الجادة 8
كيف غيرت السينما حياة مراهق
خالد تركي
الجادة 8
جنسية الفنّان السعودي، أهم من فنّه؟
علي المجنوني

في كل مرة يسأل فيها الناس عن الفترة التي يود الإنسان أن يعيش فيها للأبد دون أن يكبر أو يصغر، كنت أجيب “بالنسبة لي سنوات المراهقة” فأُجابه بنظرات الاستنكار والاستغراب. فمن يود العودة لاضطرابات النمو والتنمر في المدرسة، وتقلب المزاج، والخوف من السقوط في المدرسة، واختلاف وجهات النظر مع الوالدين. لكن هذا لم يكن مهمًا، كان لدي وقتها أهم شيئين في حياتي، الكثير من الفراغ والسينما.

وككل المراهقين، لم أولد لمجتمع فريد، أو لعائلة تختلف عن كل العائلات، ولم أحصل على تربية من أب خارق وأم ملائكية، ولم أدرس على يد أعظم الأساتذة الذين يرقون لمراتب الأنبياء. وكالجميع، كنت قلقًا وخائفًا من الفصل الجديد الذي بدأ في حياتي. لكن شيئا ما جعلني مختلفًا عن البقية. لم أكن أملك جوازًا للسفر، فجوازي قد سُحب مني عندما كنت في الخامسة من عمري بعد سحب جنسية عائلتي بسبب قضية سياسية اتهم بها جدي.

كان ذلك باعثًا الحزن في قلبي. فبينما كان الطلاب مع بداية كل فصل يتحدثون عن جولاتهم السياحية في كل أصقاع الأرض، كلٌ حسب إمكانياته المادية، كنت ألوذ بالصمت. لم أنس بداية إحدى تلك السنوات حينما سأل المدرس جميع طلاب الفصل عن مكان سفرهم. كان الطلبة الذين ينتمون لعائلات أقل غنى يسافرون لأقربائهم في البلدان المجاورة على الأقل أو إلى العمرة، بينما يسافر الآخرون للتنزه في مختلف البلدان. بدا جوابي بكلمة “لا” شاذًا وغريبًا على الفصل.

لكن شيئًا ما غيّر حياتي إلى الأبد عندما كنت في الثالثة عشر من عمري. بينما كنت أقلب التلفاز، وقعت عيناي على مشهد لممثلين يجلسان على ظهر سيارتهما، يدخنان السجائر ويتأملان فجر مدينة سان فرانسيسكو وهو يهم بالانبلاج من فوق إحدى تلالها الشهيرة. عرفت حينها أنني أنتمي إلى ذاك العالم. عرفت حينها أنني حصلت على جسر يعبر بي إلى الحياة التي أريدها. عرفت أنني وقعت على جواز السفر الخاص بي.

كانت تقنية التورنت لتحميل ومشاهدة الأفلام في قمة رواجها آنذاك. يقوم مجموعة من الصعاليك الشباب بقرصنة أفلام كبريات شركات الإنتاج وتسريبها عبر الإنترنت. مكلفين إياها خسائر تبلغ مليارات الدولارات. ذلك، ليقوم الشبان الآخرون في العالم بمشاهدتها دون تكلفة تذكر.

مكنتني السينما من أن أعيش حياة طفل إيطالي في صقلية. وشاب فرنسي في أزقة باريس. وعامل أميركي في مصانع ديترويت. وعجوز صينية في أقصى بكين. ومجرم برازيلي في شوارع ريو دي جانيرو.

وبدلاً من حياة واحدة مملة، أعطتني السينما آلاف الحيوات. عشت من خلالها في كل فترات التاريخ، راعي بقر في تكساس قبل مئتي عام، وأميركيًا أسودًا يعاني من الاضطهاد قبل مئة عام، وراهبًا كاثوليكيًا فاسدًا قبل خمسمائة عام، وثائرًا أسكتلنديًا قبل سبعمائة عام.

أوقدت الأفلام مخيلتي. حسنت من ذائقتي. وغيّرت نظرتي نحو نفسي ونحو الحياة للأبد. لا زلت أذكر ساعات الدهشة التي حظيت بها عندما انتهيت من مشاهدة فلم إلى البرية لأول مرة. انتابتني رغبة عارمة بحرق كافة أوراق الثبوتية والعيش في البرية كما فعل بطل الفلم. لكن شيئًا واحدًا منعني، لم يكن هناك سينما في البرية.

بعد نهاية كل فلم، كان هناك صوت يرن في رأسي “انتهت القصة التي أراد المخرج حكايتها، الآن هو دورك في عيش القصة”. لا زلت أذكر أني حاكيت دور آلباتشينو في فلم العراب يومًا كاملاً. ومشيت أعرجًا لعدة ساعات بعد مشاهدتي “مشتبه بهم اعتياديون” وحاولت تخيل نفسي كتاجر مخدرات عليه أن يدخل السجن بعد ساعات في “الساعة الخامسة والعشرين“.

بعد شارة “The End” نهاية كل فلم، كانت ردة فعلي البكر هي التي تعبر عن رأيي فيه بكل صدق. وحتى اليوم لا تزال هذه العادة مرافقة لي، فعندما أريد التوصية بفلم ما، أحكي للموصى له ردة فعلي بعد مشاهدته فقط. أذكر أني وضعت يدي على رأسي من فرط الدهشة بعد نهاية “سينما باراديسو” وصفقت طويلاً نهاية “أماديوس” وبكيت متحسرًا ومندهشًا في آن واحد بعد “التاريخ الأميركي”.

بفضل أفلام وودي آلن، عشقت مدينة نيويورك، وعرفت أحياءها الخمسة، وأزقتها المتداخلة، وبناياتها الشاهقة، وشققها الضيقة. عرفتها أكثر مما عرفت مدينتي. صار لهذه المدينة الحالمة طابع غريب بالنسبة لي. وعبر الأفلام وحدها فقط، عرفت أن الملايين يشاطرونني الشعور الغريب نفسه هناك سر ما في كتلة الإسمنت القبيحة هذه يجعلك تعشقها. شيء أبعد من وودي آلن نفسه، حتى أن فرانك سيناترا غنّى بها أجمل أغنية في حياتي “نيويورك، نيويورك“. وإذا ما سألني أحد، هل زرت نيويورك من قبل؟ أقول له أنني عشت فيها وأحببتها رغم أني لم أزرها!

وعلى عكس القراءة التي تطلب منك إعمال جزء من خيالك لتعيش تجربة واحدة، كانت السينما تعطيك خيالين، خيال المخرج لتعيشه أثناء المشاهدة وخيالك بعد نهاية كل فلم وأنت تتذكر الأحداث.

غيّرت السينما نمط حياتي، صار لباسي المفضل في الشتاء هو معاطف الجلد كما في أفلام المافيا الإيطالية. وصار طبقي المفضل هو أضلاع اللحم كما يأكل الريفيون الأميركيون. كوّنت السينما ذائقتي الغنائية، كموسيقا الكانتري وفرقة البيتلز وفرانك سيناترا وإلفيس بريسلي. وبالرغم من هذا، لم أسمح للأفلام أن تسلبني من هويتي. لم أصبح مسيحيًا لإعجابي بفلمٍ عن كفاح الرهبان،.ولم أؤيد حق إسرائيل في الوجود، لأنني تأثرت بمشاهدة فلم يحكي قصة المحرقة النازية. وإن كان هناك من قيمة استفدتها من السينما فهي “ابق معتزًا بجذورك!”.

واليوم، وبعد كل سؤال يُرمى عليّ استنكارًا وتعجبًا بعد اعترافي بحنيني إلى فترة المراهقة، صارت لدي إجابة واضحة. لقد عشت في مراهقتي 525 حياة مختلفة. سافرت إلى كل بقاع الأرض رغم أنني لم أركب طائرة في حياتي حتى الآن. واستمتعت بالسياحة أكثر من هؤلاء الذين سلبوا مني جنسيتي وجواز سفري.

ولا زلت ممتنًا للسينما التي مكنت المراهق الممنوع من السفر من الحصول على جواز سفره.

تريد قراءة المزيد؟
الاسم الاول
الاسم الاول
الاسم الاول
الاسم الاول
تسجيل
عضوا فعلا؟ تسجيل الدخول