مقاطع «الريلز» لا تغيّر شيئًا

ما تدعونا إليه مقاطع «الریلز» من اعتزال ما یؤذینا، والسعي نحو الثراء السريع، هي نصائح مثيرة؛ إلا إنها، على أرض الواقع، لا تغير شیئًا.

لدي اعترافان اليوم. الأول؛ أنني أنسى نفسي عندما أبدأ بمشاهدة مقاطِع «الريلز» على الإنستقرام. فهي مقاطع مثيرة وسريعة (لا تتجاوز التسعين ثانية)، ومتنوعة وقاتلة للملل بشكلٍ لا يوصف. 

كما أنَّ إنستقرام لا يعرض لي غالبًا سوى ثلاثة أنواع؛ طبخات، ومقاطع لأهداف كروية خالدة، وأسوأ الأنواع: نصائح في تنمية الذات. وإن قررت التركيز على النوع الأخير، فستقطع على الأغلب علاقاتك المسمومة، وتعتمد على نفسك من الآن فصاعدًا دون الاكتراث بمن حولك.

طبيعة الإنسان تقوده إلى البحث عن الأرباح السريعة، حتى إن كانت هذه الأرباح معلومات مقولبة وعاطفية ورنانة، دون الاكتراث بعمقٍ أكبر لما يترتب عليها. ولهذا يحاول كل من ينشر مقاطع «الريلز» أن يدمج أقصى قدر من المحتوى في أقصر مدة، استجابةً لما تفرضه شركات التقنية وحاجتنا العاطفية للحصول على الترفيه و«التغيير» دون التعب والخوض في الأعماق.

وقد تناول المدوّن عبدالله بارجاء الموضوع في منشوره الشهير، ذاكرًا أنَّ هذا النوع من المقاطع السريعة يجعلك «تستثقل قراءة كتاب، تستثقل مشاهدة محاضرة، تستثقل دراستك، تستثقل كل شيء.» مما يقودني إلى الاعتراف الثاني الذي أحاول الهروب منه، بأن كلام عبدالله صحيح إلى حدٍ كبير.

فلا يمكن للإنسان الذي اعتاد المكاسب السريعة مقابل تمضية القليل من الوقت أن يستبدل بهذه الأرباح استثمارات أعمق في قراءة الكتب ومشاهدة المحاضرات أو حتى الوثائقيات. وهذا ما حصل معي مؤقتًا، حتى قررت إزالة تطبيق الإنستقرام من هاتفي لأكتفي بالدخول من خلال متصفح، ومشاهدة ما يهمني في الحساب دون انغماس تنويمي مغناطيسي.

في الأغلب، یتعارض ميلنا للمكاسب السريعة مع مصالحنا. مثلما یحدث حین نوقف السيارة في مكان ممنوع  لكسب بعض الوقت، ومثل خسارتنا في سوق الأسهم رغبةً في المكسب السريع، ومثل الإيمان بقناعات حياتية مقولبة نتبناها في حين أننا ننسى أنَّ كل أمور الحياة تحتاج إلى وعي أكبر، وأحيانًا إلى تركيز وهدوء منتظمين.

لا شك أنَّ ما تدعونا إليه مقاطع «الریلز» -في ثوانٍ معدودة- من اعتزال ما یؤذینا من العلاقات المسمومة، والسعي نحو الثراء السريع، هي نصائح مثيرة؛ إلا إنها، على أرض الواقع، لا تغير شیئًا.

إنستقرامالتقنيةالوعيالرأي
نشرة أها!
نشرة أها!
منثمانيةثمانية

نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.

+680 مشترك في آخر 7 أيام