نهاية العولمة

كيف أصبحنا في «قرية واحدة» تجمعنا من كل أنحاء العالم؟

بمناسبة قرب كل شيء من ضغطة إصبعك، هل فكرت كيف وصلنا لهذه المرحلة؟
وكيف أصبحنا في «قرية واحدة» تجمعنا من كل أنحاء العالم؟

خلّيني أقول لك عن شيء ممكن سمعته من قبل: مفهوم «العولمة»، يشرح لك كيفية تطوّر العالم بشكل غير مسبوق خلال آخر خمسين سنة، وكيف وصل الانفتاح الثقافي والتجاري إلى مرحلة ما قد شفناها من قبل.

وهنا نجي نسأل السؤال الكبير: هل «العولمة» صحية في علاقتنا بالعالم؟ وهل هي فعلًا جعلت العالم أكثر سلامًا من الحروب؟

في هذه الحلقة، مع هادي فقيهي ومحمد آل جابر، قرّرنا نناقش هذا الموضوع المختلف عن طبيعة حلقاتنا الاقتصادية، ونغوص في فكرة العولمة وكواليسها، والتحديات اللي تواجهها حول العالم.

حلقة تاخذك للصورة الكبيرة، كيف العالم يتعامل مع بعضه في زمن العولمة.


إذا أخذنا خطوة للوراء، ونظرنا إلى الأرقام، سنجد أن الفجوة بين الاقتصادات المتقدمة والنامية كانت شاسعة في عام 1980، لكن وبحلول عام 2000، بدأ التغيير يظهر تدريجيًّا.

فالصين مثلًا، التي كانت على بداية مسار الانفتاح، بدأت في إعادة تشكيل اقتصادها، بينما الدول ذات الدخل المتوسّط حقّقت نمّوًا بطيئًا نسبيًّا.

أما اليوم، فهناك تحول كبير: الاقتصادات النامية لم تعد على الهامش، بل بدأت تحقّق قفزات نوعية في مستويات الدخل، وأبرز الأمثلة على ذلك الصين والهند، اللتان شهدتا تحسنًا ملحوظًا في مستويات المعيشة، وانخفاضًا في معدلات الفقر.

الزبدة 🧈


إذا نظرنا إلى مسار الأرقام، سنجد أن العولمة لم تكن خيارًا مطروحًا بقدر ما كانت نتيجة طبيعية لعالم يبحث عن الكفاءة والنمو؛ فالدول التي انخرطت في التجارة العالمية وفتحت أسواقها، هي التي شهدت التحسّن الأكبر في مستويات المعيشة، بينما الدول التي حاولت الانغلاق واجهت تحديات اقتصادية كبيرة، رغم وجود محاولات اليوم من بعض الدول لعكس هذا الاتجاه.


فاصل ⏸️

«برق» محفظة تقنيّة ماليّة💸

الخدمات، البطاقات، والمنتجات ما عليها أي رسوم.

والكاش باك، على الحوالات الدولية وتحويل رواتب العمالة، وبطاقة فيزا ومدى!

محفظة .. تعطيك ما تأخذ منك!


كيف شكّلت العولمة حياتنا؟

منذ فجر التاريخ، كان جلُّ ما يتنقل لأجله الإنسان هو البحث عن الطعام والمأوى، لكن ما بدأه من حركةٍ بسيطةٍ لصيد الفرائس، تطوّر إلى شبكات تجارية عملاقة، وإمبراطوريات مترامية الأطراف، وعالم متّصل تقوده التكنولوجيا. فمن جدران الكهوف إلى أعمدة الإنترنت، كانت العولمة هي المحرّك الأساسي لكل تطور شهدته البشرية.

حجر أساس العولمة 🧱

في العصور القديمة، وضعت الحضارات، مثل مصر والصين واليونان، حجر الأساس للعولمة من خلال التجارة والكتابة وبناءِ المدن الكبرى. ثم جاء الرومان ووسّعوا هذا المفهوم من خلال شبكة طرق تربط قارّتين، وأسواق تعجّ بالبضائع القادمة من أقصى الشرق. كانت هذه الطرق أشبه بالشرايين التي تنقل الدماء إلى قلب العالم، مما جعل التبادل الثقافي والاقتصادي أمرًا لا مفرّ منه.

لكن، كيف انعكست هذه الرحلة الطويلة على حياتنا اليوم؟ ببساطة، العولمة هي التي جعلت هاتفك الذكي ممكنًا، وأتاحت لك شراء منتجات من أمازون خلال دقائق، وجعلت اللغات والثقافات تتلاقى في تطبيق مثل نتفلكس، أو حتى في مقهًى محلي، حيث تجد القهوة الإثيوبية تُقدَّم بلمسة إيطالية في شارع سعودي.

اقتصاديًّا، لم تعد الشركات محدودةً بحدود دولها؛ العلامات التجارية الكبرى تُصمَّم في أمريكا، وتُصنَّع في الصين، وتُستخدم في كل مكان.

والوظائف لم تعد محصورة في المكاتب، بل أصبحت عن بُعد، والفرص باتت عالمية أكثر من أي وقت مضى. أما في الجانب الاجتماعي، فقد تحوّلت منصات التواصل إلى ساحة تجمعُ آراءً من مختلف الثقافات، مما أدى إلى تغيير نظرتنا إلى العالم، وإعادة تشكيل هويتنا بطرقٍ لم تكن ممكنة في السابق، وظهور مصطلح «المواطنة العالمية» ليشرح هذه الظاهرة.



🏞️ الجانب المظلم من «العالم قرية واحدة»


كانت العولمة، ولا تزال، إحدى أعظم التحوّلات التي شهدها العالم، فقد خلقت فرصًا اقتصادية غير مسبوقة، وسهّلت التواصل بين الأمم، من أصغر قرية في جنوب السعودية إلى الجنوب الغربي من كوريا الجنوبية، ودفعت عجلة التقدّم التكنولوجي إلى مستويات غير معهودة.

لكن، وكأي تحول كبير، جاءت العولمة بتحديات لا يمكن تجاهلها. كما يقول خورخي هاين في كتابه (The Dark Side of Globalization)، في عبارته «العولمة محرك اقتصادي عظيم، لكنه لا يخلو من تبايناتٍ بين السطور».

في هذا السياق، سنناقش وجهيّ العولمة: جانبها المضيء الذي حمل الازدهار، وجانبها المظلم الذي كشف عن تناقضاتها، لنبقى على الحياد كما ندّعي دائمًا. 👀

العلاقة غير المتكافئة ≠

يتجلّى التفاوت الاقتصادي بوضوح بين الدول الغنية والنامية، وهو نتيجة حتمية للعولمة. فمن جهة، تمكّنت بعض الدول النامية مثل الصين والهند، من تحقيق قفزات اقتصادية كبيرة، حيث انتُشل أكثر من 800 مليون شخص من الفقر خلال العقود الثلاثة الماضية، بفضل انفتاح أسواقها واندماجها في التجارة العالمية.

لكن، في المقابل، لا تزال الدول الغنية تمتلك أذرعة التحكّم بالنظام الاقتصادي العالمي الذي قد صمّمته، وفتحت بابًا كبيرًا من الآليات المالية غير المتوازنة، تُسهل تدفق الثروات من الدول الفقيرة إلى الاقتصادات الكبرى، وتجلّت بحلول عام 2010؛ فكل دولارٍ يُمنح مساعدةً للدول الفقيرة، يعود 10 دولارات بطرق غير مشروعة إلى الدول الكبرى.

الكل يحب سلاسل أفلام مارفل ! 🎥 

ساعد التطور التكنولوجي، الذي أتاحته العولمة، على تحسين الحياة بطرق عديدة، من الطب إلى التعليم إلى التجارة الإلكترونية. فاليوم، أكثر من 60% من سكان العالم متصلون بالإنترنت، مما جعل المعرفة متاحة أكثر من أي وقت مضى.

لكن هذا الكلام الجميل يحمل في طيّاته قصة؛ فالشركات المسيطرة على أكثر من 90% من الإنتاج الإعلامي العالمي معدودة، مما أدى إلى انتشار سرديةٍ موحّدة للعالم على حساب التنوع الثقافي، فأصبح الكل، بقدرة قادر، محبًّا لسلاسل أفلام مارفل أو لمسلسل «Friends»!.

عندما يكون المحتوى، الذي يستهلكه مليارات البشر يوميًّا، قابعًا تحت سيطرة خوارزميات تابعة لعدد محدود من الشركات، فإن التحكم في الأفكار والمفاهيم يصبح أداةً فعالة لسردية معينة بيد القلة.

معضلة التشبيك 🕸️

تضاعف حجم التجارة العالمية أكثر من 20 مرة منذ منتصف القرن العشرين، ومع ذلك، فإن غياب الضوابط أدى إلى أزمات مالية كبرى، مثل أزمة 2008، التي خسرت فيها الأسواق المالية 12.8 تريليون دولار في عام واحد فقط. 

انهيار مؤسسة واحدة في وول ستريت قد يُحدث موجاتٍ من الصدمات تصل إلى أبعد القرى في إفريقيا وآسيا، ولعل هذا الفيضان نهاية «القرية الواحدة» التي تدعيها العولمة للعالم.

الأوبئة صارت في القرية نفسها

ساعدت العولمة في تطوير الطب وزيادة التعاون الصحي بين الدول، مما أدى إلى تحسين متوسط العمر المتوقع عالميًّا. ولكن زيادة متوسط الأعمار قد جاءت مصاحبةً للزيادة في التنقل وسرعة انتشار الأمراض، كما رأينا مع فيروس سارس، الذي انتشر إلى 29 دولة في أقل من 3 أشهر، وجائحة كورونا، التي كبّدت الاقتصاد العالميّ أرقامًا أعجز حتى عن إيجاد طريقة لحسابها. 

الزبدة 🧈

عندما تصبح الأسواق مترابطةً بنحوٍ يجعل انهيار بنك في نيويورك يهزّ حياة مزارع في نيجيريا، وعندما يكون مصدر المعلومات موجّه من لاعب واحد، وعندما يصبح التقدم الاقتصادي مصحوبًا بتفاوت متزايد، فهذا يعني أن العالم ليس بالضرورة «قرية واحدة»، بل لوحة شطرنج متحرّكة، حيث من يملك القواعد لا يحتاج حتى إلى أن يكون في اللعبة.

صحيح أن العولمة لم تلغِ الهويات، لكنها أفرغتها من معانيها الأصلية بالصورة الكبيرة. لم تُلغِ الحدود، لكنها جعلتها غير مرئية، وهذا خلق فرصًا عظيمة للسلام. لم تُلغِ الدول، لكن العولمة جعلت من الدول، في كثير من الأحيان، مجرد مشرفين على لعبة لا يتحكمون في قوانينها، رغم المميزات التي تبدو عليها اللعبة من بعيد.


في حديث بيتر ألفونسو في «TEDx Talks»، بعنوان «The Myth of Globalisation»، يقول إن فكرة خرافة «القرية العالمية الواحدة» ليست كما نحب أن نتخيلها. العالم ليس قرية واحدة، العالم فسيفساء من القرى المختلفة، لكل واحدة لغتها وطريقتها وفهمها الخاص للحياة. المشكلة أننا وقعنا في فخٍّ خطير كما يقول: «اعتقدنا أن التواصل يعني الفهم.»

لكن، هل فعلًا نفهم بعضنا؟


يطرح ألفونسو مثالًا يضرب في الصميم: اليابانيون يقولون «نعم»، لكنها لا تعني الموافقة، بل تعني فقط أنهم سمعوك. ويعبّر الإنقليز عن الغضب بجمل ناعمة، مثل «أنا مستاء قليلًا»، التي تعني في الحقيقة «أنا غاضب جدًا وربما لن أسامحك أبدًا». ويرى الفرنسيون أن الغداءَ الطويل جزءٌ من المفاوضات، بينما يفضّل الأمريكيون تناول ساندويتش على المكتب. هذه ليست فروقات بسيطة، هذه فروقات جوهرية ثقافية قد تصعب أي محاولة للتواصل الفعّال.

وهنا تأتي الحاجة إلى الذكاء الثقافي. يرى ألفونسو أننا أصبحنا نعيش «صدمة ثقافية رقمية» دون أن نشعر. قديمًا، كان المسافر إلى بلد جديد يواجه هذه الصدمة بوضوح، لكن التكنولوجيا اليوم جعلتنا نظن أننا نفهم بعضنا، لكننا في الحقيقة نرسل رسائل في الفراغ، نكتب إيميلات تُقرأ بعدسات مختلفة، ونفترض أننا جميعًا نتحدث اللغة نفسها، بينما نحن في الواقع نعيش في جزر منفصلة.

والحل؟

يدعو ألفونسو إلى إدخال الذكاء الثقافي إلى المدارس والجامعات، وحتى إلى السياسة. فالذكاء الثقافي ليس رفاهية، بل مهارة بقاء في عالم يزداد تشابكًا.


جانب من «الجلسة السرية» قبل كل حلقة، عشان تترتب الأفكار قبل طبخها بإحسان✨

بودكاست جادي
بودكاست جادي
أسبوعية، الأربعاء منثمانيةثمانية

كلّ أربعاء يقدم محمد آل جابر وهادي فقيهي تحليلات وإجابات مبسطة للأسئلة الاقتصادية المحيرة، ومع كل حلقة تصلك رسالة بريدية بمصادر ومعلومات ووجهات نظر مختلفة لم يتسع لها وقت الحلقة.

+10 متابع في آخر 7 أيام