عندما كنت أمريكا!

في أواخر أيام طفولتي وأوائل أيام مراهقتي كنت أجد متعة في افتعال المشكلات. كنت مقتنعًا بأن الحياة ما وجدت إلا لتعاش بتلك الطريقة.

في أواخر أيام طفولتي وأوائل أيام مراهقتي كنت أجد متعة في افتعال المشكلات، ولم أكن حينها مؤمنًا بأن تصرفاتي تلك تفتقد إلى البراءة، أو أنها قد تصنف أفعالًا سيئة. الحقيقة أني كنت مقتنعًا بشكل أو بآخر بأن الحياة ما وجدت إلا لتعاش بتلك الطريقة.

أجمع إخوتي وأبناء عمي ونتفق على أننا سنعتدي على أحد أبناء قريتنا لأنه لا يروق لي وهو سبب في غاية الوجاهة. ولأن أفعالنا لا بد أن تكون وفق الأعراف والقوانين المتبعة، فإن جدول أعمال اجتماعاتنا مخصص لبحث الطريقة التي يمكن أن ندفعه فيها إلى ارتكاب الأخطاء حتى يظهر عدواننا عليه عدوانًا على الظالمين. فأحدنا يستفزه بكلمات لا مبرر لها، وآخر يطلب منه أن يقوم بعمل لا يمكن القيام به وثالث ينقل عنه كلامًا لم يقله، حتى ينفجر ويشتمنا بكل ما يحوي قاموسه من كلمات بذيئة، أو يندفع اندفاعًا متهورًا للاشتباك معنا جميعًا، وهنا يقع في المحظور وتكون تلك اللحظة التي ننتظرها ونخطط لأحداثها.

نجح هذا الأمر مرارًا، حتى انكسرت الجرة وكشف جدي مخططاتنا. ولم يكن الضرب هو أكثر ما آلمني حينها، لكن الأكثر ألمًا وقسوة هو أني لم أعد أتحرك بحرية ولم تعد كلماتي عن الأخلاق وتأديب المخالفين تجد آذانًا مصغية حتى من فريقي.

كبرت وآمنت بما آمن به جدي، وأن تصرفاتي المراهقة لم تكن لمكافحة السلوكيات المنحرفة، ولكنها كانت الانحراف شخصيًا.

وأصبحت جل تصرفاتي وسلوكياتي مجرد محاولات للتكفير عن ذلك الطيش، وجهود مضنية لمسح تلك الأيام من الذاكرة.

ثم رحل جدي رحمه الله وأنا أريد أن أعتذر منه عن كل يوم أحرجته فيه، ووصلت إلى مرحلة كرهت فيها ضميري لشدة تأنيبه وتوبيخه وتعنيفه لي.

وبعد سنوات من عذاب الضمير بدأت أقرأ وأشاهد الأخبار وأهتم بالشأن السياسي، وكلما قرأت خبرًا أو سمعت تصريحاً لساسة دول العالم، أتوقف وهلة لأنه سبق أن مر عليّ بشكل أو بآخر ولكني كنتُ دائمًا أعجز عن تذكر أين وكيف ومتى سمعته أو قرأته من قبل.

Giphy 3
قراءة الصحيفة / Giphy

وحين كثرت الأخبار وزاد اطلاعي أصبحت الصورة واضحة أمامي بشكل لا لبس فيه، لم أكن في أيام مراهقتي سوى أمريكا صغيرة تحاول فرض هيمنتها على أطفال كوكب آل روحان. 

وكان إخوتي وأبناء أعمامي هم الحلفاء الذين يبحثون عن مصالحهم في التحالف معي، ولعل أهم مصلحة على الإطلاق كانوا يسعون وراءها هي ألا يكونوا في الطرف المقابل. شعارهم غير المعلن أنك حين تتحالف مع الشيطان فلن يؤذيك كثيرًا. وكل ما يريده منك سيأخذه بشكل سلمي.

الجميل في هذه المأساة هو أنه لم يكن أحد من أبناء قريتنا إيرانًا صغيرة يفسد بيوت الناس ويعبث بمواعينهم وأثاثهم ويحول منازلهم إلى خرابات غير صالحة للسكن الآدمي بحجة محاربتي كشيطان منافس. أو إسرائيلًا صغيرة يطرد جارنا من منزله ويسكن فيه بحجة أن جده العاشر كان يدخن ونسي ولاعته في المكان نفسه الذي بني فيه المنزل.

ومن حسن الحظ أني لست كاتبًا حقيقيًا، فقد قيل:

الكاتب الحقيقي مثل إسرائيل، ليس له حدود واضحة، ولا يلتزم بشيء!

الأخبارالطفلالمجتمعالرأي
نشرة الساخرنشرة الساخرالحياة أقصر من أن تستفزك تغريدة على إكس. هذه النشرة من أجل استفزازك بطريقة أخرى!