متحف رسائل واتساب الصوتيّة

لعلَّ رسائلنا الواتسابية تجد طريقها إلى أرشيف في متحف، لكنها لن تكون كأشرطة الكاسيت. فتغيّر الوسيلة أدّى إلى تغيّر طبيعة التواصل أيضًا

أثناء زيارتنا متحفًا في منطقة جُبّة التاريخية، التقينا أنا وعائلتي بعامل باكستاني في مجلس المتحف الصغير. اكتشفنا في أثناء حديثنا معه أنه مقيم في جُبّة منذ أكثر من ثلاثين سنة، قبل توفّر أية وسائل تقنية تُعينه في التواصل مع أهله في باكستان. فلا جوّالات، ولا هواتف ثابتة يسهل الوصول إليها، ولا إنترنت تتيح له التواصل الفوري؛ لكن كانت لديه أشرطة الكاسيت.

فقد ظهرت أشرطة الكاسيت باعتبارها وسيلة مفضّلة للتواصل الشفوي لدى آلاف العائلات من الجالية الباكستانية والهندية حول العالم: في بريطانيا وكندا وفي الخليج، وحتى لدى عائلات داخل باكستان نفسها. فأتذكر أن العامل في بيت جدتي في كراتشي كان يحمل معه أشرطة كاسيت سجّلتها عائلته في مدينة بيشاور، ليستمع إليها حتى زيارته القادمة إلى «ديرته». 

وحين ظننا أنَّ أشرطة الكاسيت وُجدت لتبقى، توفّرت أجهزة ذكية بأسعار معقولة سهّلت التواصل. ثم جاءت واتساب وأطلقت عام 2013 خاصية تسجيل الرسائل الصوتية، لتحل محل الأشرطة كليًا، وتُستخدم لإرسال مليارات الرسائل الصوتية يوميًا وبشكلٍ فوريّ. 

قد لا يفهم الجيل الذي ترعرع على مأدبة من الخيارات الرقمية قيمةَ الأشرطة البسيطة تقنيًّا، لكن ها هي اليوم تحمل أرشيفًا شفهيًّا من الذكريات والمشاعر التي تروي جزءًا من تاريخنا وتستحق الحفظ. 

فهنا مثلًا مشروعٌ أردني ثقافي يعمل على تفريغ أشرطة من السبعينيات للحفاظ على الهوية الأردنية. وابنٌ باكستاني يحاول التمسك بذكريات والده الراحل المخزّنة في أشرطة الكاسيت. 

وسينطبق الأمر نفسه على الرسائل الصوتية التي نرسلها عبر  واتساب اليوم؛ وستصبح في المستقبل جزءًا من تاريخ البشرية. وقد تؤرشفها الأجيال القادمة حينما تندثر هذه الوسيلة أيضًا.

ولعلَّ رسائلنا الواتسابية تجد طريقها إلى أرشيف في متحف كالذي زرتُه في جُبّة، لكنها لن تكون كأشرطة الكاسيت. فتغيّر الوسيلة أدّى إلى تغيّر طبيعة التواصل أيضًا، ورسائلنا الكثيرة التي تُرسَل عدّة مرات باليوم لا تحمل تلك الكثافة في الوصف والعاطفة التي حملتها الأشرطة. 

فبوسعي الآن -وبضغطة زر- أن أسجّل صوتًا لأطلب شيئًا أو ألغي موعدًا؛ أمور تدلّ على رفاهية التواصل الشفوي في حياتنا. لكنها ستتطلب من الباحثين المستقبليين الكثير من الجهد والوقت لغربلة الرسائل القليلة المهمة منها.

الإنسانالتقنيةالتواصلالرأي
نشرة أها!نشرة أها!نشرة يومية تصاحب كوب قهوتك الصباحي. تغنيك عن التصفّح العشوائي لشبكات التواصل، وتختار لك من عوالم الإنترنت؛ لتبقيك قريبًا من المستجدات، بعيدًا عن جوالك بقية اليوم.