كيف غيّر مالكوم إكس مستقبل العنصرية؟ حوار مع روان الفريح

كان لازمًا أن نسأل أنفسنا مجددًا، لم كان مهمًا أن ننتج فلمًا عن مالكوم إكس، أنكون وقعنا في فخ استيراد القضايا؟ أم أننا وقفنا أمام فرصة...

لم نكن نتوقع في بداية هذا العام -بعد أن نشرنا فلم مالكوم إكس- أننا سنواجه صيفًا من الغضب الأميركي الذي استعرّ بمقتل جورج فلويد على يد جهاز الشرطة الأميركية. وقفنا مشدوهين حينها، نحن الذين قضينا أشهر بحثٍ في التاريخ الأميركي الدموي للقضية أثمرت عن إنتاج فلم مالكوم -أبرز مناهض للعنصرية في التاريخ- بالتعاون مع رابطة العالم الإسلامي. وبعد خمس وخمسين سنة من اغتياله، أيعقل أن يظل المأزق الأميركي نفسه؟ 

ونحن نغلق ندوب ومهام هذا العام، كان لازمًا أن نسأل أنفسنا مجددًا، لم كان مهمًا أن ننتج فلمًا عن مالكوم إكس، أنكون وقعنا في فخ استيراد القضايا؟ أم أننا وقفنا أمام  فرصة توثيق روايتنا الخاصة بالقضية؟ في هذا الحوار، تجيب روان الفريح، منتجة فلم مالكوم إكس. 

من أين انبثقت فكرة إنجاز فلم عن مالكوم إكس؟ ولماذا مالكوم بالتحديد؟ 

كنت أقرأ سيرة مالكوم أثناء دراستي في أميركا. لم أعرف أي شيء عنه في ذلك الوقت، لا عن اعتناقه الإسلام، ولا مراحل حياته المتناقضة. وفوجئت في كل مرة قرأت فيها صفحة جديدة؛ من مروج مخدرات إلى قائد إسلامي أسود تستقبله كافة القيادات حول العالم.

غزت الفكرة رأسي حينها، خصوصًا أن مالكوم لم يُقدَّم إلى العالم الإسلامي برواية عربية. وبعد العودة للسعودية والعمل مع ثمانية، كان توثيق شخصية مالكوم إكس فرصة قد تفوتنا لو تأخرنا.

هناك العديد من الأفلام عن مالكوم، فما الذي يجعل فلم ثمانية مميزًا؟ 

اعترض المخرج الأميركي سبايك لي على إخراج مخرج أبيض لفلم عن مالكوم إكس، وأخبره أنه كأميركي أسود أحق بإخراجه، خصوصًا حين نأخذ بالاعتبار شخصية مالكوم وآراءه. وانتهى سبايك فعلًا بإخراج الفلم الذي أطلق عام 1992.

نحن على الجانب الآخر، ندرك -كعرب ومسلمين- حقنا في رواية قصة تحول مالكوم، من خطاب العنف والعنصرية تجاه البيض، إلى خطاب متفهم أكثر للإنسان والآخر.

صحيحٌ أن تغيّر نهجه الواضح كان محط نقاش الكثيرين، ولكن لم يُشدد من قبل على أن هذا التغيير الجذري في شخصيته حصل في مدينة «مكة»، مهد وموطن الإنسانية. 

لم يكن فلم مالكوم إكس تجربتك الأولى، إذ عملتِ على إنتاج فلم الثورة اللبنانية سابقًا، فما الذي اختلف هذه المرة؟ 

اختلف فلم الثورة اللبنانية كثيرًا، حيث كنا محكومين بوقت الثورة التي لا نعرف مستقبلها ومتى تنتهي فلم يكن معنا سوى يومين من تحديد الشخصيات والاستعداد للتصوير والإنتاج.

في المقابل، أخذ فلم مالكوم متسعًا أكبر في الإعداد والبحث. ولكن المشكلة الأكبر بين الفلمين، كانت الحدود الجغرافية. فالروابط بيننا وبين اللبنانيين سهلة الوصول، ومن لا يعرف ثمانية يتعرّف عليها بضغطة زر سريعة، فيعرفنا كصحافة سعودية.

أما مالكوم فكان قصة مختلفة، إذ كان الوصول للشخصيات وإقناعهم وتعريفهم بثمانية مهمة صعبة. وبدلًا من الوصول للشخصية المرجوّة مباشرة، كنت أدخل في سلسلة طويلة من الروابط حتى أبلغها. 

هل كانت ابنة مالكوم، إلياسه الشباز، الخط الأول الذي تصورته لإنتاج الفلم أم كانت هناك سيناريوهات بديلة على الطاولة؟ 

كنت أريد فردًا من عائلته يعرفه حق المعرفة، فالكثير من أصدقاءه ومن يعرفونه ماتوا. وكانت إلياسه إحدى الشخصيات التي وقع عليها الاختيار. 

من الصعب توثيق حياة شخص بعد موته. ولأصدقك القول، تأخرنا كثيرًا في تسجيل فلم عن مالكوم، لذا كان من المهم أن نتواصل مع إلياسه، ونسجل فلمًا عن والدها قبل أن تتبخر الفرصة بفعل الزمن. 

ما المصاعب التي واجهها الفريق أثناء الإعداد والتحضير للفلم؟

كانت محاولة إقناع إلياسه بحد ذاتها مهمة صعبة، فلم يكن بوسع الفريق أن يُكمل العمل بدونها. قضينا أسابيع في محاولة الوصول لبريدها الشخصي، وبعد حصولي عليه، قضيت أسابيع أخرى في محاولة التواصل معها وانتظار ردّها.

كانت تجهل ثمانية تمامًا. وحتى بعد أخذ موافقتها والسفر لأميركا، تراجعت إلياسه في آخر لحظة، لأنها لم تتصور فعلًا مدى جديتنا بالقدوم لأميركا. فكانت آخر محاولة لإقناعها صعبة للغاية.

تحدثت معها على الهاتف، وشاركتها فلم إدوارد سعيد. وشدّدت في محاولتي على الفكرة التي نسعى بفلمنا لتوثيقها، وهي أن نسلط الضوء على سيرته من منظور عربيّ إسلامي للعالم العربي. إذ لا يتوقف تأثيره على التاريخ الأميركي فقط، بل يمتد للعالم كله. وهنا فقط فهمت إلياسه مدى إصرارنا على التسجيل.

من جانب آخر، أرهقتنا مرحلة الإعداد. قرأنا كتبًا كثيرة وثقت حياة مالكوم، وشاهدنا كل ما أُنتج عنه من أفلام. أذكر أني كنت أعمل على الإعداد بعد منتصف الليل في نيويورك، وأسيل باعبدالله -في الجهة الأخرى من العالم- تشاركني العمل في صفحة مشتركة. 

بعد أشهر طويلة من الإعداد والتحضير، كيف تصفين مرحلة الإنتاج والسفر لتصوير الفلم ولقاء شباز؟ 

زرت موقع التصوير -خشبة مسرح «أودوبون»، حيثُ اغتيل مالكوم- قبل يوم من بدء التصوير. تأثرت كثيرًا لأن مالكوم كرمز لمناهضة العنصرية يعني لي الكثير.

وعندما التقيت بإلياسه، تأثرت أكثر لأن الشبه بينها وبينه -على  عكس أخواتها- يظهر جليًّا في تعابيرها وتقاسيم وجهها وأسلوبها في الحديث، كنت أراه بعينيها.

أردت أن أعرف أكثر، فسألتها أسئلة كثيرة، وكانت أكثر إجابة صادمة حينما ذكرت أن عائلة مالكوم ترى أن كاتب سيرته الذاتية «قصة حياة مالكوم إكس» (The Autobiography of Malcolm X) صوّر العائلة في مقدمته بشكل سيء. إذ قوّض الحقائق لأجل السرد القصصي الجاذب، وإحداها كانت تربية مالكوم في عائلة غير متعلمة وغير واعية بحركة مناهضة العنصرية ضد السود؛ لتكون نقطة انطلاق تعليمه وتعلمه القراءة في السجن على يد إلايجا محمد.

ولكن الحقيقة التي لم يؤكدها الكتاب، أن مالكوم كان طالبًا متميزًا بمعدل دراسي مرتفع، وأن لوالديه الفضل الأول في تعزيز قوميته وهويته السوداء، حيث كانوا جزءًا من منظمات مناهضة للعنصرية ضد السود، ويتبعون فكر ماركس قارفي.

في سلسلة وثائق ثمانية، ترجمت العديد من الرسائل والوثائق التي تناولت موضوع العنصرية، لم يشغلك هذا الأمر؟ 

العنصرية مشكلة ما تزال موجودة، ونحن نتعامل معها في سياقات مختلفة حسب المجتمع. لا أظن أن اهتمامي منحصر في مشكلة العنصرية فقط، بل في قضايا الأقليات عمومًا.

وصراحة، دائمًا ما تشغلني فكرة معاملة الإنسان للآخر ونظرته من منطلق فهمه له. لا يكفي أن يتبع فردٌ قيمًا أخلاقية وإنسانية في تعامله مع من يشبهه، ويبدلها أو يساوم عليها ويسوغ للأفعال غير الأخلاقية طالما تُسلط على من لا يرى نفسه فيه.

أتعجب كيف لا يستطيع رؤية الآخر كإنسان أولًا، خصوصًا في المعارك والحروب ومحطات الاختلاف، وأن يحتفظ الإنسان بعاطفته وقيمه وهويته حتى في المشاكل والأزمات والاختلافات الجوهرية، أمر في غاية التعقيد والصعوبة.

ما هي القضايا التي أثّر فيها مالكوم في مناهضته للعنصرية؟ وكيف يتذكره المجتمع الأميركي اليوم؟ 

لم ينحصر تأثير مالكوم على مناهضة العنصرية فحسب، بل امتد إلى الإسلام والهوية والتعليم والحروب وأيديولوجيا الأقليات والقوميات.

وفي الحقيقة، يمكن أن نقول بأن تأثير مالكوم ومارتن لوثر كينق كان نفسه، ولكن المختلف أن الجميع وبشكل خاص -البيض- كانوا ضد مالكوم؛ فلوثر مسيحي ومالكوم مسلم. إلى جانب أن لوثر حمل خطابًا ليّنًا، لجأ فيه للقوى الناعمة.

بينما أتى خطاب مالكوم حازمًا بأيديولوجيا واضحة. فسُوّق لكينق في التعليم والإعلام كمناصر للسود. وبالمقابل، هُمش مالكوم بشكل كبير في التاريخ الأميركي، ولم يأت ذكره في المناهج التعليمية سوى كمحرّض على العنف. وتذكر لي إحدى الصديقات من أصول سوداء أثناء دراستها لحركة الحقوق المدنية في المدرسة أن اسم مالكوم لم يمرّ سوى مرة واحدة في الكتاب وبشكل سلبي. 

 يركز جزء كبير من الفلم على صراع مالكوم مع منظمة أمة الإسلام التي كانت سببًا في اغتياله، كيف يختلف دورها اليوم؟ 

هذه قصة مهمة في صراع مالكوم مع المنظمة، وهي قصة أتباع المنظمة ما بعد مالكوم إكس نفسه. وتحتاج فلمًا جديدًا في الواقع [تضحك].

فعندما انشق مالكوم عن المنظمة، انقسم المنتمون لها إلى قسمين: أتباع مالكوم إكس الذين التزموا بتعاليم الإسلام، وأتباع إلايجا محمد الذي اتبعوا إسلامًا صوريًا.

وكان ابن إلايجا، والس دين محمد، في ذلك الوقت أحد أبرز الأعضاء. إذ عارض والده وآمن بمنهج مالكوم، ولكنه لم يبدأ أية إصلاحات داخل المنظمة إلا بعد وفاة إلايجا. فتغير بذلك دور المنظمة.

وللأسف، غاب جزءٌ كبيرٌ من هذه الإصلاحات بغياب والس. إلا أن أتباعه ومن تأثروا به وبمالكوم إكس ما يزالون موجودين حتى اليوم، وهم من يسمون بالبلالين

في هذا الصيف، غضب الشارع الأميركي من مقتل جورج فلويد، الذي لم يكن الضحية الوحيد لعنصرية جهاز الأمن الأميركي، لكن وفاته كانت فتيل غضبٍ شعبيٍّ كبيرٍ بخلاف غيره. برأيك وبعد خمسين عامًا من مقتل مالكوم والدكتور لوثر كينق، هل نجح مالكوم حقًا في تغيير مستقبل العنصرية؟

جابه المجتمع الأسود عارم الاضطهاد من البيض في الستينيات، ولم يكن بإمكان السود مواجهة عنصرية الشرطة واضطهادهم. وفي حادثة جرت أثناء وجود مالكوم في منظمة أمة الإسلام، اعتدت الشرطة على أحد الأعضاء وكسرت جمجمته.

لم يُؤخذ الرجل للمشفى، بل جُرّ إلى مركز الشرطة؛ ليطالب مالكوم بحق المواطن الأسود الذي عُنف، على أن يأخذه المركز بنفسه إلى المشفى.

مالكوم لم يكن لوحده، بل تقدّم جيشًا من السود الغاضبين الذين أفزعوا الشرطة التي هرعت بدورها مسرعة لإنقاذ الرجل الأسود المصاب. فحملوه في سيارة إسعاف، ولحق مالكوم وجنوده بهم على الأقدام.

لم يتجرأ أحد آخر على مواجهة الشرطة في ذلك الوقت بتلك الطريقة. وعلّق أحد أعضاءها أن «لا رجل ينبغي أن يملك مثل هذه القوة». ليس هذا فحسب، بل رفع مالكوم قضية على مدينة نيويورك باسم الرجل للمطالبة بتعويضه المادي جراء ما حدث، والتي كُللت بالنجاح.

مالكوم لم يكن رجلًا عاديًا بل حقوقيًا عظيمًا، ساهم في كشف الغمامة التي غطت أعين المجتمع الأسود، وتحديدًا في تغيير تعامل المجتمع الأسود ضد الاضطهاد والتمييز الذي لحق ويلحق بهم. إذ كان يصرح بشكل مباشر أن الشرطة لم تكن سوى الوجه الآخر من «الكلو كلكس كلان» Klu Klux Klan). 

كيف ساهم مالكوم في تغيير نظرة السود لأنفسهم بالفخر وتقبل الهوية السوداء؟ 

كان مالكوم من أفضل المتحدثين عن السود في التاريخ، بل كان أفضل حتى من مارتن لوثر كينق، في ذلك الوقت. تحدث عن تبييض التاريخ الذي تمثل في استبعاد وتهميش الرواية الأميركية للحضارات والثقافات الأخرى، وبشكل خاص الحضارة الإفريقية.

كما زرع شيئًا في المجتمع الأسود ومازال تأثيره يكبر ويمتد مع كل جيل. إذ كسر العديد من المفاهيم المترسبة، مثل ارتباط الغباء بالعرق الأسود أو ارتباط معايير الجمال بالشكل الأبيض وحده، حيث استخدام السود مادة كيميائية حارقة لفروة الرأس بغية تسريحه ليصبح ناعمًا مثل شعر البيض.

وفي إحدى أشهر خطاباته، يتساءل مالكوم، من علمنا أن نكره أنفسنا؟ البيض هم من زرعوا فينا هذا الكره. كُره شكلنا، شعرنا، كُره أنفنا المفطوس وشفاهنا الكبيرة. مالكوم نفسه كان يضع هذه المادة الكيميائية الحارقة والمؤذية لفروة الرأس على شعره، قبل أن يتوقف.

لاحقًا، ارتدى السود شعرًا مستعارًا ناعمًا ليواكبوا معايير الجمال في ذلك الوقت. ولكن الوضع اختلف اليوم قليلًا، فبدأ المجتمع الأسود بتصميم تسريحات شعر خاصة بهم تناسب جذورهم وهوياتهم، وهذا ما لم يحدث سابقًا.

ساهم مالكوم كثيرًا في تعاطي السود مع هويتهم ذاتها أولًا، ليصيروا أكثر تحررًا، ثم صراعهم مع الآخر لإثبات وجودهم وحقهم في العيش بعدالة. 

في إشارة له عن رد العُنف بالعُنف، يقول مالكوم إكس: «من الجرم أن تُعلم الإنسان ألا يدافع عن نفسه حينما يكون هو نفسه موضوع الجريمة.» برأيك، هل ينبغي للمقاومة أن تكون سلميّة بالضرورة لتحقق أثرًا إيجابيًا؟ 

لم يؤمن مالكوم بالقوى الناعمة، وهذه إحدى عيوبه. ففي أحد خطاباته، ردد مالكوم  «علينا أن نتوقف عن الغناء ونبدأ بالتمايل» (We need to stop singing and start swinging)، والمقصود بالتمايل هنا هو الشخص الذي يميل لليمين واليسار عند الملاكمة.

كان لهذه العبارة ذات الوقع الموسيقي دلالة رمزية، إذ عدّ مسيرة مارتن لوثر كينق -عندما وضع المتظاهرون أيديهم بأيدي البيض وغنوا We Shall Overcome– مسرحية تاريخية.

أكد مالكوم أن على السود استخدام قوى مادية بدل القوى الناعمة، بغية تحقيق المساواة والعدالة بينهم وبين البيض.

ولكني في المقابل، أميل إلى النظر إلى المقاومة بكلا جانبيها الماديّ والناعم. لا أظن أن العنف هو الحل، فللجانب الماديّ الذي يأخذ طابعًا سلميًّا بغرض تحقيق إصلاحات قانونية  أثرٌ كبير، ويصب في صالح المجتمعات بشكل عام.  

أخيرًا، عُرض الفلم في مسرح إثراء بعد أشهر طويلة من العمل، كيف كانت التجربة؟ 

كانت تجربة غنيّة بامتياز وجديدة جدًا على ثمانية. بدأت ببعض التحديات، ولكنها جميعًا كللت بنجاح باهر. 

أميركاالعنصريةحواراتفلم وثائقيالثقافة
مقالات حرة
مقالات حرة
منثمانيةثمانية