أزمة البعد الثقافي ومستقبل مسلمي أوربا

يناقش طارق عثمان المشكلات التي تواجه مسلمي أوربا، الصورة النمطية للتطرف ومحاولات الإندماج ومستقبلهم في ظل كل هذه الأزمات.

أوربا تتحرك ببطء، حركة سيدة جميلة راقية ترى نفسها ذروة جمال الحضارة الإنسانية. لكن هناك مخاطر في الحركة البطيئة. فأحيانًا، يعني البطء قبول تغيُرات ما كانت لتُقبَل لو حدثت بسرعة. وهذا واضح في صعود أقصى اليمين في القارة العجوز. ما كان سيُرفض بوضوح وشدة قبل عقدين من الزمن، تسلل الآن ببطء إلى المجتمع الأوربي، وأصبح من حقائق السياسة الأوربية.

هناك في أوربا من يرى في صعود اليمين المتطرف خطرًا على الفكرة الليبرالية التي بُنيت عليها أوربا ما بعد الحرب العالمية الثانية. وأنَّ صعوده جاء نتاجًا لتردي أوضاع اقتصادية أعطت قوة دفع لأفكار شعبوية. وعليه، ينظر هذا الرأي لليمين المتطرف كمشكلة -أو ظاهرة قبح- في أوربا محراب الحرية وحقوق الإنسان طوال السبعين عامًا الماضية، أوربا التي تعلمت دروس مأساة الحربين الأولى والثانية وما جرى فيهما من فظائع.

لكن هناك رؤية أخرى لأوربا، حيث ينظر ملايين الأوربيين لقارتهم لا كمشروع سياسي استوعب تجارب كبرى ووعى قيم هامة، بل كنظام اجتماعي. لن يستطيع الملايين من الأوربيين وصف معنى أوربا أو فكرة الشخص الأوربي، لكنهم قادرون على تحديد ما يرونه غير أوربٍّي وفق هذه الرؤية. صعود اليمين المتطرف في تلك القارة رد فِعل لدخول عناصر اجتماعية، يراها هؤلاء الأوربيون غير أوربية. وفي هذه الرؤية، المهاجرون المسلمون على رأس تلك العناصر. 

كيف ينظر الأوربيون إلى المسلمين؟ 

تلاقت بالطبع تلك المشاعر مع ضغوطات اقتصادية، بالذات في العقدين الماضيين. ونتجت توجهات قوية من التيارات السياسية والقومية والعرقية التي رسّمت المهاجرين كأكباش فداء تلومها على المشاكل الصعبة التي تمر بها اقتصادات القارة وبالتالي مجتمعاتها. ويبقى من المهم توضيح اختلاف هذه الرؤية عن تلك التي تنظر للمسلمين كخطر. إذ تستند هذه الأخيرة على مغالطات فادحة بشأن الإسلام وتاريخه والثقافات التي خرجت من عباءته. 

في المقابل، هناك من يرى في مسلمي أوربا مشكلة ثقافية لا خطرًا بالضرورة. أي لا مشكلة مع الإسلام كدين أو مع المسلمين كأشخاص. لكنها الاختلافات الجوهرية بين الثقافات التي جاء منها هؤلاء المهاجرون والنظام الاجتماعي الذين يرونه جوهر أوربا. وعلى ذلك، في نظرهم، لا تعد الثقافات الأكثر تأثيرًا في المهاجرين المسلمين بالضرورة معادية لأوربا. لكنها، بعيدة تمامًا عن أساليب الحياة والتقاليد الاجتماعية الأوربية كما يعرفونها ويُعْرَفون بها. 

تحصر الرؤية التي تفسر صعود اليمين المتطرف نتيجة الضغوطات الاقتصادية، موضوع مسلمي أوربا في إطار محدود -إذ لا يشكل حجم الجاليات المسلمة أكثر من خمسة عشر مليون شخص- الغالبية الساحقة منهم مسالمون ومنتجون ودافعو ضرائب ومتأقلمون مع مجتمعاتهم- في قارة تعدادها نحو 500 مليون نسمة.

أما الرؤية التي تنظر إلى أوربا كهوية اجتماعية وأسلوب حياة، فترى في مسلمي أوربا واختلاف أساليب حياتهم مع الأساليب الأوربية المعضلة الأهم التي تواجه المجتمعات الأوربية الآن. وعليه يطالب أصحابها السياسة الأوربية بحلول فورية، وهذه المطالبة من أهم القوى الدافعة في فكر اليمين المتطرف. 

الجاليات الإسلامية ومأزق الاندماج الأوربي

وبصرف النظر عن الدوافع الكامنة وراء أصحاب الرؤيتين، تظل النتيجة أنَّ هناك تركيزًا سلبيًّا كبيرًا على مسلمي أوربا. والحقيقة أن هناك أسباب قديمة ومتراكمة وراء تلك النظرة السلبية، أولها أنه بعد نصف قرن تقريبًا من وجود مجموعات إسلامية ذات وزن في عدد من المجتمعات الأوربية، ما زالت فكرة اندماجهم في تلك المجتمعات، بل أحيانًا حتى وجودهم نفسه، قضية مطروحة للتساؤل.

ولعل القول الظاهر في عدد من المجتمعات الأوربية -أن مسلمي أوربا ربما سيظلون هنا للأبد، لذا بالطبع يستحقون نفس الحقوق، لكنهم «ليسوا جزءًا منا»- دال على عمق هذه المشكلة.

تراكم جزء من المشكلة بسبب مشاعر الانكفاء داخل الجاليات الإسلامية. ذلك أن هناك مجموعات كبيرة من مسلمي أوربا كانت ولا زالت شديدة الحرص على بناء حياة لها في القارة وعلى الحصول على جنسيات الدول التي استقرت فيها. مع ذلك تظل حذرة من تأثر أبنائها وبناتها بالقيم الغربية خاصة المتعلقة بثقافة الحياة الأوربية.

وعليه، كثيرًا ما رأينا عائلات مسلمة تخشى أن يتحول الجيل الثاني أو الثالث منها إلى «أوربيين». ولا شك أن ذلك التخوف خلق وإن بدون قصد ابتعادًا اجتماعيًّا وفكريًّا عن المجتمعات التي اختار هؤلاء المهاجرون العيش فيها.

بالطبع من السهل القول أن المشاعر الأولى فيها استعلاء وعنصرية ضد المهاجرين، وأن المشاعر الثانية أمر طبيعي في مجتمعات مفتوحة ثرية بتنوعها. لكن ذلك كلام لا يحِل المشكلة. كما أن الكلام السهل لا ينفي أن التباعد في المشاعر والإحساس بالاندماج وصل الآن الى حد الخطر. 

ومن مكامن الخطر في هذا التباعد أن الأفكار التقليدية حول اندماج المسلمين في مجتمعاتهم الأوربية تبينت أنها أبعد ما تكون عن الواقع. مثلاً في السبعينيات والثمانينيات، كانت الفكرة الرئيسة وقتها أنَّ الوقت سيُقرِب الرؤى. القرب بمعنى أنَّ المجموعات المهاجرة القادمة من ثقافات إسلامية ستقترب مع مرور الزمن أكثر وأكثر من أساليب الحياة والقيم الأوربية.

التقارب الثقافي والهوية الأوربية 

وإذا ما استثنينا التفكير الفوقي والنظرة المتعالية في ذلك التصور، كان هناك قدر من الواقعية في ذلك. إذ من الطبيعي أن تكون الأجيال الجديدة من المهاجرين أكثر قربًا ثقافيًّا بكثير من الجيل الأول، فالأجيال التالية نمت وكبرت في تلك الدول. وبالفعل حدث شيء من ذلك. واقترن القرب بالرغبة التقليدية لدى الكثير من المهاجرين في كل أنحاء العالم و على مدى التاريخ بالنجاح والتفوق.

وعليه وجدنا عشرات الآلاف من الأطباء و الصيادلة والمحامين وغيرها من المهن ذات العائد المرتفع يشغلها أناسٌ من أصول مهاجرة ومسلمة. وبالرغم من ذلك، ظل القرب الثقافي في أساليب الحياة والقيم أقل بكثير مما تصوره وتأمله أصحاب ذاك الرأي في السبعينيات والثمانينيات.

ولعل هذا مربط الفرس، ذلك أن فكرة التقارب الثقافي التي أرادتها أوربا لم تسندها أي سياسات جادة من جانب أغلب الحكومات الأوربية. على العكس، في عدد من الدول حيث تتواجد التكتلات السكانية الأكبر من المهاجرين من ثقافات إسلامية، ما أراده المجتمع الأوربي من وجود المهاجرين كان تأمين عمالة رخيصة تعيش على حافة المجتمع، بدون التفكير في أية ترتيبات اجتماعية تمهد لاندماج العمالة في المجتمع.

ولعل الخطأ الأكبر يقع على عاتق النخب السياسية، إذ لم يُفكِروا في هوية أوربية وفي الأطر الاجتماعية التي تستوعب مجموعات مختلفة ثقافيًا عن تلك التي شكلت أوربا التاريخية. 

هناك نقطة أخرى يخشى الكثيرون ذكرها في العادة، لكنها واقع كان له تأثيره. وهي أنَّ أغلب تلك العمالة -ممثلة في الموجات الكبرى من المهاجرين لأوربا طيلة العقود الخمسة الماضية- جاءت من طبقات اجتماعية في بلادها الأصلية هي الأقل تعرضًا وتأثرا بموجات التمدن والإطلاع على الثقافات الغربية في بلادها. ولذلك كانت تلك المجموعات ربما أقل قابلية للتأقلم مع المجتمعات الأوربية التي هاجرت إليها بحثًا عن الرزق.

والذي حصل بالفعل، أن الكثيرين في تلك المجموعات الأولى رضوا وأحيانًا فضلوا أن يعيشوا على حافة المجتمعات التي هاجروا إليها. والنتيجة أن جزءًا كبيرًا من تلك المجموعات عاشت الغربة الأشد في أوربا الليبرالية شديدة التمدن. 

السلطة والتجانس الإسلامي-الليبرالي 

ووراء الفشل في تحقيق ذلك التقارب الثقافي، يكمن سبب آخر. ذلك أنَّ كل ما قُدِم في العقود الثلاثة الماضية كحلول لمشكلة البُعد الثقافي كانت أفكارًا قادمة من أعلى، من سلطات سياسية ودينية، وأحيانًا كثيرة بلا مصداقية، وتقريبًا بلا علاقة بواقع حياة الغالبية الساحقة من المهاجرين من مسلمي أوربا. 

من ذلك أنَّ عددًا كبيرًا من تلك الحلول المفترضة قامت على تحليلات رجال دين تقدم الدين الإسلامي متجانسًا مع الأفكار الليبرالية غير الدينية. وبصرف النظر عن كون هذه التحليلات قابلة للطعن بسهولة، فالمشكلة أنها تصورت أنَّ الغالبية من مسلمي أوربا ينتظرون آراء شيوخ لم يسمعوا بأغلبهم من قبل.

شيوخ لا معرفة لديهم بطبيعة حياة مسلمي أوربا، حتى يقدموا لهم تصورات حول شكل الحياة الممكن في تلك المجتمعات الأوربية. وبالطبع سرعان ما أصبحت تلك الآراء الدينية صناعة يكتسب منها كثيرون.

لكن تلك الحلول المفترضة عقدت من المشكلة، إذ تفترض وتُقدِم المسلمين كنقيض لكل مكونات المجتمعات الأوربية، منتظرين آراء شيوخ دين ينظمون لهم حياتهم وشؤونهم وهم -أي رجال الدين- أنفسهم أبعد ما يكونوا عن الفكر والقيم الأوربية. 

تطرف التيارات السياسية وإعاقة اندماج المسلمين 

أضِف إلى ذلك، العنف باسم الإسلام. سواء أجاء من جماعات منظمة أو أفراد، فإن الهجمات المتتالية من مسلمين في أوربا زادت من سلبية الصورة العامة عنهم، ليس بنية اتهامهم، لكن كتذكير بمشكلة عويصة تواجه أوربا آتية من داخل هذه الجاليات الإسلامية. وبالطبع رسَّخ ذاك التصور من الاقتناع بوجود مشكلة ثقافية عميقة تعيق اندماج المسلمين في الهوية الأوربية.

ومما عقد الوضع أن السياسة الأوربية أخذت تواجه مشاكل كبيرة. فاليمين المتطرف تطور من مجرد ظاهرة غضب إلى قوة فِعل وقرار هامة في عدد من الدول الأوربية، بما فيها غرب أوربا، القلب السياسي والاقتصادي للقارة.

وعليه بدأنا نرى تيارات سياسية ذات وجود في المجالس النيابية، وبعضها داخل السلطات التنفيذية، تدفع نحو تشريعات تتعامل بها مع ما تسميه بوضوح «مشكلة الإسلام في أوربا». والواضح هنا، أن تغيرًا في روح السياسة الأوربية أخذ يطرأ، وأن الدروس التي استوعبتها من تجارب الفاشية في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي بدأت في التلاشي من وعي الكثيرين، خاصة الأجيال الشابة. 

المشكلة إذن عميقة، وهناك أسباب مختلفة تُعقِدها. والمؤكد أن تلك الحلول الآتية من فوق، والتي تعتمد على أفكار سياسين ورجال دين لن تصل إلى شيء. لكن هناك ثلاث طرق قد تكون ذات فائدة.

الأسلمة ومشكلة الاندماج الثقافي

أولًا، ينبغي إدراك أنَّ مشكلة البُعد الثقافي بين مجموعات كبيرة من مسلمي أوربا وبين الجزء الأكبر من المجتمعات الأوربية لا دخل لها بالإسلام، الدين الذي مرَّ في خمسة عشر قرنًا من التاريخ والتجارب، وخرجت من رحمه عشرات المدارس الفكرية. وعليه، فإن فيه الكثير والكثير الذي يمكن أن يُؤخذ لقول إنه قابل أو غير قابل للاندماج مع المدنية اللادينية السائدة في أوربا.

و لذلك فان أي فِكْر أو قول في ذلك الموضوع هو بالضرورة انتقائي، قابل للأخذ والرد. و عليه سوف يفتح حوارات لن تنتهي. وكل هذه الحوارات والآراء الفقهية، كما أسلفت، بعيدة عن جوهر المشكلة بل تصب في العمق. والنقطة الأهم: أن الغالبية الساحقة من مسلمي أوربا لا يعنيهم، ولا ينتظرون، أفكار شيوخ، سواء في العالم العربي أو أوربا، حول حياتهم ووجودهم في مجتمعاتهم الأوربية. 

ثانيًا، يتعلق بالسؤال المهم حول دور الإسلام في المجتمع والتشريع والهوية والسياسة، أو ما يسمى بفكرة «الأسلمة» (Islamism). إذ من المهم فهم ذلك الدور وعدم انحصاره في خير أو شر، بل تعبيرات مختلفة عن التفسيرات المختلفة للدين وتداخله في أساليب حياة مجتمعات مختلفة في قارات مختلفة على مر الخمسة عشر قرنًا التي هي عمر الإسلام.

معنى ذلك أن الجزء الأكبر من الأفكار المتبلورة حول تقاطع الدين بالدولة والتشريع والهوية والسرد الاجتماعي والسياسة أتت نتيجة تلك التفاعلات عبر الزمن، في أُطر ثقافية وسياسية مختلفة. وعليه ظهرت أفكار ومفاهيم وأدوار للدين شديدة الاختلاف عن بعضها البعض.

المهم هنا إدراكُ العامل المؤثر في حياة مسلمي أوربا في مجتمعاتهم الأوربية. ولا يقتصر ذلك في فهم الدين أو دوره، بل تفاصيل الاجتماع السياسي لكل مجموعة في كل مجتمع أوربي على حدة. 

مستقبل مسلمي أوربا

بالإضافة لذلك، ينبغي التركيز الرئيس على المجتمع المدني، لا الهيئات الدينية أو السياسية التي تدعي تمثيلًا كبيرًا في أوساط المهاجرين. ويعني المجتمع المدني هنا الجمعيات أو التجمعات المعنية بالتعليم والفن والتجارة، أو غيرها من الأعمال والإبداعات التي تربط المهاجرين ببقية المجتمعات الأوربية. 

قلب الفكرة هنا هو الاتصال والتعامل الجمعي لا الفردي. ذلك أن عشرات الآلاف من مسلمي أوربا حققوا نجاحات فردية. لكن غالبية هؤلاء دخلوا في صفوف أعلى الطبقة الوسطى، بعيدًا عن تفاعل الأجزاء الكبرى من المجتمع. لذا فالأهم هنا العمل على توسيع دائرة ومجال تعامل المسلمين من الطبقات العاملة مع المجتمع الأوربي الذي هم فيه.

وكما حدث مرات عديدة مع مجموعات مختلفة من المهاجرين عبر التاريخ (خاصة في أوربا) فإن التداخل والتفاعل من خلال المجتمع المدني هو الطريق في بناء علاقات إنسانية عادية بعيدة عن السطحية والأحادية والصور النمطية (stereotyping). عن طريق تلك التعاملات والتداخلات، سيدخل مسلمو أوربا في عمق المجتمع، في حركاته وحتى صراعاته، ومع الوقت يصبحون جزءًا من الهوية الأوربية، لا جزءًا من البنية الاقتصادية لتلك المجتمعات الأوربية فحسب. 

قد يبدو الطريق سهلًا، إلا أنه لم يحدث مع الغالبية الساحقة من الجاليات الإسلامية في دول أوربا. بل على العكس، أغلب الحالات الشهيرة في العقدين الماضيين لتعاملات اجتماعية كبرى في أوربا مع الجاليات الإسلامية كانت حول الأوضاع الخاصة بالمسلمين، إما حمايتهم من حرية التعبير الغربية أو حماية المجتمع من احتمالات التعصب الديني. وفي الحالتين، تعاملات كهذه ترسخ التباعد ولا تبني أي تداخل مدني. 

هناك طريق آخر مهم: المشاركة الثقافية الجادة. ليس كما حدث في العقد الماضي مع ظهور عدد من الكوميديين الذين يقدمون فقرات مضحكة عن المهاجرين أو عن التوتر من وجودهم في المجتمعات الأوربية، بل المشاركة الجادة لمفكرين وأدباء وفنانين مسلمين أوربيين يستطيعون مع الوقت أن يضيفوا إلى الوجدان الجمعي الأوربي. و هذا نادر جدًا حتى الآن. 

تلك النقطة في غاية الأهمية لأنها كانت، في عقود مضت، الطريق الذي دخلت منه مجموعات أخرى من المهاجرين إلى الوجدان الأوربي. ليس من خلال طلب معاملة خاصة فيما يتعلق بحرية التعبير، ولا الرجاء بالنظر من إطار مختلف عن الخوف من الإرهاب، بل من خلال إبداعات تلك المجموعات السابقة من المهاجرين- إبداعات فكرية وثقافية وفنية فرضت نفسها على النقاشات في المجتمعات الأوربية، وطورت من الرؤى الأوربية للتاريخ ومن ثم للحاضر.

ذلك أن الفكر والفن كانا دائمًا على مر كل العصور أرقى وأقوى الطرق التي يرى «الآخر» منها الحقيقة، ويطور فهمه لما لا يعرفه وربما يخشاه. المشكلة عميقة وقد تجذرت طيلة عقود طويلة، وتعقدت أكثر في العقدين الماضيين. لن يفيد في حلها الصوابية السياسية الخاوية من قيمة فعلية، ولا ما يُقال عنه حلول نابعة عن مفاهيم دينية بلا مستمعين ولا تأثير في حياة غالبية مسلمي أوربا.

الطريق الوحيد ارتباط تلك المجموعات المسلمة بالمجتمعات التي هاجرت إليها وبناء مستقبل فيها. وأظنه من الحتمي التأكيد أن فقط تلك المجموعات هي التي عليها التحرك لبناء وترسيخ تلك الروابط، فلا أحد من السلطات السياسية ولا الدينية قادر على إيجاد الحل غيرها. والواقع أن الوقت محدود، فإذا لم تتحرك المجموعات الإسلامية الأوربية الآن، لربما يأتي الغد القريب بمخاطر عليها أكثر بكثير مما ظنته ممكنًا.

أورباالأقلياتالإسلامالعنصريةالهويةالثقافةالسلطة
مقالات حرة
مقالات حرة
منثمانيةثمانية