الفن الإسلامي بين التاريخ الاستشراقي والهوية السعودية

الفن الإسلامي ليس هوية محلية بحتة، بل هوية فنية تتشارك فيها العديد من الدول. وجغرافيًا، انبثق نمو الفن الإسلامي الكلاسيكي خارج جزيرة العرب.

ارتبطت الفنون بالمعتقد منذ نشأتها في مراحل ما قبل التاريخ، فجسدت أغلب الفنون الأولى تماثيل معبودات أو مفردات الأساطير في المعتقدات أو أجزاء من الطقوس التي تمارس في المعابد.

واستمر ارتباط الفنون الديني المعتقدي بعد الأديان السماويّـة، ويتجلى ذلك واضحًا في الفن المسيحي مثلًا، ما انعكس لاحقًا في فنون عصر النهضة.

إلا أن «الفن الإسلامي» كمصطلح شاع في الغرب نتاج تسمية أطلقها المستشرقون الأوائل في مؤلفاتهم على العمارة الدينية، تحديدًا في مدن وعواصم الخلافة الإسلامية. بل عكس علماء تاريخ الفن ذلك في تقسيمات الكتابات التاريخية وفق الفترة الزمنية والمساحة الجغرافية للخلافات الإسلامية. ووفق كتاباتهم، ينتهي الفن الإسلامي مع ضعف الدولة العثمانيّـة.

عزل الفن الإسلامي عن العالمي

من هنا نرى كيف بدأت إشكالية الفصل والعزل مع رؤية الغرب للفن من وجهة نظرهم كتراث عالمي. وأن النمو المنطقي لفنونهم بدأ في مرحلة نهوض أوربا من سباتها بداية مع عصر النهضة، حين تبنى الغرب الفن الإغريقي أصلًا لفنونه.

ومن العزل في الأفكار والرؤى إلى العزل في المتاحف. ويتضح ذلك في إقامة الأجنحة المخصصة للفن الإسلامي معزولةً عن بقية فنون العالم، ومرتبطة بفترة زمنية معينة وبدول معينة، ولا تُدرج ضمن التسلسل الزمني للفن العالمي.

وهنا يؤخذ على بعض دول الخليج العربية تبنيها ودعمها متاحف للفن الإسلامي تضم مقتنيات من دول أخرى لا تعد جزءًا من تراث الخليج المحلي، مثلها مثل المتاحف العالمية في هذا التوجه. لكن من ناحية أخرى، يختلف تعاطي بعض المؤسسات الثقافية مع الفن الإسلامي والمتاحف.

ويأتي التساؤل: ما تأثير هذه الصورة الاستشراقية لمفهوم الفن الإسلامي على المنتج الفني المحلي السعودي، ومتى كانت بدايات التغيير في مسار إعادة قراءة المفهوم؟

سطوة الفن الإسلامي على المحليّ 

حدث التغيير بعد نشاط بحثي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي تجاه إشكالية رسم «ذوات الأرواح» في العالم الإسلامي، مما شكََّل معاناةً للفنانين ظهر أثرها واضحًا في المنتج التشكيلي المحلي. كما كان لها دور كبير في تحولات أسلوبية وفنية طغت على شكل المنتج الفني المعاصر وتغييب التدريس المنهجي للتشريح ورسم الكائنات.

اليوم أُعيد النظر في مسألة تحليل «ذوات الأرواح» أو تحريمها، وتُعاد قراءة النصوص الدينية التي بنت الآراء الفقهية فتاواها عليها.

من ناحية أخرى:

ارتبط الفن الإسلامي تاريخيًّا بالخلافة الإسلامية وعواصمها كدمشق وبغداد والقاهرة وإسطنبول. ولم يخرج بعيدًا عن ثقافة المكان الذي أضفى أسلوبًا مدرسيًا لكل اتجاه من اتجاهات الفن الإسلامي في مقر نشأته غربًا وشرقًا في العالم الإسلامي الممتد. Click To Tweet

كذلك نجد العمارة الدينية ذات مسار تبنَّى فيه المعماريون مبدأ الارتباط بالوظيفة الدينية. ينعكس هذا المبدأ بشكل واضح في كل من عمارة المسجد الحرام والمسجد النبوي في مكة المكرمة والمدينة المنورة، جاعلًا تتبع النمو المعماري والهندسي والفني في هذين الحرمين قراءة مفتوحة لتاريخ الخلافة الإسلامية. 

إذ لم يتوان الخلفاء في الماضي والملوك في الحاضر عن استقطاب أفضل المهندسين والأدوات والخامات والصُنَّاع، محمَّلين بالتقاليد المعمارية والهندسية لما سمي بالفن الإسلامي.

أضفى ذلك نمطًا متنوعًا في عمارة المساجد في كل مدن وقرى المملكة العربية السعودية الحديثة. وتفرَّد البعض منها بتجسيدها أنماطًا محلية في غاية الجمال جمعت بين عناصر المسجد التي تطورت عبر العصور، وفي الوقت ذاته عكست الهوية المحلية في أبهى أشكالها.

ولعل الجامع الكبير «جامع الإمام تركي بن عبدالله» في منطقة قصر الحكم وسط العاصمة، الحائز على جائزة الآغا خان للعمارة، خيرُ مثال على الجمع بين الفن الإسلامي وخصوصية الهوية السعودية. إذ يعكس الجامع العمارة النجدية التقليدية في قالب حديث، بل ومعاصر! 

الاستنساخ من التاريخي 

وفي هذا السياق نقرأ «الفن الإسلامي المعاصر» كمصطلح يتكرر في الغرب ليصف الفن ذا المواضيع الدينية لفناني العالم الإسلامي. بل يكاد يكون أشمل ليصف الفن الذي ينتجه فنانو تلك الدول، أو الفنانين المهاجرين من دول إسلامية والمقيمين في الغرب ويعتمدون الفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية موضوعًا في أعمالهم. وفي السنوات الأخيرة، ازدادت نسبة الاهتمام في الولايات المتحدة وأوربا بالفن الإسلامي، وبشكل لافت.

أما في السعودية، تتفاوت الممارسة تحت هذا المفهوم بين استنساخ لعناصر زخرفية إسلامية، وبين مفاهيم مستقاة من ذلك التاريخ الفني. وقلة من يعيد المفهوم ويقدمه وفق هوية محلية، خصوصًا كون الفن الإسلامي التاريخي لا يمثل إرثًا محليًّا.

وضمن هذا السياق، لفتت انتباهي ردود الفعل التي تبعت حفل الجوائز الثقافية الوطنية الذي أقيم مساء الاثنين 19 أبريل 2021. وتحديدًا ما نقل عبر حديث تلفزيوني للفنانة الفائزة بالمركز الأول لولوة الحمود. 

إذ أفصحت عن توقعها المسبق بأن جميع من سيفوز بجائزة الفنون البصرية هذا العام استوحوا أعمالهم من الفن الإسلامي. وأشارت إلى احتمال كونه السبب -برأيها- وراء اختيار الفائزين بالمراكز الثلاثة الأولى: هي إلى جانب الفنانة دانة عورتاني بالمركز الثاني والفنان أحمد عنقاوي بالمركز الثالث.

Picture5
تصوير أحمد عنقاوي

قد يوحي حديث لولوة الحمود بدعم وزارة الثقافة توجهًا معينًا في تحديد الفائزين بجائزة الفنون البصرية. لكن ما دام لم يُعلن عن الفن الإسلامي أو يُشار له كمعيار أو سبب، فلا أظنه يمثل فعليًّا رأي أو توجه الوزارة أو أي جهة حكومية أو خاصة تدعم الفنون بالجوائز- ما لم تعلن عن ذلك صراحةً مثلما تفعل جائزة جميل في متحف فكتوريا وألبرت على سبيل المثال.

التجدد السعودي في الفن الإسلامي 

المتابع للتأثير الذي تحدثه الجوائز في مجال الفنون -سابقًا- سيلاحظ كيف توجه النتائج الفنانين والفنانات لاختيار مواضيع لأعمالهم سبق أن حصلت على جوائز. فتكرار المواضيع واتباع النهج ذاته يسهم في تأطير المواضيع الفنية والتضييق عليها في سياق معين، ويحصر الفن والفنان السعودي في زاوية واحدة.

جنسية الفنان السعودي، أهم من فنه؟

حظي الفنان السعودي في بضع السنوات الأخيرة بفرصة عرض أعمالهم في محافل دولية كان أغلبها في دول أوربا وأميركا الشمالية.

3 سبتمبر، 2018

كذلك فالفن الإسلامي كموضوع ليس هوية محلية بحتة، بل يُعد هوية فنية تتشارك فيها العديد من الدول. وجغرافيًّا، انبثق نمو الفن الإسلامي الكلاسيكي خارج الجزيرة العربية.

وعودة إلى الممارسة المتوقعة لما يمكن أن يسمى «فن إسلامي محلي»، فيمكن القول أنه اتجاه بدأ ينضج من منطلق امتلاك السعودية مقومات اقتصادية وثقافية وحضارة ضاربة في جذور التاريخ. إلى جانب امتلاكها القوة الجغرافية والروحانية بوجود مكة المكرمة والمدينة المنورة، والتي تجعلها مركزًا للثقافة الإسلامية. 

وإن لم تكن السعودية سابقًا فاعلة في إنتاج ما يسمى بالفن الإسلامي، ألا أنها اليوم ذات إنتاج فني غزير، خصوصًا ونحن أمة تعتز بالإسلام كمصدر تشريعي ومنهج حياة. فالدين هو المؤثر الرئيس على الفن المعاصر في المملكة العربية السعودية وإن لم يكن الوحيد. 

من هنا تأتي أهمية إعادة كتابة تاريخ الفن عمومًا بحيث تتحقق استمرارية الفن الإسلامي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، ويتواكب في خط الزمن مع الفنون الحديثة والمعاصرة في الغرب. لكن على ألا يكون إعادة استنساخ للفن الإسلامي التقليدي، بل ذا هوية محلية. 

ويستوجب ذلك ضرورة دراسة الفن الإسلامي المعاصر بطريقة تراكمية مع النمو المنطقي في السياق المحلي. دراسة تتناول قيمته الفكرية والفلسفية بمنظور عصري ومتجدد، ولا تكتفي بدراسة الباحثين الغربيين ضمن المفهوم الاستشراقي. 

الحضارة الإسلاميةالفن السعوديتاريخ الفنالثقافة
مقالات حرة
مقالات حرة
منثمانيةثمانية