
وعندما ننظر إلى مقاييس نسبة الأهداف من كرات ثابتة في الدوريات الكبرى خلال المواسم الخمسة السابقة، سنجد اتجاهًا عامًا متصاعدًا بعد أن أدركت الأندية أهمية التطوّر في هذه الكرات وضرورة التعامل معها أيضًا.

يوضِّح الرسم البياني أعلاه بأنه بدايةً من موسم 2021 /2022 بدأت الطفرة الكبيرة في اهتمام الأندية الأوربية في الدوريات الكبرى بالكرات الثابتة، عبر تعيين مدربين متخصصين بهذه الكرات. وأول من بدأ هذه الثورة هو نادي برينتفورد الإنقليزي عندما عيَّن الإيطالي جياني فيو مدربًا للكرات الثابتة في 2015 عندما لعب الفريق في دوري الدرجة الأولى الإنقليزية (Championship).

لم يكن جياني فيو أول المدربين اهتمامًا بهذه الكرات. فقد اعتمدت الأندية قبله على وجود مدربين مساعدين للمدرب الأساسي، ومن ضمن مهامهم تدريب الفريق على الكرات الثابتة. ولكن هذا الأمر ليس سوى مجرد دقائق بسيطة في حصص تدريبية محددة ولم تكن أمرًا اعتياديًا، إذ أن المسمى الوظيفي لهؤلاء المدربين «مدرب فني» (Technical Coach). ولكن برينتفورد عيّن جياني فيو بمسمى «مدرب كرات ثابتة» (Set-piece Coach).
وربما من غير الصحيح تاريخيًا أن نقول بإن جياني فيو هو أول من حمل هذا المسمى على مستوى كرة القدم. قبله بعامٍ تقريبًا حمل أوستن ماكافي هذا المسمى، ولكن جاء ذلك بجانب مهامه كمساعد أول لمدرب منتخب إيرلندا الشمالية. علاوةً على أن وجود جياني فيو كمتخصص في نادٍ يلعب بدوري الدرجة الأولى الإنقليزي، ومع تحقيق الفريق لنتائج واضحة من الكرات الثابتة، جعل اسمه يبرز بصورةٍ أكبر.

أطروحة جياني فيو التي جاءت لنيل شهادة (UEFA Pro) هي ما ميّزت عمله، فقد أنهاها في عام 2004 تحت عنوان «الكرات الثابتة: المهاجم صاحب الـ15 هدفًا». تحدث فيها عن أهمية الكرات الثابتة في كرة القدم وقدرتها على أن تكون بمنزلة المهاجم الإضافي، ثم نشره لاحقًا لكتاب بعنوان (Più 30 Per Cento) أو «الـ30% الإضافية» -في إشارة للنسبة الإضافية التي يُمكن أن تقدمها الكرات الثابتة- وذلك بالمشاركة مع عالم النفس الرياضي أليساندرو تيتامانزي. وقد خلص الإثنان إلى أن 90% من الكرات الثابتة تعتمد على الجانب النفسي «الخداع والتشويش والحركات المختلطة».
وعندما ننظر بشكلٍ أكثر تفصيلًا على أهمية الكرات الثابتة في الدوريات الكبرى خلال السنوات الخمس الأخيرة سنجد أن الدوري الإنقليزي يحظى بالنسب الأعلى في الاستفادة من هذه الكرات. وذلك بالتأكيد نظرًا لحجم الصرف الذي تحظى به فرقه، وقدرتها على تعيين متخصصين ذوي قيمة عالية في هذه الكرات.
.png)
وبالحديث عن الدوري الإنقليزي، يشهد الموسم الحالي ارتفاعًا غير مسبوق في نسب الأهداف من الكرات الثابتة، حيث سجلت الفرق 80 هدفًا من كرات ثابتة حتى الجولة 11، من إجمالي 301 هدف بنسبة 26.58%.
.png)
يمكننا -من خلال الرسم أعلاه- ملاحظة هذا الارتفاع غير المسبوق. ومع عودة رميات التماس الطويلة مجدّدًا بعد غياب طويل، بات لدى الفرق سلاح «جديد/قديم» يجري استخدامه.
.png)
تاريخ الكرات الثابتة في الدوري السعودي
بالنظر إلى ضعف البيانات الدقيقة المتعلقة بالدوري السعودي قبل عام 2019 -تاريخ بداية الشراكة المتكاملة بين رابطة الدوري وشركة (Opta) المتخصصة بالبيانات والإحصائيات الرياضية- عدنا لمشاهدة بعض المباريات التاريخية خلال أول عقدين من الألفية الجديدة (2000-2020).
ما استنتجناه خلال تلك المباريات بأن تنفيذ الكرات الثابتة في العقد الأول (2000-2010) كان بدائيًا لدرجةٍ كبيرة -وهو أمر طبيعي حتى بالنظر لبقية البطولات حول العالم- إذ لم يعتمد التنفيذ على استراتيجيات واضحة تُكرَّر باستمرار للكرات الثابتة، بل غالبًا ما يستهدف التنفيذ الكرات المقوّسة نحو المرمى على أمل أن يُخطئ حارس المرمى في الخروج إليها، أو أن يلمسها أحد اللاعبين ويسجلها، أو حتى أن تدخل مباشرةً إلى المرمى.
في العقد الثاني من الألفية (2010-2020) يمكن لمس بعض التطوّر في تنفيذ الكرات الثابتة مع دخول مدربين بمستوى أعلى، مثل: البلجيكي إيريك قيريتس مدرب الهلال، ومواطنه ميشيل برودوم مدرب الشباب، والكرواتي زلاتكو دالتش مع الفيصلي، والسويسري كريستيان قروس مدرب الأهلي، وروي فيتوريا مدرب النصر وغيرهم.
خلال ذلك العقد ظهرت محاولات واضحة لتصميم تحركات منسقة في الكرات الثابتة. ولعلَّ أكثر من برز من اللاعبين في تنفيذ الكرات الثابتة كان البرازيلي كاماتشو الذي لعب لأندية الهلال والشباب والأهلي، ومواطنيه إلتون جوزيه لاعب النصر وتياقو نيفيز لاعب الهلال (شاهد بعض الأهداف المسجلة من كرات ركنية في الفترة 2000 وحتى 2020)
ومع بداية العقد الثالث من الألفية (2020 - حتى الآن) شهدت الكرات الثابتة في الدوري السعودي نقاط تحوّل كبيرة مع استمرار دخول المدربين ذوي المستوى العالي، ومن ثم دخول التوجه الحكومي للاستثمار في الدوري بصورةٍ أكبر.
هذا التوجّه جعل الدوري يزخر بالعديد من المدربين أصحاب الكفاءة الأوربية العالية، مثل: خورخي خيسوس، وماتياس يايسله، ورودي قارسيا، ونونو إسبريتو سانتو وغيرهم، وصولًا لفيليبو إنزاقي هذا الموسم.
وظهرت روتينات أكثر تعقيدًا لتنفيذ الكرات الثابتة. فهذا العقد مثَّل الثورة، وبدلًا من التنفيذ المباشر الذي كان السمة الطاغية على أول عقدين، ظهر التركيز على الكرات الثابتة متعددة المراحل.
تطوُّر الكرات الثابتة في الدوري السعودي في السنوات الخمس الأخيرة
شهدت الكرات الثابتة في الدوري السعودي تطوّرًا ملحوظًَا خلال المواسم الخمسة السابقة، حيث ارتفعت نسبة الأهداف من خلالها إلى أكثر من 31% في الموسمين الماضيين، مع وضوح ارتفاع عدد الأهداف عبرها من 195 إلى 286 وذلك بالتأكيد بالنظر إلى زيادة عدد الفرق من 16 إلى 18.
ولو تحدثنا بشكلٍ أكثر تفصيلًا عن الكرات الثابتة في الدوري السعودي، سنجد أن النسبة الأكبر من هذه الأهداف تأتي من الضربات الركنية وركلات الجزاء، ثم الركلات الحرة غير المباشرة، ثم الركلات الحرة المباشرة، وأخيرًا رميات التماس.
.png)
ربما من المثير للاهتمام عند رؤية هذا الرسم أن هنالك نسبة كبيرة من الأهداف تُسجّل عبر ركلات الجزاء. ومن السهل ملاحظة ارتفاع الأهداف المسجلة من ركلات الجزاء في موسم 2023 / 2024 مع ارتفاع عدد الأندية وارتفاع الجودة الهجومية للفرق كذلك مع دخول الصفقات الجديدة بعد الاستثمار.
لذلك، سنحاول استثناء ركلات الجزاء من حديثنا الآن، ونركّز على تطور آليات تنفيذ الركلات الركنية والركلات الحرة.
الكرات الركنية في الدوري السعودي
بشكل عام، ينقسم تنفيذ الكرات الركنية إلى ثلاثة أقسام:
التنفيذ للداخل (In-Swinging)
التنفيذ للخارج (Out-Swinging)
الركنيات القصيرة (Short Corners)


وعند النظر إلى طريقة تنفيذ الكرات الركنية في الدوري السعودي خلال المواسم السابقة والموسم الحالي سنجد اعتمادًا كبيرًا على تنفيذها للداخل (In-Swinging) باتجاه المرمى، مع تحركات مختلفة للاعبين تسمح لأفضل لاعب منهم في الكرات الرأسية بالارتقاء والتسجيل.

وبإمكانك من خلال الرسم البياني وبكل بسهولة مشاهدة ارتفاع نسبة الاعتماد على تنفيذ الكرات للداخل بشكلٍ متزايد، مقابل انخفاض واضح لتنفيذها نحو الخارج؛ مع ارتفاع أيضًا في تنفيذ الركنيات القصيرة التي تعتمد على التمرير لتحريك دفاع الخصم ومن ثم لعب الكرة العرضية.
هدف الهلال الأول في مرمى الاتحاد كان نموذجًا لتنفيذ الكرات الركنية للداخل. فقد نفّذ روبن نيفيز الكرة بكل قوة نحو المرمى، وأجبر لاعب الاتحاد على الخطأ وتسجيل الكرة في مرماه؛ مع تركيز الهلال على وضع أكبر عدد ممكن من اللاعبين على القائم القريب «لمشاهدة اللقطة كاملة».
.png)
في حين أن هدف النصر على الخلود كان مثالًا جيدًا للتنفيذ نحو الخارج. فقد نفّذ بروزوفتش الكرة نحو الخارج مستهدفًا إنيقو مارتينيز الذي جاء من الخلف مندفعًا في المساحة التي خُلِقت في الأصل من تثبيت ثلاثة لاعبين من النصر لأربعة من لاعبي الخلود «لمشاهدة اللقطة كاملة».

في المقابل، هدف الخليج الأول أمام الاتحاد مثال لتنفيذ الكرات الركنية القصيرة، حيث مرّر اليوناني فورتونيس لماجد كنبه، الذي مررها بدوره لبيدرو ريبوتشو، والذي مررها بلمسة واحدة نحو فورتونيس مجددًا، حيث تحرك خلف لاعب الاتحاد بدون أن ينتبه له «شاهد اللقطة كاملة».
.png)
توضّح النماذج الثلاثة السابقة تطوُّر تنفيذ الكرات الركنية في الموسم الحالي، حيث بات هناك كثير من التحركات المدمجة التي تحاول الأندية تنفيذها للاستفادة قدر المستطاع من الكرات الركنية.
على الجانب الآخر، يوضّح الرسم البياني الآتي مناطق تركيز لعب الكرات الركنية. إذ نشاهد تركيزًا واضحًا على منطقة الجزاء والستة ياردة يليها القائم البعيد ثم القائم القريب.

تعتمد معظم الفرق دفاعيًّا على دفاع المنطقة، وهو النظام الأكثر فاعلية من الناحية الدفاعية؛ يليه النظام الهجين ثم نظام رجل لرجل.

أوضحت بيانات الموسم الماضي على سبيل المثال، أن معدل الأهداف المستقبلة للفرق التي تعتمد على دفاع المنطقة لم يجتز (0.85 هدف)، في حين أن الفرق التي تعتمد على النظام الهجين لم يجتز معدل الأهداف ضدها (0.95 هدف). في المقابل سجل في الفرق المعتمدة على الرقابة رجل لرجل (1.12 هدف) وهو المعدل الأعلى.

الركلات الحرة في الدوري
لو تتبعنا مسار تطور الركلات الحرة في الدوري السعودي خلال آخر خمسة مواسم، سنجد ارتفاعًا ملحوظًا للأهداف من الركلات الحرة غير المباشرة والتي تشكّل أكثر من 77% من إجمالي الأهداف المسجلة من الركلات الحرة.

تحتاج الركلات الحرة المباشرة إلى منفّذٍ يمتاز بالدقة وقوة التسديد. وعلى مر تاريخ الدوري السعودي برزت العديد من الأسماء في تنفيذ هذه الكرات المباشرة، مثل: محمد الشلهوب، وخالد قهوجي، وياسر القحطاني، وخوليو سيزار، ومارسيلو كاماتشو، وحسن الطير، وتياقو نيفيز، وإلتون جوزيه الذي يمتلك الرقم القياسي في تسجيل الأهداف من الكرات الثابتة المباشرة بـ21 هدفًا، يليه عمر السومة الذي سجل 15 هدفًا منها.
وبشكلٍ عام، غالبًا ما تكون الفرق أكثر حذرًا في ارتكاب الأخطاء في المنطقة القريبة من المرمى مباشرة، لذلك تحظى الركلات الحرة غير المباشرة باهتمام مقارب للكرات الركنية من ناحية التنظيم ومحاولة إنشاء أنماط معقدة في التحرك، لتساعد على تنفيذٍ أكثر دقة يسهم في تحسين فرصهم في التسجيل.
هدف الهلال الرابع في مرمى الاتفاق مثال على أنماط التحرك في الركلات الحرة، حيث أرسل نيفيز كرةً مقوسةً نحو منطقة الجزاء مع تحرك خمسة لاعبين يمتازون في الكرات الرأسية باندفاع نحو المرمى: ليوناردو، سافتش، نونيز، كوليبالي، تمبكتي.
ثم مرّر نونيز الكرة برأسه نحو ليوناردو وسافتش ولاحظ عدم وجود أي ضغط على الثنائي، مع تحرك تمبكتي في الزاوية البعيدة في حال تجاوزت الكرة نونيز أو كوليبالي.

التعاون هو أكثر الأندية استفادةً من هذه الركلات حتى الآن. وربما الهدف الخامس الذي سجله أمام الفتح يوضح قدرته على خلق أنماط تحرك مركّبة، حيث مرّر مندش كرةً قصيرةً لفولقيني الذي تحرك بدوره بالكرة بضع خطوات لجذب لاعبي الفتح ،ولاحظ أيضًا وجود لاعب في الزاوية البعيدة.
مع تقدم فولقيني بالكرة قليلًا، تحرك الكويكبي بشكل جيد خلف مدافعي الفتح ليتلقى العرضية المنخفضة من الفرنسي ويسجل هدفًا «لمشاهدة اللقطة كاملة».

سجلت فرق الدوري حتى الآن 11 هدفًا من الركلات الحرة غير المباشرة، 72% من هذه الركلات جاءت عبر أنماط تحرك اعتمدت على أكثر من تمريرة واحدة ساعدت الفرق على التسجيل.
الخلاصة
ينضم الدوري السعودي منذ نحو موسمين إلى العديد من الدوريات الأوربية التي اهتمت كثيرًا بالكرات الثابتة، إذ أوضحت البيانات هذا التوجه بشكلٍ كبير.
وبالرغم من أنه حتى هذه اللحظة لا يوجد الكثير من المدربين المتخصصين في الكرات الثابتة في الدوري؛ فإن المدربين والطواقم الفنية يولون اهتمامًا كبيرًا بهذه الكرات، من خلال تخصيص حصص تدريبية لها لتطبيق الأنماط وتنسيق التحركات، وربما أيضًا تخصيص أحد المساعدين للإشراف عليها بشكلٍ كامل.
قد يكون أبرز اسم متخصص بالكرات الثابتة في الدوري السعودي هو الإيطالي فيروتشو تشيرازارو الذي انضم مع سيموني إنزاقي إلى الهلال. ولا دليل أوضح على تأثير فيروتشو من كون الهلال أعلى فرق الدوري تسجيلًا للأهداف من الكرات الثابتة بستة أهداف -دون احتساب ركلات الجزاء- إضافةً لكونه الأعلى في الأهداف المتوقعة من خلالها (5.1 هدف)
تحدث كريستوف قالتييه مدرب نيوم أيضًا عن وجود مدرب متخصص بالكرات الثابتة ضمن طاقمه التدريبي.
في النهاية، الاهتمام المتزايد بالكرات الثابتة قد يجعلنا نرى عددًا أكبر من الفرق في الدوري تبحث عن التحسّن وتعيين مدربين متخصصين بها، كنتيجةٍ طبيعية للتطوّر العام الذي يطرأ على الدوري ككل.

نشرة أسبوعية تجيب عن الأسئلة الكروية بلغة الأرقام والإحصاءات، وتناقش قضايا تتجاوز أحداث الجولة، وتغوص في تفاصيل الفرق والمدربين. سؤال واحد في كل عدد، وإجابات تكشف الصورة الكاملة.