ستوثق أنت التاريخ كما تشاء

قد لا نحتاج مستقبلًا لوساطة الكتّاب الوثائقيين، ونترك الأمر للذكاء الاصطناعي يأخذ منا المعلومات، ويمنحنا كل الطرق التي ربما أدت إلى الحدث.

في متحف «ريكز» (Rijksmuseum) في العاصمة الهولندية أمستردام وقفت مندهشًا أمام لوحة «معركة جبل طارق» (Battle of Gibraltar) للرسّام كورنيليس كلاس، إذ تصور أحداث معركة بحرية انتصر فيها الأسطول الهولندي على الأسبان! اللوحة مليئة بالرسائل المبطنة التي ربما تركها لنا الرسام بقصد منه أو دون قصد حتى نستنتجها، لكنها لا توثق كل تفاصيل المعركة بتسلسل واضح للأحداث، وعلى هذا، فهي وثائقي جامد زمنيًّا.

أما اليوم، فقد أصبح توثيق التاريخ صناعة كاملة تدخل فيها الوثائقيات والأفلام السينمائية. شاهدت قبل قرابة العامين، مثلًا، السلسلة الوثائقية «الرقصة الأخيرة» (The Last Dance) التي صورت قصة أسطورة كرة السلة الأمريكي مايكل جوردان. السلسلة رائعة في سردها القصصي للأحداث، وقدرتها على ملامسة أدق التفاصيل في حياة البطل، لكنها في المقابل أظهرت ما يريد مايكل أن يظهره عن نفسه. 

وهنا نجد أنَّ الأفلام الوثائقية عمومًا لا تعطي للمشاهد المساحة للاستنتاج والتفسير، كما تفعل اللوحات، حتى لو أظهرت وجهات نظر مختلفة. فالمخرج هو الذي يرسم الأحداث في خط زمني مستقيم ويختار الرسالة النهائية التي يوصلها للمشاهد.

لكن مع عصر الإعلام الرقميّ ظهر مفهوم جديد في توثيق التاريخ: «الوثائقيات التفاعلية» (Interactive Documentary). وهي، باختصار، وسيط توثيقي تفاعليّ على الإنترنت حول موضوع معين تنصب فيه المعلومات على شكل نصوص ووسائط مرئية من صور ومقاطع فيديو وغيرها، وبإمكان المتابع التحرك فيها والتعمق أكثر فيما يريد. بل بإمكانه رفع ما يريد من معلومات والتواصل مع الأشخاص المعنيين بالأحداث، والتعديل والإضافة على محتوى الفلم. 

هنا، كما يقول منتج الوثائقيات التفاعلية فلوريان تالهوفر، لن يحدد الكاتب مسارًا واحدًا للتاريخ. فكاتب الوثائقيات المستقبليّ يرى كل وجهة نظر صحيحة وقابلة للطرح أيًا كانت، فما دامت موجودة إذن هي جزء من الحقيقة. ولن يقف المشاهد، بدوره، يتلقى المعلومات بجمود، بل سيشارك تأويله في رسم المسار التاريخي مع غيره من المشاهدين. 

ومن يدري، فقد لا نحتاج مستقبلًا حتى لوساطة الكتّاب الوثائقيين، ونترك الأمر للذكاء الاصطناعي يأخذ منا المعلومات، ويمنحنا كل الطرق التي ربما أدت إلى الحدث، بمختلف التفسيرات والنهايات، وأنت توثق تاريخك كما تصدّق وتشاء.

الإنترنتالتاريخفلم وثائقي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.