حماية الشركات التقنية المحلية من المنافسة العالمية

عمدت الصين إلى حماية شركاتها التقنية المحلية، لتصبح اليوم أكبر منافس لكبرى شركات أميركا، فهل ينبغي الاقتداء بالصين وحماية شركاتنا التقنية؟

برأيي من أهم الأمور التي ينبغي دراستها في الاقتصاد التاريخ الاقتصادي. ففيه نجد نمطًا معينًا يتكرر: يظهر فكر اقتصادي جديد، يُطبَّق على نطاق واسع، ثم تظهر مشاكله. فيأتي بديل له معاكس، يُجرَّب، ثم تُعاد الدورة. 

من أمثلة ذلك ظهور الفكر الكينزي في أميركا في أربعينيات القرن الماضي، والذي يرى بضرورة تسيُّد الحكومة الاقتصاد. تلاه ظهور نظيره الفكري الذي ترأسه ملتون فريدمان وينص على تسيد الأسواق الحرة للاقتصاد.

والتاريخ مليء بتجارب اقتصادية ظن الكثير وقتها أنها حكيمة، ثم اتضح عدم ملاءمتها بعد تطبيقها بشكل واسع، وظهور نظائر تناقضها.

فشل الحماية الاقتصادية

من أهم الأفكار التي جربت بكثرة القرن الماضي الحماية الاقتصادية. وتنص باختصار على أنه ينبغي للدول حماية الشركات المحلية من المنافسة العالمية. وذلك إما بعدم السماح للمنتجات الأجنبية بدخول السوق المحلي، أو بترجيح الكف لصالح الشركات المحلية عن طريق فرض رسوم جمركية عالية على المنتجات المستوردة. 

وشكَّل هذا الفكر ركيزة السياسة الاقتصادية لكثير من الدول مثل الهند والأرجنتين. وكان يُفترض مع الوقت نمو الشركات المحلية، فتنتج منتجات بجودة وتكلفة تنافس فيهما الشركات العالمية. 

الفكرة جيدة نظريًا، لكن حين طُبِّقت الحماية اتضح أنَّ الأمور لن تجري كما هو مخطط له. فقد كانت المنتجات المحلية منخفضة الجودة ومرتفعة السعر بالرغم من الدعم الذي حظيت به.

ما وراء وجود مقرات إقليمية للشركات الأجنبية في السعودية؟

رغم كل التفسيرات والآراء على الصعيدين المحلي والدولي حول قرار إيقاف تعاقد الجهات الحكومية مع الشركات الأجنبية التي ليس لها مقر إقليمي في السعودية بدايةً

26 فبراير، 2021

وبعد مرور عشرات السنين، عجزت الشركات المحلية عن دخول المنافسة العالمية. وتمثلت تكلفة حمايتها في غلاء المنتجات في السوق المحلي نسبيًّا وانخفاض جودتها عن المستوردة. 

وثمة عدة أسباب لفشل الحماية الاقتصادية، أهمها أن العصر الذي طبقت فيه يركز على الصناعات الملموسة. إذ توجد صعوبة عالية في خلق بيئة تحتية جيدة للصناعات التقليدية بشكل سريع، خاصةً بدون مساعدة الشركات العالمية التي لها خبرة عقود طويلة في المجال، بعضها فوق المائة عام. 

وبعد فشلها، ظهر إجماع اقتصادي جديد خلال التسعينيات وبداية الألفية على تحرير التجارة العالمية وفتح كل دولة أسواقها أمام العالم. وأصبحت التجارة العالمية الحرة هي السائدة.

إذ لماذا يُجبَر المواطن على شراء سيارة صناعة محلية سعرها 100 ألف ريال وجودتها ثلاثة من عشرة بأحسن الأحوال، في حين بإمكانه شراء سيارة صناعة يابانية، سعرها نصف سعر المحلي وثلاثة أضعاف الجودة؟ 

لكن كما العادة، بعد تطبيق فكر اقتصادي جديد تتضح جوانبه السلبية ويعاد النظر فيه. فبعد تقريبًا ثلاثين سنة من الفكر الاقتصادي النيوليبرالي، يتلقى اليوم انتقادات واسعة في الغرف الاقتصادية. 

نموذج الحماية الصينية 

منذ دخول الصين منظمة التجارة الحرة في 2001 ومعظم قطاعات الصين مفتوحة للمنتجات الأجنبية، كلها عدا قطاع واحد: الإنترنت. حاليًا، الشركات التقنية الصينية مثل بايدو وعلي بابا هي المنافِسَة الوحيدة عالميًا للشركات التقنية الأميركية مثل فيسبوك وقوقل وأمازون. 

توجد عدة أسباب لذلك، أهمها برأيي منع الصين في العقدين الماضيين الكثير من الشركات التقنية الأميركية من دخول سوقها. إذ سمح المنع للشركات التقنية المحلية بالنمو بشكل سلس. وبلا شك يعود الحجم الكبير للشركات التقنية الصينية الحالية إلى حمايتها من المنافسة. 

فمثلاً استفادت شركة علي بابا للتجارة الرقمية إلى حدٍّ بعيد من عدم دخول مثيلها الغربي أمازون للسوق الصيني. ويعد تطبيق «وي-تشات» الضخم مثالًا آخر. إذ منعت الصين كل المنافسين الغربيين مثل شركة «سلاك» و«دروبوكس» وغيرها من التطبيقات التي يتداخل استخدامها مع «وي-تشات». 

بالمقارنة، سنجد الشركات الأميركية التقنية هي الطاغية في أسواق الدول التي سمحت بدخولها، سواء كانت دول متطورة كبريطانيا أو نامية كالإمارات.

أسباب نجاح التجربة الصينية

إذن، لماذا نجد نتيجة مختلفة للحماية الاقتصادية في هذا العصر مقارنة بالقرن الماضي حينما فشل بشكل ذريع؟ أولاً، الصناعة الرقمية حديثة مقارنة بالصناعات التقليدية. وبالنظر إلى تطور الشركات سنجد الشركات المحلية متأخرة خمسين سنة في الكثير من الصناعات التقليدية. لكن حينما بدأت الشركات الصينية الرقمية، لم تكن متأخرة إلا بضع سنوات. 

فمثلًا تأسَّس علي بابا في أقل من عشر سنوات بعد تأسيس أمازون. لذلك فالمنافسة أسهل في المجال الرقمي لأن المجال بأكمله لا يتجاوز عمره ثلاثين عامًا.

ثانيًا، النقل المعرفي أسهل بأضعاف في الشؤون الرقمية من الصناعات العادية. إذا كنت تريد معرفة تفاصيل دقيقة جدًا في صناعة السيارات، يتطلب ذلك خبرة على أرض الواقع في مصنع سيارات. في حين إذا أردت فهم تفاصيل دقيقة في صناعة محرك رقمي، تستطيع البحث بالإنترنت وإجراء تجارب على جهازك حتى تصل إلى معرفة جيدة. 

فالصناعة الرقمية تسمح بنقل معرفي أسهل من الصناعات التقليدية، مما يجعل نمو الشركات الرقمية أسهل بكثير. وثالثًا، تتطلب الشركات الرقمية رأسمال أقل بأضعاف من الصناعات التقليدية، مما يسمح بفتح شركات رقمية أكثر وظهور منافسة محلية.

في النهاية:

لا يوجد فكر اقتصادي ثابت عبر العصور. وقد يكون الإجماع الاقتصادي على فتح الأسواق بجميع صناعاتها للتجارة العالمية مخطئًا في شأن الشركات الرقمية.  Click To Tweet

لذا علينا دراسة المسار الصيني في حماية الشركات التقنية المحلية. ثم نقرر إن كان هو المسار الذي نريد سلكه في بناء شركات رقمية رائدة تستطيع بعد عشرين عامًا منافسة الشركات العالمية.

الاقتصادالتقنيةالشركاتالصينالرأسماليةالرأي
مقالات حرة
مقالات حرة
منثمانيةثمانية