الثورة على التطور

يخشى الناس كل ما هو جديد ومتطور، ليس فقط في عصرنا الحديث بل منذ سنوات طويلة وهناك نوع من أنواع الثورة على التطور، كحركة مناهضة الآلات في القرن التاسع عشر

ثمود بن محفوظ 8 أغسطس، 2016

في القرن التاسع عشر ما بين العامين 1811 و1816 انتشرت في المملكة المتحدة حركة مناهضة الآلات سميّت باللوديتس الذين كانوا عمّالاً في المصانع البريطانية، ثاروا ضد الآت الحياكة التي حلت محلهم في مصانع النسيج وقاموا بتخريبها والتهجم على أصحاب المصانع حتى أن الوضع تأزم لدرجة تدخل الجيش الملكي وبعدها بدأ نشاط الحركة في الهدوء إلى أن اختفت تقريباً.

تتضارب الروايات التاريخية حول الأسباب والدوافع الحقيقية لهذه الحركة، فالبعض يقول أن أعضاء الجماعة ثاروا ضد الآلات بسبب تسببها في فقدان وظائفهم والبعض الآخر الذي يقول بأن السبب هو أن جودة منسوجات الآلة لم تكن بنفس جودة منسوجاتهم اليدوية، وهو ما جعلهم يطالبون بأن تكون جودة انتاج الآلات عالية لأن الناس لن تقبل بالمنتجات السيئة، كما اشترطوا ان تدار الآلات من قبل عمّال لهم خبرة في هذا المجال، لكن الشيء لم يحدث وهو ما أثار حفيظتهم وجعلهم يقومون بالتخريب.

توجد بعض العوامل الآخرى التي أدت لنشوء مثل هذه الحركة وتوسعها، ففي ذلك الوقت لم يكن الاقتصاد البريطاني في أفضل حالاته وكان الحرب مع نابليون قد استنزفت الكثير من موارد الدولة وهو ما أثر على الاقتصاد وأوجد شحاً في الوظائف وأي خطوة لتقليل العمالة كانت مستهجنة فالعامل الذي سيصبح عاطلاً عن العمل سيكون من الصعب عليه العثور على وظيفة آخرى في تلك الظروف القاسية.

متى ماوجد التطور فإنك ستجد الكثير من الأصوات المنادية بالتخلي عن التطور لأنه يجعل الحياة أسوء ونحن الآن على أبواب عصر تطور من نوعٍ جديد.

على أعتاب عصر الذكاء الاصطناعي

في عصر الثورة الصناعية تم استبدال العمالة القوية واليدوية بالآلات التي لا تتعب ولا تمل ولا تطالب بزيادات في الرواتب، لكننا اليوم على أعتاب عصر الذكاء الاصطناعي الذي يثير مشاعر متباينة بين الناس وجعل العلماء ينقسمون ما بين مرحب ومحذر، فالمرحب يرى أن الذكاء الاصطناعي سيساعد على جعل الحياة أفضل وسيساهم في معالجة الأمراض وتقليل الحوادث وتسهيل الأعمال، أما المحذر فهو يرى أن الذكاء الاصطناعي متى ما وصل إلى مرحلة متقدمة قد يستبب بالكثير من الأذى على مستوى الوظائف وقد يتطور الحال لينتهي بنا الحال مثل البشر في فيلم The Terminator.

هل نحن نبالغ في ردة فعلنا تطور الذكاء الإصطناعي؟ لكن لو افترضنا أن عصر الذكاء الاصطناعي سيحتاج إلى 100 سنة من أجل الوصول إلى 50% من الذكاء البشري فإن قوانين اللعبة قد تتغير كليًا فكم من الوظائف تستطيع أن يحل محلها مثل هذا الذكاء؟ قدم CGP Grey فيديو كامل يتحدث عن هذا التطور وكيف أن الإنسان قد يؤول به الحال مثل أحصنة القرون الماضية والتي ارتاحت من العمل المتعب مع ظهور السيارات ولكن مع مرور الوقت أصبحت الأحصنة مجرد حيوانات تجدها في المنتزهات والمسابقات، ولا تعتقد أن الآلة لا تستطيع منافسة المبدعين فالفيديو يقدم لك أمثلة على آلات ترسم وتؤلف الموسيقى.

حتى لا نُصبح نعاج المزرعة

محبو الآلة لايعتقدون أن الوظائف ستتختفي بل ستتطور وسنرى في العقود القادمة ظهور وظائف بتخصصات جديدة تتلائم مع مستقبلنا المتغير، لكنني أجد أنه من الصعب علي الاقتناع بمثل هذه الحجج، فقد أتفق معهم بأننا قد نحتاج إلى العلماء والمهندسين في الفترة القادمة للمساهمة في تطوير الذكاء الاصطناعي ولكن حين تصبح الآلة أقوى وأذكى بين 200 سنة مالذي سيبقى للبشر؟ ماهي الحاجة لوجودنا، هذه السيناريوهات السوداوية تحدث عنها الكثير من الناس منهم البروفيسور نيك بوستروم في كتابه “Superintelligence” والذي قد يصفه بعض بأنه مجرد تكنو-فوبيا (خوف من الآت والتقنية)، وتوجد هناك أصوات كثيرة تؤيد فكر بوستروم وتدعوا الباحثين إلى أن تؤخذ الحاجات البشرية في الحسبان أثناء تطوير الذكاء الاصطناعي كي لا ينتهي بنا الحال مثل نعاج المزرعة.

لن نستطيع إيقاف عجلة التطور مهما حاولنا لكن ما نشهده اليوم هو شيء لم يسبق للبشرية أن شهدته من قبل. يجب على التطور أن يكون في مصلحة الإنسان وأن يساهم في جعل الحياة أفضل ولكن يبدو أننا قد نشهد خلال السنوات القادمة ظهور لوديتس القرن الواحد والعشرين ومن يدري لعلنا نكون من ضمنهم.

يعجبك محتوى ثمانية وتود أن تكون جزءًا من صناعته؟ #ثمانية تبحث عنك 👀 وتفتح باب التقديم على شواغر جديدة. قدّم الآن ، وكن طرفًا في صناعة مستقبل الصحافة.

اشترك في نشراتنا البريدية
اقرأ المزيد في المستقبل
فلم . المستقبل

إنهم يسمعوننا

بدأت السماعات الذكية في دخول حياة الكثير من الناس في الولايات المتحدة. هذه الأجهزة التي تقوم بالإستماع إلى أوامرك الصوتية سهلت الكثير من الأمور على الناس من السؤال عن الطقس وحتى شراء الحاجيات. حاليا يتصدر جهاز Echo من Amazon هذه الجبهة مع دخول Home من Google مؤخراً، وما هي إلا مسألة وقت قبل أن تقوم كل من مايكروسوفت وأبل بنفس الخطوة، فهم يمتلكون الذكاء الاصطناعي، وكل ما يحتاجونه هو بناء أجهزتهم وبيعها باسم Cortana وSiri. لكني لست هنا للحديث عن حرب السماعات الذكية، فهي حرب قادمة لامحالة ولكنني هنا لأعبر عن مخاوفي (مرة أخرى...وأخرى...وأخرى).
ثمود بن محفوظ
مقال . السلطة

أزمة اللقاح أمام الثقة الشعبية والتجاذب السياسي

بعد أن أعلنت شركتا «فايزر» و«بيونتيك»وصول فاعلية لقاحهما إلى نسبة 95%؛ أعلن المدير التنفيذي لشركة «بيونتيك»، إمكانية حصول اللقاح...
جنان الهاملي
مقال . المستقبل

علّموا الأطفال البرمجة في المدرسة

يُعد تعليم الأطفال البرمجة في المدرسة أحد الأهداف الطموحة التي يجب على الدول تبنيها، إذا كانت تملك الرغبة في مواكبة التطور التقني المتزايد كل يوم.
زيد إدريس
مقال . الثقافة

من صندوق سكينر إلى تحديثات فيسبوك

عمل سكينر على اختراع العديد من الأساليب والتقنيات النفسية للتعلم والتي نقلت علم النفس من أبراج التنظير إلى معامل البحث والتكنولوجيا.
فهد الحازمي
مقال . المستقبل

بين الماء والسّماء: النفايات البلاستيكية

أحد تلك الأمور المشينة التي يقترفها الإنسان بحق موارده الطبيعية هي تسببه في تلوث المحيطات من النفايات البلاستيكية على مدار سنوات طوال.
أسماء العتيبي
فلم . الثقافة

قصّة طالب مبتعث، كيف هي حياته بعد 15 سنة؟

فلم وثائقي عن مقتطفات من حياة طالب مبتعث، رامي الشافي. تجاربه بين تغيير التخصصات والبحث عن الشغف وسر النجاح. هذا الفلم إهداء لكل الحريجين والتائهين.
أسيل باعبدالله