لقمان سليم: أربع رصاصات في الرأس والخامسة في ظهر لبنان

عُثر على جثة الناشط اللبناني لقمان سليم في سيارته، ليعيش بعدها لبنان في أزمة خوف من عودة سلسلة اغتيالات حزب الله.

صباح الخميس الماضي، نشرت رشا الأمير على تويتر وفيسبوك رسالة مفادها انقطاع الاتصال بأخيها لقمان سليم الذي كان في زيارة إلى معارف في الجنوب، وطلبت مساعدة الأصدقاء. تحدَّد موقع هاتف لقمان بتقنية البحث عن بعد، وعثر عليه مرميًا إلى جانب الطريق بينما لا أثر للقمان ولا لسيارته.

بعد ساعات من بزوغ ضوء النهار، عثر على جثة لقمان سليم في سيارته على بعد عشرات الكيلومترات من موقع العثور على هاتفه، مصابًا بخمس رصاصات: أربعة في الرأس والخامسة في الظهر، وتبدو عليه آثار تعذيب.

لقمان، الناشط في وجه الطائفية

ليس من السهل اختزال شخص كلقمان سليم في تعريف سريع، فهو مثقف وناشط وناشر ولغوي وصانع أفلام، لعب دورًا كبيرًا في أرشفة تاريخ الحرب الأهلية اللبنانية (1975 – 1990) لاسيما ملف المفقودين. وأنتج مع زوجته مونيكا بورقمان فيلمين وثائقيين أحدهما عن مجزرة صبرا وشاتيلا والآخر حول سجن تدمر في سوريا. كما شرع قبل اغتياله مشروع أرشفة يوميات الحرب السورية.

دون هذا، لقمان لبناني شيعي مقيم في دارة عائلته بالضاحية الجنوبية، ولم يخف على الإطلاق معارضته الحادة لحزب الله وسياساته في لبنان وخارجه.

وإلى جانب نشاطه الإنساني في قضايا اللاجئين الفلسطينيين والسوريين في لبنان، ونصرتهم في وجه الطائفية والعنصرية، عُرف لقمان سليم، مؤسس دار الجديد للنشر الذي تديره منذ سنوات شقيقته رشا الأمير، بلغة عربية بليغة كتابة وحديثًا.

وبالعودة إلى السنوات الماضية، كانت جريدة الأخبار المحسوبة على حزب الله و«محور الممانعة» قد هددت -على لسان رئيس تحريرها شخصيًا وبعض صحافييها- لقمان وأمثاله من «شيعة السفارة الأميركية»، وساقت لهم التهم المعتادة بالعمالة والتطبيع، وخاطبتهم بالقول «تحسسوا رقابكم» في تهديد واضح بالقتل.

يعدُّ الهجوم المعنوي وإلقاء التهم بالعمالة والتطبيع في مجتمع كهذا تحريضًا سافرًا على القتل. وليست حقيقة تلك التهم سوى تفصيل جانبي، أما التنفيذ فمرهون بالوقت والأحداث واللحظة المناسبة.

«المجد لكاتم الصوت»

قبل قرابة عام، وخلال الحراك الذي ملأ شوارع وسط بيروت؛ سارع لقمان إلى المشاركة ونصب خيمة تمثل مؤسسته «أمم للأبحاث والتوثيق». وشارك في نقاشات وندوات شهدتها خيم أخرى. لكن بعض مناصري حزب الله احتجوا أمام منزله في حارة حريك، واقتحموا ساحته، وألصقوا منشورات تحمل تهديداتٍ متنوعة من نوع: «المجد لكاتم الصوت» في مديح للسلاح المفضّل في الاغتيالات.

حينذاك، أرشف لقمان التهديدات وضمها لأرشيف أمم الغني والضخم. وأصدر بيانًا بليغًا يُحمّل فيه المسؤولية بالاسم لكلٍّ من حسن نصر الله ونبيه بري، اللاعبين السياسيين الشيعيين شبه المتفردين بالسلطة على الساحة اللبنانية، واللذين يسيطران بواسطة حزب الله وحركة أمل على منطقة الضاحية الجنوبية في بيروت سيطرة تامة.

كان لقمان على الدوام رجل نقاش وحوار واضح، يسمي الأمور بأسمائها، لكن برقي وأدب. معارضٌ «نبيل»، كما قالت أخته رشا أمام الكاميرات في دارة العائلة عقب العثور على جثته.

رأى كثيرون في الاغتيال استمرارًا لنهج بدأته أدوات إيران في العراق باغتيال هشام الهاشمي وغيره من الناشطين العام الماضي. إذ تطلّب ازدحام الشوارع بالمتظاهرين المحتجين على التواجد الإيراني في كلا البلدين فعلًا يعيد -أو يحاول أقله- إعادة إحكام القبضة الحديدية.

بينما يواصل الغرب سياسة المهادنة، في مواقف لا هي حارة ولا باردة، يعلم هوية  الفاعل ولا يسميه، ويعتقد بإمكانية التفاوض معه وتغيير سلوكه. سياسة المهادنة ذاتها التي وقعت فيها قوى سياسية لبنانية عُرفَت وما زالت بمناهضتها للمشروع الإيراني القائم عبر حزب الله في لبنان والمنطقة، إلا أنها تتعاون معه وتضع يدها في يده بحجة الواقعية السياسية.

لبنان بين يديّ حزب الله

منذ نشأته أوائل الثمانينيات وتاريخ حزب الله حافل بخطف واغتيال ناشطين ومثقفين وكوادر شيوعية ويسارية شيعية، حاضنة لحالة المقاومة ضد إسرائيل قبل وجود حزب الله. تاريخٌ يعرفه كل أهل الجنوب من شيعة وسنة ومسيحيين، ولا ينكره إلا جاهل أو كاذب. ومهدت هذه الاغتيالات لاحتكار الحزب حالة المقاومة لغاية في نفس مؤسسيه ورعاته.

ثم عادت موجة الاغتيالات عام 2005،  بدءًا برفيق الحريري ورفاقه، ومثقفين وصحفيين مثل سمير قصير وجبران تويني. تطول القائمة، وتظل أصابع الاتهام موجهة لحزب الله بمشاركة النظام السوري. حتى المحكمة الدولية في حكمها المخيب للآمال في قضية اغتيال الحريري، أشارت بالاتهام إلى من هو محسوب دونما لبس عضوًا في حزب الله.

من نافل القول أن لبنان محكوم اليوم من حزب الله ومن خلفه إيران وبعض من النظام السوري المترنح. وإذا ما دلّ «سماح» حزب الله خلال الأعوام السابقة بوجود أمثال لقمان من معارضين صريحين ضمن البيئة الشيعية على ذكاء وحنكة وبراقماتية لدى الحزب؛ فإن الاغتيال اليوم دليل على أزمة، أزمة إفلاس الخطاب وتململ الجمهور الشيعي وغير الشيعي في لبنان، والحاجة إلى إشهار العنف الصريح  لغرس الخوف من جديد وقمع الأفكار قبل الأفعال.

أسىً كبير عمَّ أصدقاء لقمان ومن عرفوه في العالم العربي والعالم. رسائل المواساة  والتضامن انصبت على زوجته مونيكا صانعة الأفلام المبدعة وشريكة لقمان في كل شيء، وأخته الأديبة والناشرة والنبيلة العطوف، رشا الأمير. وبالتأكيد والدته السيدة سلمى مرشاق، والتي يشع نبل أصلها وفكرها وفاجعتها بفقدان ابنها من عينيها. 

في المقابل، تقاسم  جمهور حزب الله الأدوار على وسائل التواصل الاجتماعي: قسم يهدد من يوجه إلى الحزب أصابع الاتهام، وقسم يهلل للاغتيال، وقسم يشمت بتعليقات على صفحة لقمان نفسه، وقسم يحلل ويقدم أسبابًا أخرى للحادث كالانتحار والخلافات الشخصية والمغامرات العاطفية! ويطالب بانتظار نتائج التحقيق الذي بات الجميع يتوقع منتهاه: لا شيء.

السلاح: صفر خوف

في غمرة الحزن هذه، يعيش لبنان مخاوف عودة عمليات الاغتيال، وتخطر التوقعات عن التالي على القائمة. فالقائمة طويلة، وثمة أسماء شبه معلنة مرشحة للالتحاق بلقمان، صحفيون وأكاديميون ومثقفون وناشطون. فهل سيُقتَلون بمفجر عن بعد، كما كان الحال في موجة اغتيالات رفيق الحريري ومن تلاه والتي حصدت المستهدف وأبرياء آخرين معه؟ أم ستكتفي «خفافيش الظلمة» بالخطف وكاتم الصوت؟ 

لا شك لقمان في مكانٍ أفضل اليوم، «نجمٌ يلمع في سماء الحرية». يعكس حزننا عليه حزننا على أنفسنا إذ فقدناه، والحالة التي أوصلتنا إلى فقدانه. لكن أتراها صدفة ارتكاب جريمة اغتيال لقمان سليم في الرابع من فبراير؟ بعد ستة أشهر بالتمام من انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس.

ستة أشهر لم تصل بها التحقيقات في جريمة بحجم كارثة إنسانية إلى أي خيط مقنع. ستة أشهر لم تفض إلى أي تبدل في واقع لبنان. فهل الاغتيال تكريس لواقع اللادولة؟ حيث لا إيمان بالقضاء ولا في أن ينال أي مجرم عقابه، ولا أمل في أن تنال الضحية حقها من العدالة. أشد ما كان موجعًا في تصريحات رشا الأمير والسيدة سلمى مرشاق يأسهما التام من القضاء اللبناني، يأسٌ عبَّر عن يأس شعبٍ كامل. 

وإن كُتبَ على حقيقة هوية المنفذ أن تظل -بالمعنى القانوني- مجهولة، فالمحرّض معلوم. هذه حقيقة لا يمكن لأحد إنكارها. والحقيقة الأخرى هي أن الصوت الحر لا يموت. سيظل الفكر والأخلاق والنبل والحقيقة سلاحنا ضد القتل. سلاحنا: صفر خوف. وسنظل نعلي الصوت والفكر لا السلاح، وستظلون قتلة وشامتين وشتامين. 

الأحزاب السياسيةالصحافةلبنانالسلطة
مقالات حرة
مقالات حرة
منثمانيةثمانية