لماذا لا يُساعدُ التذكير بالله في التخفيف من الاكتئاب؟

لماذا لا يُساعدُ التذكير بالله في التخفيف من الاكتئاب؟

لهمام يحيى
25 فبراير، 2019

لماذا لا يُساعدُ التذكير بالله ورحمتِه ولُطفِه بعبادِه وبأنّك مؤمنٌ والمؤمن لا يجزَع ولا يحزن، وبأنّ من مقتضَيات الإيمان أن تصبر وتتحمّل، في التخفيف من الاكتئاب؟

هنالك العديد من الأسباب، منها:

أولًا:

لدين الإنسان ورؤيتِه للوجود أثرٌ مؤكَّد في صحّتِه النّفسيّة، لكنّ هذا الأثرَ ليس في اتّجاهٍ واحد، فليس كلُّ المؤمنين أكثرَ مناعة تجاه الاكتئاب والانتحار، ولا جميع الملحدين أكثرَ عرضةً له.

رؤية الإنسان للوجود تتفاعلُ مع عواملَ كثيرة، منها التكوين السيكولوجيّ للإنسان، وقد يؤدّي هذا التكوين إلى أن تستحوذَ بعضُ مفاهيمِ الدّين الجزئيّة على رؤيتِه للوجود، من قبيل عدم الاغترار بالدّنيا، وأنّها دار زوال، وأنّ الموتَ قد يقعُ في أيّ لحظة، وأن العافية تتبدّل، وأنّ قلبَ الإنسانَ متقلّب، والمؤمنُ الذي لا يرى من الإيمان إلا هذا الوجه قد يكونُ أكثر عرضة للاكتئاب من الملحد، ولذا فتذكيرُه بالدّين والإيمان لن ينفعَه.

ثانيا:

 ثمّة فرقٌ بين أن يكونَ لدى الإنسانِ رؤيةٌ دينيّة للوجود تعينُه على فهم وتحمّل ما فيه من مصاعبَ ومشاقّ وابتلاءات، وأن تكونَ هذه الرؤية مبنيّة بهدوء ورسوخ على مدى سنوات طويلة بحيث تُصبحُ جزءا لا يتجزّأ من تفكيرِه، فإذا وقعَ الاكتئابُ كان لدى المرء ذخيرةٌ نفسيّة تُعينُه على مقاومتِه وتحمّلِه، وبين أن يُحاولَ المرءُ بناء رؤية دينيّة في وقت الاكتئاب والضّيق.

يُشبهُ الأمرُ -مع التجوّز- الفرقَ بين أن تكونَ رياضيًّا يُمارسُ الرياضَة كلَّ يوم، ثم يُصيبُه التهاب رئويٌّ حادّ يؤدّي إلى وضعِه على جهاز التنفّس الاصطناعي. هذا الشخصُ ستعينُه رياضتُه اليوميّة على استعادة تنفّسِه الطبيعيّ لأنّ تكوينَه قويّ.

لكن لو حصل الأمر نفسُه مع مدخّن لا يُمارسُ الرياضة أبدًا فسيكون تعافيه أصعب، ولن يستطيع بناء جسمٍ قويّ في مرضِه!  بالتّالي، سببُ الاكتئاب ليس نقصَ الدّين -كما أنّ سببَ الالتهاب الرئويّ ليس ضعف التكوين العضليّ، بل الجرثومة- لكنّ نقصَ الدّين -ضعف التكوين العضليّ- قد يجعلُ التعافيَ أصعب.

ثالثًا:

 ينقسمُ إدراكُ الإنسان -مع التبسيطِ الشديد- إلى جزء انفعاليّ (emotional) وجزء معرفيّ (cognitive) .. بين الجزءَين اتّصالٌ عميقٌ ومُعقَّد، لكنّنا -خلافًا لما نُحبّ أن نعتقدَ عن أنفسِنا- تؤثِّرُ فينا الانفعالات بدرجة كبيرة في تكوين معتقداتِنا الدينيّة، ومواقفِنا الأخلاقيّة، وأحكامنا الاجتماعيّة وانطباعاتِنا عن البشر.

إذا تشكّلَ لدى الإنسان انفعالٌ سلبيّ تجاه فكرةٍ ما، فمن الصّعب جدّا تغييرُ هذا الانفعال من خلال محاججتِها معرفيًّا .. بالتّالي، مسألةُ وجود الشرّ في العالم تُثير انفعالًا عاطفيًّا سلبيًّا جدًّا لدى كلُّ إنسان، ورغم أنّ الإجاباتِ الفلسفيّة عليها قويّةٌ جدّا، إلا أنّها تظلُّ حاضرةً؛ لأنها تٌثيرُ انفعالًا قويًّا.

بالتّالي، مقاومة الانفعالات السلبيّة، وهي موجودةٌ بكثافة في الاكتئاب، لا يكونُ بمقابلتِها بحجاجٍ عقليّ بالدّرجة الأولى، بل بخلق انفعالات إيجابيّة مقابِلة. المكتئبُ الذي يُزعجُه وجودُ الشرِّ في العالم تُساعدُه ضحكة ابنتِه أكثر من كتبِ الفلسفة وعلمِ الكلام كلِّها.

رابعًا:

جزءٌ من معاناة المكتئبِ المؤمن أنّه قد يشكُّ في عدل الله ورحمتِه، بل قد يكونُ هذا أكثرَ ما يؤلمُه في اكتئابِه، فهو يُحدّثُ نفسَه: “أنا المؤمنُ المُصلّي الذي تدورُ حياتي حول رضا الله، أشكُّ في عدلِه ورحمتِه؟”. بالتّالي، فتذكيرُه بالله والدّين يُذكِّرُه أصلا بأصعبِ ما في اكتئابِه!

الاستراتيجيّة التي أتبعُها مع مرضاي في معالجة الأمر، هي أن أقولَ لهم:

“وما المشكلة في أن تشكَّ في عدلِ الله ورحمتِه؟ أنتَ لستَ مُلحِداً متحمِّسًا يملأ الانترنت بنقد الدين وإثبات عدم وجودِ الله، بل أنت تتألّم لأنّ تصورّك عن الله ليس بالكمال الذي تُريد، وبالتّالي فأنتَ تُعاني لتنزيهِه تعالى، وهذا قد يرفعُ درجتَك عندَه أكثرَ ممّن لم يُختبَر في محبتِه لربّه وإيمانِه بعدلِه ورحمتِه .. أنتَ ما تزالُ حيًّا وما تزالُ تفكّرُ وتبحثُ وتعيشُ تجربتَك .. لنفترضْ أنّك شككتَ في عدلِ الله لخمسِ سنوات أو عشر أو عشرين، من قال إنّك يجبُ أن تُجيبَ على جميع الأسئلةِ الآن؟”

هذه الاستراتيجيّة تُخفّف من رغبةِ المكتئبِ المؤمن في حسمِ كلّ شيء مرّة واحدة، وتصرفُ اهتمامَه إلى نفسِه واستعادة عافيتِه وإعادة بناء انفعالاتِه الإيجابيّة مع الوجود، أما الرؤية المعرفيّة فتتّزنُ وتعتدلُ مع خفوتِ الانفعالات السلبيّة وتحسّن الاكتئاب.


النشرة السريّة
النشرة انضم للآلاف من أصدقائنا السريين، وتصلك رسالة كل يوم سبت يشرف عليها فريق العمل كاملًا
×

×