اختطاف الطائرات

قد تظنّ أن المطار بهذا الشكل منذ البداية. الحقيقة، أنّه كان تمامًا كمحطة القطار. تدخل المطار، وتركب الطائرة دون أن يطلب أحد منك التذكرة، وقد تطير ولم يتحقق أحدهم من هويتك أو يسأل عن أي إثبات لك. تمامًا، كتجربة أي رحلة على أي قطار. أمرٌ لا يكاد يصدّق، فالمكان الأكثر تعقيدًا اليوم، كان يومًا ما، بهذا الشكل!

قد تظنّ أن المطار بهذا الشكل منذ البداية. الحقيقة، أنّه كان تمامًا كمحطة القطار. تدخل المطار، وتركب الطائرة دون أن يطلب أحد منك التذكرة، وقد تطير ولم يتحقق أحدهم من هويتك أو يسأل عن أي إثبات لك. تمامًا، كتجربة أي رحلة على أي قطار. أمرٌ لا يكاد يصدّق، فالمكان الأكثر تعقيدًا اليوم، كان يومًا ما، بهذا الشكل!

دعونا نعود بالزمن، حتى عام 1985، عندما بدأت الحكومات بالإشراف على الطيران، لم تكن تصنّف اختطاف الطائرات كجريمة كبرى، وتصاميم المطارات عكست هذا التصوّر، فكانت مصمّمة بدون أي دوافع أمنية. وأتى عام 1961، وبدأت ظاهرة اختطاف الطائرات.

كانت في بداية الأمر، أنّ الكوبيين يودّون الذهاب إلى كوبا، فحينها كانت قد انهارت العلاقة الأميركية الكوبية. في مثل هذا الشهر عام 1961، حصلت أول عملية اختطاف في تاريخ الطيران الأميركي. هدد الخاطف الطيّار بالسكين، وطلب منه النزول في مطار هافانا ليحذر فيديل كاسترو (Fidel Castro) من عملية اغتيال.

وتوسّعت دائرة اختطاف الطائرات، فكان هناك مختطفون كرافييل مينشيلو (Raffaele Minichiello)، الأميركي من أصول إيطالية، الذي اختطف طائرة غادرت لوس أنجليس متجهةً إلى روما الإيطالية. عندما هبطت الطائرة، استقبل استقبال الأبطال. وحكم عليه بالسجن لمدة 18 شهرًا فقط. طلبت الحكومة الأميركية تسليمه، إلا أنّ الإيطالية رفضت.

ومع مرور الوقت، أصبح المختطفون للطائرات، كبقية المجرمين، يختطفون الطائرات للحصول على الفدية. بدأت مع أرثر بيركلي، الذي اختطف طائرة أقلعت من فينيكس إلى العاصمة واشنطن، فطلب 100 مليون دولار نقدًا تدفع من قبل الحكومة الأميركية. وبعدها، طمع المجرمون وبدؤوا يطلبون ما يريدون، أموال، ذهب، خمر، مخدرات. أي شيء في خاطرهم.

نقبل بوجود بعض عمليات الاختطاف

وحتى ذلك الحين، لم تأخذه شركات الطيران أو حتى المسافرين كخطرٍ حقيقي. كان أشبه بتجربة سيئة لا أكثر. كان المسافرون الأميركان يظنّون إن اختطفت الطائرة، فهذا يعني أننا سنهبط في مطار هافانا، ويقضون ليلة في المدينة، وإن سمح الوقت يذهبون للتجول بها والأكيد، شراء بعضًا من السجائر الكوبية، ويعودون لأميركا بقصص تحكى.

ولمّا كان المسافرون راضين.. لا يطلبون حماية أكثر.. جاهدت شركات الطيران أن تبقي كلّ شيء على ما هو عليه. فأجهزة التفتيش ستكون مزعجة للمسافرين، الشركات قلقلة من إنزعاجهم. فلو عاملت كل المسافرين كمشتبهين، فالناس ستفضل قيادة السيارة على أن يركبوا الطائرة.

وكلما طرحت فكرة وضع أجهزة التفتيش في المطارات من الحكومة الأميركية، تدخلت شركات الطيران وشكّلت ضغطًا من خلال اللوبيات، لتوقف أي تطور أمني في صناعة الطيران. ففي النهاية، اختطاف الطائرات لا يكلف الشركات سوى 50 إلى 60 ألف ريال. بينما أجهزة الكشف والتفتيش وموظفي الأمن ستكلّفهم ملايين الملايين. بالنسبة لشركات الطيران، الحل المالي الذكي كان واضحًا كالشمس في رابعة النهار:

نقبل بوجود بعض عمليات الاختطاف ونتحمل التكلفة، لكن، نبقي تجربة المسافر في المطار كما هي.

إلاّ أن أمرًا وجب أن يتم. فإذا لم تقبل الشركات بوضع أنظمة أمنية لحماية المسافرين في المطارات، ونقاطًا للتفتيش، فيجب التفكير في حلولٍ أخرى. أتى عام 1968، وأنشأت هيئة الطيران الفدرالي لجنة لمكافة الاختطاف لتبتكر حلولاً تقبلها شركات الطيران. وطلبت من المواطنين المشاركة في اقتراح حلولٍ لهذه المشكلة.

اقرأ أيضًا: تصميم المطار

الحل الذي نعرفه جميعنا اليوم

وكان الحل الأكثر اقتراحًا هو الاستسلام المطلق. على الطيارين أن ينقلوا الكوبيون إلى كوبا مجانًا. وهناك حلٌ فكرت به جديًا هيئة الطيران الفدرالي بأن تبني مطارًا مزيفًا يبدو كأنه مطار هافانا.. يكون في جنوب فلوريدا. ففي الطائرة المختطفة، سيظن المختطفون أنّهم يهبطون على مطار هافانا، وعندما تهبط الطائرة تعتقلهم الشرطة الأميركية. كان بودّي أرى هذه الفكرة طبّقت، تبدو مجنونة، إلاّ أن تنفيذها كان مكلفًا، فأوقفت.

كانت هناك حلولٌ غبية، كأن يكون هناك كرسي يقذف بالمختطف من الطائرة. وللتأكد أنّهم أخذوا الفكرة على محمل الجد، فقد حصلوا على براءة اختراع للفكرة! واستمرت الأفكار الغبية، ففكروا في أن يجبروا المسافرين على لباس قفازات الملاكمة، فلابس القفازات لا يستطيع حمل مسدس!

لكن، عادت الهيئة لصوابها، وفكرت في حلولٍ منطقية، وبحثت عن المناطق التي يجب على كل المسافرين الوقوف عندها، كانت منطقة بيع التذاكر. فكان الحلّ أن تدرّب الهيئة موظفوا المبيعات على 25 إشارة تدل على وجود مشكلة. كانت أشياء كعندما لا يهتم المسافر للأمتعة، أو يكون في تواصل العين مرتبكًا وغيرها، فإذا لاحظ البائع أيًا من الدلالات التي درّب عليها، يطلب منه أن الدخول لغرفة ليتم تفتيشه، ولكنّ، الخاطفين كانوا يمرون مرور الكرام، ويصعب على بائعين كشفهم من النظرات! ففشل المشروع.

أمّا الحل الذي نعرفه جميعنا اليوم، فيتم تفتيش كل المسافرين، وتمريرنا وأمتعتنا عبر الأشعة السينية، ويطلب من كلّ شخص الهوية الرسمية، لم يكن هذا الحل منطقيًا على الإطلاق حتى أتت الحادثة التي غيرت كلّ شيء. في نوفمبر عام 1972، اختطف ثلاثة هاربين طائرة الخطوط الجنوبة الرحلة رقم 49. طلبوا 10 ملايين دولار، وهددوا إن لم تسلمهم الحكومة المال، أن يصدموا الطائرة بالمختبر الوطني في ولاية تينيسي.

في المختبر، كان هناك 235 مفاعل نووي. حينها، علم الجميع أنّ الطائرات قد تهدد الأمن الوطني، وتصبح سلاح دمارٍ شامل. الخطوط الجنوبية، لم تكن تملك العشر ملايين دولار. لكنّهم استطاعوا تسليم المختطفين مليونا دولار عندما هبطت الطائرة في تينيسي. فالمختطفين الذين شربوا كل المسكرات التي في الطائرة، لم يكترثوا بأن يعدّوا الأموال. وأخذوا الطائرة إلى.. مطار هافانا حيث تم القبض عليهم من قِبل الحكومة الكوبية. صحيح أنّ أميركا تجنبت دمارًا شاملاً، إلاّ أنّ التهديد وحده، كان كافيًا للشركات والحكومة الأميركية أن يأخذا الأمر بشكل حازم.

وبعدها بشهرين، في مطلع 1973، أتى قرار تفتيش كلّ المسافرين إجباريًا. ويتم التعاقد مع شركات خارجية لتشغيل إدارة أمن المطارات. وتغيّرت نظرة العالم عن اختطاف الطائرات تمامًا في فترة الثمانينات. وخصوصًا بعد عملية اختطاف طائرة تي دبيلو أيه في عام 1985. والتي وحسب وكالة المخابرات الأميركية، أن حزب الله خلف ذلك الاختطاف.
فعندما ظهرت الصورة الشهيرة للطيّار والمسدس مشارًا إلى رأسه، انتهت نظرة الناس للاختطاف أنّه مجرد اختطاف للحصول على المال ورحلة مجانيّة إلى هافانا. وأصبح المختطفون للطائرات، يصنفون على أنهم إرهابيين.

هذا التعقيد الذي أتى تراكميًا

ولأنّ، المسألة تراكمية، ولم تبدأ المطارات كمحطات شديدة الحماية، اختلف تنظيم المطارات من دولة إلى أخرى. ففي أميركا، زاد التشديد الأمني على المطارات بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وتحولت حماية المطارات من شركات خاصة إلى هيئة حكومية متخصصة لحماية المطار تعرف بالتي إس إي. وبهذا أصبح للحكومة كلمة في تصميم المطار وتحديد بعض المهام فيه، لوجود جهة واحدة أضيفت على المطار.

أما في السعودية، فمع مرور الوقت، أصبح المطار هو المكان الأكثر تعقيدًا في المملكة.

فالمطارات تملكها الهيئة العامة للطيران المدني، لكنّها لا تملك السلطة على أغلب مرافق المطار. فالتنظيم الخارجي للسيارات، يقع تحت المرور. وأمّا التفتيش وفحص المسافرين، فهي تحت سلطة المباحث. ما أن تفرغ من التفتيش، إلا وتصبح تحت سلطة وزارة الدفاع، وتحديدًا، القوات الجوية الملكية السعودية. ولا ننسى الجوزات التي تشرف على الخروج والدخول من المملكة، ووزارة المالية في جهاز مصلحة الجمارك، وشرطة المطار، والشرطة.

وفي السعودية، هذا التعقيد الذي أتى تراكميًا، من تجارب داخلية أو خارجية، جعل أي مشكلة تحصل في المطار، لن تكون تحت مسؤولية هيئة الطيران مباشرة، بل، أنت في مواهجة الجهة التي يتبع لها الموظف الذي أمامك.

الأمنالطيرانالمطارالثقافة
مقالات حرة
مقالات حرة
منثمانيةثمانية