عادة يحتاج تحقيق المعجزات الاقتصادية إلى قرون. لكن يبدو أن كوريا الجنوبية عندها شيء مختلف!
إذا كنت تعرف كوريا الجنوبية لازم يجيك تساؤل: كيف تمكنت كوريا اللي كانت مجرد دولة زراعية في الستينيات، وفقيرة بالموارد طبيعية، أن تتحول إلى قوة صناعية تنافس عالميًّا بهذه السرعة؟ وش السر اللي اكتشفته شركات كورية مثل سامسونق وهيونداي، وخلّاها تصعد بهذه السرعة؟
في هذه الحلقة، بالصوت والصورة، نناقش معكم قصة كوريا الجنوبية اقتصادها ونهضتها. ما أقدر أقول إلا أن هذه الحلقة صُنعت بحب وإحسان شديدين من هادي فقهي ومحمد آل جابر. أتمنى تستمتعون مثل ما استمتعت أنا.
كوريا الجنوبية 🇰🇷 🚀
بعد 1973، وبسبب الانفتاح الاقتصادي والتصنيع ونجاح شركات مثل سامسونق وهيونداي، وصل الدخل الفردي في كوريا الجنوبية إلى أكثر من 36,000 دولار في 2024.
كوريا الشمالية 🇰🇵 ❄️
تمسكت كوريا الشمالية بالنظام الاقتصادي المغلق. فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي في التسعينيات، تراجع اقتصادها، وبقي الدخل الفردي ثابتًا تقريبًا عند حدود 1,000دولار في عام 2023.
بين السطور 〰️
في الخمسينيات، كانت الكوريتان تسيران كتفًا بكتف، كأنهما شريكان في رحلة واحدة. لكن بعد سنوات، بدا وكأن إحداهما استقلت قطارًا سريعًا يجوب العالم، بينما الأخرى استقلت قطارًا يدور داخل المدينة ولا يخرج منها. فتحت كوريا الجنوبية الأبواب، أما كوريا الشمالية فبقيت ثابتة عند نمط الحياة نفسه. والفارق أبعد من مجرد رقم؛ فالمسافة بين الكوريتين صارت شاسعة، وهي آخذة بالاتّساع يوميًّا على المستوى الثقافي واللغوي.
فاصل ⏸️
الإنماء المالية سهّلتها عليك 💎
بتطبيق يجمع منتجات وخدمات متنوعة تحقق تطلعاتك الاستثمارية 💰
فيه كل ماتحتاجه من تداول في الأسهم أو الصكوك أو الاشتراك بصناديق استثمارية متنوعة
حمل التطبيق وابدأ رحلتك الاستثمارية «مرخصة من هيئة السوق المالية»
النشيد الوطني الياباني في المدارس الكورية 🧑🏻🎓🏫
عندما فرضت اليابان سيطرتها على كوريا في عام 1910، لم يكن احتلالها مجرد استيلاء عسكري، بل محاولة منهجية لطمس الهوية الكورية واستبدالها بثقافة المستعمر. و من أبرز مظاهر القمع إجبار الطلاب الكوريين على ترديد النشيد الوطني الياباني في المدارس، وهو إجراء مدروس لإدماجهم في النظام الجديد.
تخيّل أن تكون طالبًا كوريًّا في ذلك الوقت، تستيقظ كل صباح فترتدي زيًّا مدرسيًّا مصممًا على الطراز الياباني، وتتجه إلى المدرسة، حيث تصطف مع زملائك لترديد كلمات لا تمثل بلدك، ولا تحمل صدى تراثك.
وقد امتدّت هذه السياسات إلى حدّ إجبار الكوريين على تغيير أسمائهم إلى أسماء يابانية، لذا فقدَ البعض ارتباطهم بأسمائهم الأصلية تمامًا. وبحلول نهاية الاحتلال، كان العديد من الكوريين غير قادرين على القراءة أو الكتابة بلغتهم الأصلية، إذ فُرض على التعليم الرسمي تدريس اللغة اليابانية في المدارس.
وبحلول 1942، كانت الدروس تُعطى بالكامل باللغة اليابانية، وفُرضت دراسة الثقافة اليابانية في المناهج الدراسية. وفي 15 أغسطس 1945، ومع إعلان اليابان استسلامها رسميًّا، بدأ الكوريون في استعادة هويتهم الوطنية. ومع ذلك، بقيت آثار السياسات التعليمية والثقافية للحقبة الاستعمارية حاضرة في الذاكرة الجمعية لعقود.
الذاكرة الجمعية 🧠 🇰🇷
حين يتحدث الكوري عن اليابان، فإنه يمر بطبقات من المشاعر المتشابكة؛ فالحذر لا يزول، والتنافس لا يهدأ، عدا عن التأثير المتبادل الذي لا يُنكر بين الثقافتين.
قد يبدو في الظاهر أن الصراع في هذه العلاقة قد عفا عليه الزمن، لكنه ينعكس في أدق التفاصيل اليومية، من الطريقة التي يستهلك بها الكوريون الثقافة اليابانية إلى مواقفهم تجاه السياسة الإقليمية اليوم. فالذاكرة الجمعية أكثر من مجرد استذكار، بل حالة وعيٍ حاضرٍ يرسم خطوطًا واضحة بين ما هو كوري، وما يُعد جزءًا من تأثير الماضي.
مدينة الجبيل السعودية كانت نقطة تحول في اقتصاد كوريا الجنوبية 🇸🇦📈🇰🇷
دائمًا ما يأتي اسم كوريا الجنوبية نموذجًا يُحتذى به في التحوّل من دولة نامية إلى قوة صناعية عالمية في غضون عقود قليلة. لكن قليل من يعرف أن مدينة الجبيل السعودية لعبت دورًا في بداية هذا التحول، فقد كانت الجبيل بمثابة اختبار لإرادة وهيبة شركة هيونداي، وكانت الشرارة في صعودها بصفتها عملاقًا عالميًّا للصناعات الكورية.
القصة في السبعينيات
كانت هيونداي شركة كورية صاعدة، ولم تتمتع بعد بالخبرة الحقيقية في بناء السفن العملاقة. لكنها مع ذلك امتلكت الطموح في الهيمنة على صناعة السفن عالميًّا، وهي إحدى الوسائل المحدودة لحصول كوريا الجنوبية على مصادر دخل. لم يكن تحقيق هذا الهدف بالأمر البسيط، فالمخاطر عالية، وكانت كوريا تفتقر إلى المعرفة والخبرة، علاوة على عدم وجود البنية التحتية اللازمة لهذا القطاع.
في المقابل، كانت السعودية في خضم طفرة نفطية جعلتها تبحث عن مشاريع عملاقة تدعم اقتصادها الناشئ. هنا، جاء التقاء المصالح بين هيونداي والسعودية في 23 مارس 1972، حيث حصلت الشركة على فرصة ذهبية لتنفيذ مشاريع بناء كبرى، من بينها مشاريع في مدينة الجبيل الصناعية، التي كانت في طور التخطيط لتصبح واحدة من أكبر المدن الصناعية في العالم.
اختبار قوة لهيونداي
ما بدا وكأنه فرصة العمر، تحوّل إلى تحدٍّ مرعب. واجهت هيونداي بيروقراطية حكومية معقّدة، وشكوكًا في قدرتها على تنفيذ المشروع، وعقبات لوجستية ضخمة.
مؤسس هيونداي، تشونغ جو-يونغ (يمين الصورة)، يتفقد موقع بناء ميناء الجبيل في المملكة العربية السعودية عام 1976. - المصدر The Korea Economic Daily
ضرب الطاولة ✊💥
في إحدى الاحتفالات، وخلال اجتماع مع الرئيس الكوري الجنوبي بارك تشونق-هي، سأل أحد المسؤولين في الحكومة نائب رئيس الوزراء الكوري:
«هل تعتقد فعلًا أن هيونداي قادرة على تنفيذ هذا المشروع؟ صراحة لا أعتقد بذلك.»
ويعكس هذا التشكيك الروح السائدة آنذاك، حيث رأى كثيرون أن هيونداي تسعى إلى عمل يتجاوز حدود قدراتها بكثير. أما الرئيس الكوري بارك، الذي كان يرى في الصناعة الثقيلة السبيل الوحيد لنهضة بلاده، فلم يتقبل هذا التشكيك. وفي لحظة غضب، ضرب الطاولة بيده غاضبًا وأعلن بوضوح أن الفشل ليس خيارًا.
كيف غيرت الجبيل مستقبل هيونداي؟
بدأ العمل في المشروع وسط ظروفٍ قاسية. كانت هيونداي بحاجة إلى شحن معداتها من كوريا، وتشييد بنية تحتية من الصفر، والتعامل مع مناخٍ صحراوي لم تعتد عليه فرقها الهندسية. وصلت التحديات حدّ اضطرار الشركة إلى بناء طريق خاص بها دون دعم مالي حكومي بسبب تأخّر الموافقات الرسمية.
لكن ما حدث بعد ذلك كان إعجازًا بكل المقاييس. ففي غضون عامين فقط، أكملت هيونداي مشروعها في الجبيل بنجاح، رغم الصعوبات المالية والقانونية واللوجستية. وكان ذلك إعلانًا للعالم أنّ كوريا الجنوبية، التي كانت دولةً زراعية فقيرة قبل عقدين فقط، أصبحت قوة صناعية قادرة على تنفيذ المشاريع العملاقة عالميًّا.
الزبدة 🧈
بدت ضربة الطاولة وكأنها ردّ فعل عابر، لكنها في العمق كانت تلخيصًا دقيقًا لمرحلة إعادة ضبط المعادلة بالكامل لكوريا. فلم يعد السؤال عن مدى قدرة هيونداي على التنفيذ، بل عن مدى استعداد كوريا الجنوبية لمواكبة واقع جديد صار جزءًا من مستقبلها.
بدأتُ من الصفر ❌
بدأتُ ببقرة مسروقة ✅
وُلد تشونق، مؤسّس هيونداي، في عائلة فقيرة من المزارعين، في ما يُعرف اليوم بكوريا الشمالية. كانت الحياة صعبة، ولم يكن متيسرًا لشابٍّ محاصر بالفقر والقيود أن يحقّق طموحه. في بداية الثلاثينيات، قرّر تشونق تغيير واقعه، لكن المشكلة كانت واضحة: فهو لم يملك حتى قيمة تذكرة القطار إلى مدينة سول، المدينة التي وجد فيها فرصته للخروج من الفقر وبداية حياة جديدة.
لكن دائمًا ما يجد الذكاء مخرجًا، حتى في أصعب الظروف. في لحظة جريئة، سرق بقرة من مزرعة عائلته وباعها، فحصل على المبلغ الذي يحتاجه للسفر إلى مدينة سول. ومن هناك بدأ رحلته، متنقلًا بين أعمال البناء والتجارة، إلى أن أسّس لاحقًا واحدة من أكبر الشركات في العالم: هيونداي.
مرّت السنوات، وصار واحدًا من أعمدة الاقتصاد الكوري الجنوبي. لكنه رغم كل النجاح، لم ينسَ أول خطوة في مشواره. في عام 1998، ورغم التوتر القائم بين الكوريتين، قرّر تشونق ردّ الجميل بطريقة غير متوقعة؛ فقد أرسل 1,001 بقرة إلى قريته في كوريا الشمالية، تعويضًا عن تلك البقرة اللي بدأ بها رحلته.
وعندما سألوه عن السبب، ابتسم وقال: «أخذت بقرة وحدة… والآن أُرجعها مع ألف زيادة!»
الجنوبي أطول 📏 من الشمالي 🇰🇵 🆚 🇰🇷
تخيّل لو أخذت مجموعتين من العِرق نفسه، ولهما الجينات نفسها، ثم وجدت متوسط طول إحداهما أقل من الثانية بـ 3 إلى 8 سنتيمترات! هذا بالضبط الحاصل بين الكوريين الشماليين والجنوبيين. وسبب الفرق ليس وراثيًّا، بل مرتبط بأسلوب الحياة، وتحديدًا: التغذية.
كانت كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية بلدًا واحدًا قبل أكثر من 70 سنة، ولكن بعد انقسامهما سلكت كل دولة طريقًا مختلفًا. شهدت كوريا الجنوبية طفرة اقتصادية، وتطورًا في الصحة والتغذية، وارتفاعًا في مستوى المعيشة. بينما كوريا الشمالية واجهت عقودًا من الأزمات الاقتصادية والمجاعات. والنتيجة؟ اختلاف شاسع بين البلدين حتى في متوسط فرق الطول.
في دراسة أجراها البروفيسور دانيال شفكينديك في كوريا الجنوبية، وجدت أن الكوريين الشماليين الذين عبروا الحدود، كانوا أقصر بنحوٍ ملحوظ مقارنة بالجنوبيين، رغم أنهم من العرق نفسه. والسبب الرئيس لذلك هو نقص الغذاء في كوريا الشمالية، إذ أثّر في نمو الأجيال.
الزبدة 🧈
لعلّ هذا يعطينا مؤشرًا واضحًا على أن تشكّل الإنسان يتأثر ببيئته؛ فالطول والبنية، وحتى تفاصيل الملامح، ليست مجرد مسألة وراثية، بل انعكاس مباشر لما يحيط به من ظروف معيشية وغذائية واقتصادية.