"ويكفرن العشير" في سياق علم النفس الثقافي

“ويكفرن العشير” في سياق علم النفس الثقافي

لعدنان المعتوق
24 ديسمبر، 2018

يحاول كل متخصص أن يقترب من النصوص بأدوات معرفية تُميّز المجال المعرفي الذي ينطلق منه.

فعلى سبيل المثال يهتم اللُغوي بالبناء البياني للنص والمفردات. بينما المتخصص في علوم التاريخ له استراتيجية مغايرة تمامًا في طرق باب النص عمّا عند المختص في اللسانيات. هذه المجالات المعرفية ما هي إلا مساهمات جادة في نقض المُدركات السطحية والفهوم المقولبة والمنمّطة الناتجة عن التنشئة المجتمعية تجاه النصوص المليئة بالمعاني.

ومن هنا تأتي محاولة الكاتب في موضعة النص النبوي “ويكفرن العشير” في سياق سيكو ثقافي -علم النفس الثقافي، ويهتم بدراسة الثقافات من منظور نفسي-. وتعتزم المقالة فرادتها الفنية في تناول أمثال هذه النصوص لِعلّة اهتمامها بالدور الثقافي في تكوين الفرد وبنائه لأن أحد أهم محاور علم النفس الثقافي هي عنايته بالدور الثقافي في التركيب النفسي للإنسان. ومقولة “كفران العشير” مُستلة من نص نبوي يستعرض فكرتين:

  1. كثرة النساء في النار.
  2. كفران العشير كعلة لدخول النار.

وللحرفية التخصصية وتحري الدقة العلمية سيركز هذا المقال على المحور السلوكي في حديث كفران العشير ويتجنب الجانب الثيولوجي في النص لمتخصص في ذات العلم. على أن التخصصين هنا يجب ألا يتناقضا، وهذا يعود لقدرة توظيف المقال للنظريات النفسية في الحقل الديني. ومن هذا المنطلق، تحاول المقالة التفاعل مع عدد من الأسئلة الشائكة في فهم العلاقة بين السلوك والثقافة والبيولوجيا ووجه علاقة الدين بهذه الارتباطات المركبة.

يرتبط السلوك ارتباطًا وثيقًا بالإدراك كما يصف علم النفس المعرفي، وهو أيضا ذو صلة بما يُدعى بـ“التصورات الثقافية الإدراكية” كما يصف علم النفس الثقافي.

ومن هنا كان لِزامًا فهم طبيعة التفاعل بين التصورات الإدراكية والسلوك من أجل فهم دور الثقافة في تشكيل سلوك الأفراد. وهذا الإدراك والتصورات هما أحد وظائف العقل.

وفي سياق علم النفس الثقافي يقترح كلٌّ من كلارك وتشالمرز (1998) مفهوما جديداً للعقل:

وهو أن إدراك الإنسان لا يحدث في فراغ تام، بل إن بيئة الإنسان وكل ما يُحيط به ذو دور محوريّ لعمل العقل. هذا العقل المرتبط بالمحيط يُسمى “العقل الممتد” لأنه لا يمكن للعقل أن يعمل من غير أن يرتبط بالكيانات الخارجية (external entities)

هذا الارتباط ذو تفاعل ثنائي ينشأ عنه نظام معرفي. وطبيعة العلاقة داخل هذا الارتباط يعتمد على المصادر الجوّانية المتمثلة في الدماغ، والمصادر البرّانية المتمثلة في المحيط/البيئة

كما أن هذه المصادر تقود إلى مدركات مشروطة بنوعية المصادر البرانية. وبذلك يكون العقل الممتد (external mind) حساسًا لمعيارية ودور البيئة الثقافية في توجيه وإدارة العمليات المعرفية.

ونمو وتطور العقل الممتد يحدث من خلال العناصر الخارجية في تلك البيئة

ولأن الواقع الذي يعيشه الفرد متحيز بامتياز إلى درجة أن الفرد لا يستطع رؤية الأشياء على حياديتها؛ كان (العقل الممتد) أسير للثقافة المجتمع. وبعلمنا أن الثقافة الاجتماعية سابقة للإدراك ومشكِّلة له، وأن السلوك نتيجة ذلك الإدراك، نكون قد خطونا خطوة أولى نحو فهم دور الثقافة في تشكيل سلوكيات أفرادها.

العلاقة بين السلوك والإدراك ليست ذات اتجاه واحد بل هي علاقة تفاعلية. في حين يؤثر ويشكل الإدراك سلوك الفرد، يعمّقُ هذا السلوك الإدراكَ أو يُغيره. أي أن للسلوك القدرة على إعادة تشكيل الإدراك. وبغرض الاختصار ستنحسر المقالة في وصف كيف أن السلوك يصوغ ويشكل الإدراك.

تحدث عملية ترسيخ وصياغة المعتقدات والمدركات عن طريق عدد هائل من الآليات في علم النفس. ومن أحد هذه العوامل عملية التبطين (internalization). وأول من أسس مفهوم التبطين هو ليف فيغوتسكي في كتابه “العقل في المجتمع” عام (1978). وصف فيغوتسكي عملية التبطين في ثلاث مراحل من التحولات السيكولوجية.

تبدأ المرحلة الأولى

كعملية ترمز لنشاط سلوكي خارجي يُعاد بناؤوه وتشكيله جوانياً. ويمثل لذلك بسلوك الإشارة. فمثلاً، حينما يحاول الطفل الحصول على شيء ما، فإنه يبدأ بالمحاولة في مدّ يده (يُشير نحو الشيء) ومحاولة التقاطه (سلوك يمثل نشاطًا للحصول على شيء خارجي) وحين تقترب الأم من طفلها، فإن محاولة التقاط ذلك الشيء، تتحول من محاولة الوصول إلى الهدف، إلى لغة تواصلية محمّلة بكم هائل من المشاعر والإقناع للأم لكي تقوم بتقديم ذلك الشيء لطفلها. ومن هنا تقوم عملية التبطين بتحويل العوامل الخارجية إلى رمزية ومن هنا يتم صياغة وتشكيل العالم الجواني للإنسان.

تبدأ المرحلة الثانية

حينما تنتقل عملية التبطين من الترميز إلى الوظائف السيكولوجية. تحدث كل وظيفة في النمو السيكو ثقافي في حياة الطفل على مستويين:

  1. على المستوى الاجتماعي (interpersonal process)
  2. على المستوى الشخصي (intrapersonal process)

أي إن تفاعلات الطفل الاجتماعية تتحول من تفاعل بينه وبين الآخرين -أبويه على سبيل المثال- إلى تفاعلات نفسية جوانية (بينه وبين ذاته). وبذلك تؤثر على التنشئة النفسية للطفل.

أحد أهم الأمثلة التي تصف التحول من المستوى الاجتماعي (الخارجي) إلى المستوى الشخصي (الجواني النفسيّ)، هو النمو اللغوي لدى الإنسان. فمثلاً، وجدت دراسة بأن الفرد حينما يواجه مشكلة ويحاول حلها، فإنه يستنجد باللغة للتغلب على حل المشكلة. وهذه أحد الدلائل على ارتباط اللغة بالإدراك، يلجأ الأطفال في سنٍ مبكرةٍ فقط لنوع واحد ومحدد من اللغة: هذا النوع هو اللغة التواصلية (socialized speech)  التي يحاول الطفلُ من خلالها وصف المشكلة للآخر -لأبيه مثلاً- بحثاً عن حل.

ولكن الأطفال في تلكم السن يضلون عاجزين عن ممارسة اللغة الذاتية/المركزية (egocentric speech). وأعظم انتقال يحدث في تطور النمو اللغوي عند الأطفال حين تتحول اللغة من وظيفة تواصلية اجتماعية، إلى وظيفة تخاطب ذاتي مركزي. في هذا السياق، يتواصل الطفل مع ذاته، بدلًا من التواصل مع الأفراد من حوله. هنا تتخذ اللغة دورًا جوانيًا في تشكيل العالم النفسي للفرد إضافة لدورها التواصلي مع الآخرين. وهنا يستطيع الطفل ممارسة اللغة مع ذاته (جوانياً) للتغلُّب على حل المشكلات بدلا من لجوئه للّغة الاجتماعية التواصلية (مع أبويه).

وأخيراً، هذا التحول من المستوى الاجتماعي (الخارجي) إلى المستوى الشخصي (الجُوّانيّ) يكون نتيجةً لمراحل نمو تطورية تحدث من خلال سلسلة طويلة من التحولات السيكولوجية.

ثم يدخل الأطفال المرحلة الثالثة

حينما يبدءون في ممارسة اللغة الذاتية/المركزية. وهنا يقومون بإسقاط الآليات والطرق السابقة التي كانوا يستخدمونها من قبل في ممارسة اللغة التواصلية مع الآخرين إلى عالمهم الجُوّانيّ (مع ذواتهم). وحينما ينظمون أنشطتهم بناءً على الأنماط السلوكية الاجتماعية، فإنهم ينجحون في تطوير طريقة شبه جديدة يشكلون بها سلوكياتهم، وينجحون أيضا في تبطين المواقف الاجتماعية وجعلها جزءًا من هويتهم وتكوينهم النفسي.

لا بد من تصوّر هذه المراحل الثلاث في نطاق – تاريخ نفسيّ – للفرد، وأن هوية ونفسية الفرد في اللحظة الراهنة ما هي إلا نتيجة نفسية لهذا التاريخ المليء بإجراءات التبطين للمفاهيم والمواقف الاجتماعية من حولنا.

وهنا، تبرز لدينا أحد أهم الأسئلة الرئيسة:

ماذا لو تم تغيير ثقافة الفرد التي نشأ فيها؟ وما علاقة تغيير الثقافة بطبيعة وتركيبة أو تكوين شخصية الأفراد؟

حينما نتحدث عن الشخصية فنحن نشير إلى الخصائص النفسية التي تساهم في تطور ونمو الفرد وتحديد الأنماط والصفات التي تُميّز الفرد عن مجتمعه وعن الآخر في الشعور والسلوك وطبيعة التفكير. وأحد أهم معالم الشخصية ثباتها وديمومتها في الطبيعة البشرية مع بعض الاستثناءات في التغيرات التي تطرأ على الإنسان أثناء حياته. وبذلك كان السؤال:

هل الطبيعة الثقافية للفرد مسؤولة عن تركيب وبناء أنماط الشخصية؟

ولكي نُجيب، نجد أن البيئة الثقافية تلعب دوراً محوريا في تشكيل شخصية الأفراد على مستوى الشعور والسلوك ونمط التفكير.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، طبيعة الثقافات الناشئة في بيئة تعاني من شح مصادر الحياة كالماء والغذاء تعزو أهمية قصوى للتكاتف والتواصل بين أعضاء المجتمع ويُرمَز لهذا التكاتف برمز الوفاء، وتعمل البيئة أيضا على تقليص المسافات بين الأفراد. وبذلك ينشأ لدينا ما يسمى بالمجتمعات المتكتلة (collectivism).

وعلى النقيض من ذلك، فإن البيئة الجغرافية المليئة بمصادر الحياة، تقلل بدورها من قيمة التكاتف والتعاون بين أعضاء المجتمع، وتجعلهم يحصرون هذه القيم على أنفسهم ولأفراد أُسرهم. وبذلك تنشأ لدينا المجتمعات الفردانية (individualism)  هذه الطبيعة البِنائّية للمجتمعات مسؤولة عن العناصر النفسية وعن تشكيل الأنماط الشخصية للأفراد.

بل إن التأثير الثقافي يأخذ خطوة أكثر جرأة بمساهمته في التشكيل النفسبيولوجي للفرد. فعلى سبيل المثال، عند دراسة طِباع وأمزجة أفراد مجتمع ما نجد تشابهًا متينًا، وتميزًا بارزًا ومفارقًا عن المجتمعات الأخرى.

هناك ثقافات يتميز أفراد مجتمعاتها بالشخصية العصابية (neuroticism) وهذا ينتج عن طبيعة المجتمع في محاولة تجنب كل ما هو غامض وغير يقيني (Uncertainty avoidance) بدافع القلق أو الجزع أو الخوف أو تقلب المزاج أو الحسد أو الإحباط والغيرة. هذا التركيب البيولوجي لنفس الإنسان المرتبط بثقافة محددة يُفسَّر بأحد أمرين:

  1. الأول أن الثقافة التجنّبية تُولّد نظامًا ثقافيًا يقود إلى تشكيل الشخصية العصابية
  2. أو ثانياً، أنها تُنشّئ الناس على الخوف من الغموض وتجنب وبُغض كل ما هو غير يقيني

الثقافة والشخصية والإدراك

وحينما نتعامل مع الثقافة فنحن نقصد أن الثقافة نظام مركب من المعاني والمعلومات تتفق عليه مجموعة محددة من البشر وتشرعنه وتعمل على نقله للأجيال القادمة، بغرض تحقيق الاحتياجات الأساسية، واستمداد المعنى من الحياة والمحافظة عليها، وتحقيق السعادة والصحة النفسية والبيولوجية.

ولكن يجب أن نُشير إلى تحديد الفارق بين مفهوميّ الثقافة والشخصية وما علاقة كلٍّ منهما بالآخر. فالثقافة هي البناء الاجتماعي للأفراد بينما الشخصية هي الفروق الفردية للأفراد داخل كل مجموعة. الثقافة هي الإطار النفسي الاجتماعي الذي يحيط بالشخصية وبذلك تكون الشخصية مجموعة الصفات والخصائص والكفاءات والقدرات الفردية داخل هذا الإطار.

فإذا كانت شخصية الإنسان -شعورًا وسلوكًا وإدراكًا-  تكاد لا تنفك عن الثقافة، فقد تكون مشاعر الإنسان وطبيعة تفكيره نتيجة لثقافته. ولأن للإدراك التأثير المباشر على السلوك والعاطفة كان التنقيب عن علاقة العملية الإدراكية المعرفية (Cognition) بالثقافة أمرًا محوريًا.

وهذه القضية تحديدًا تكاد تكون موضع إجماع بين علماء النفس لأن الأغلبية منهم يعتبرون الثقافة في ذاتها “عملية إدراكية معرفية”.

وبعبارة أخرى فإن الثقافة والإدراك وجهان لعملة واحدة. يتعامل علم النفس مع الثقافة على أنها مجموعة من التمثّلات والتصورات الذهنية عن العالم والبيئة. هذه النظرة تجاه الثقافة كعملية ذهنية ليست إلا نتيجة لتاريخ طويل من الأبحاث والنظريات في علم النفس. فالثقافة هي الرموز التجريدية من معانٍ ومعلومات، ودور العملية الإدراكية في ذلك، نقل الرموز التجريدية إلى حيز وفضاء الشعور والسلوك.

وعلى أن الجدل قائم في تعريف ماهية الثقافة -تعريف الثقافة في هذه الورقة مقتصر على إطار علم النفس- إلا أن الجميع تقريباً متفق على أن القيم، والمعتقدات، والمواقف، والمعايير الاجتماعية ماهي إلا نتيجة العمليات الإدراكية والتصورات الذهنية.

ومما يُدعّم هذا الاتجاه هو إجماع علماء النفس على أن الثقافة ليست مختزلة في التجربة البشرية، بل حتى الحيوانات لديها ثقافات متنوعة. فالحيوانات كائنات اجتماعية تعمل وتعيش في مجموعات، وفي مجتمع الحيوان شبكات اجتماعية وبناء هرمي يقبع في أعلاه القادة، ولهم أتباع، وللحيوانات القدرة على التواصل فيما بينها.

ومن هنا نرى الثقافة كردة فعل أو إيجاد حل تجاه قضية التكيف، من أجل تحقيق الاحتياجات البيولوجية والاجتماعية. ولكن ما يميز الثقافة البشرية عن الحيوانات هي القدرات الإدراكية المعرفية والتصورات الذهنية. فاللغة التي يستخدمها الإنسان تتميز بتوظيف الرموز واستخدام المجاز في وصف أحاسيس الفرد وأفكاره؛ ومن هنا تصبح الثقافة والعمليات الذهنية وجهين لعملة واحدة.

“كُفران العشير”

هذه المقالة حددت كيف تساهم الثقافة بدورها في تشكيل العالم الجواني للفرد، شعورًا ووجدانًا.

فكما يتم إطعام الطفل الغذاء من أجل بناء تكوينه الجسدي، فالثقافة تطعم أطفالها الشعور والإحساس والمذاق من أجل بناء التكوين النفسي. وبذلك يكون للفرد هوية مشروطة بثقافته. ويبني الفرد تصورًا عن ذاته، ثم يمارس هذا التصور في الفضاء العام والخاص.وكيف أن العقل لا يمكن تصوره خارج الفعل الثقافي مما أدى إلى صياغة العقل الممتد.

وبعلمنا أن نمط تفكير الإنسان وسلوكه وعاطفته وشعوره ما هي إلا منتجات ثقافية، نُدرك جميعًا أن سلوك “كُفران العشير” سلوك ثقافي تام.

فحينما نعلم أن الثقافة تبني بيولوجية الفرد وتصوغ شخصيته، يلزمنا بهدم كل الادعاءات القائلة بأن الطبيعة/البيولوجيا التكوينية للأنثى جِبلّة تمت صياغتها على كفران العشير. وكفران العشير خلق مذموم وقبيح. وفطرة الله التي فطر الناس عليها كلها خير، فلا يصح أن تكون طبيعة الأنثى شريرة.

ثانيًا

نحن نعلم أن التنشئة الثقافية وعملية التبطين السيكولوجي لفئة ما من المجتمع مسؤولة عن ضبط التركيبة النفسية لتلك الفئة وتشكيل الشخصية (سلوك، شعور، نمط، تفكير).

كفران العشير سلوك ونمط تفكير بالدرجة الأولى. قد يكون من السائغ جدًا أنَّ المجتمع العربي القديم قد نشَّأ الأنثى على قيم ومعايير اجتماعية، جعلتها أكثر عرضة لممارسة سلوك “كفران العشير” من الذكور. وسائغ أيضًا أن مقولة “ويكفرن العشير” كانت بارزة في سلوكيات إناث ذلك المجتمع تحديدًا أكثر من الرجال.

ولكن الأهم من هذا كُله أن كُفران العشير ليس خُلق أُنثويّ وأن الرجال في معزل عنه. بل هو سلوك يظهر وينتشر حينما تتوفر العوامل الثقافية الكافية على حدوثه. وقد تكون هناك ثقافة مجتمع ما تسمح بانتشار هذا السلوك وثقافة مجتمع آخر لا ينتشر فيها هذا السلوك.

هذا يدفع كلًا من الباحث والقارئ لهذه المقالة إدراك نص كفران العشير في سياق سيكو ثقافي بنّاء. وأن يتركّز السؤال والجهد الفكري حول اكتشاف العوامل السيكولوجية والثقافية والتي بدورها تجعل الفرد أكثر عرضة لممارسة سلوك الكفران. فإذا ما تحددت لدينا هذه العوامل علمنا أن الفرد قابل لأن يمارس هذا السلوك كان ذكراً أو أُنثى.

ومن هنا نفهم حديث النبي عليه الصلاة والسلام في سياق توصيفي لهذا السلوك تحديدًا في فئة معينة توفرت فيها هذه العوامل المخولة لظهور هذا السلوك.

وأخيرًا

يلزمني التوضيح بأن المقالة لا تشير إلى أن الفرد ضحية تلك الثقافة التي ينشأ فيها وبها. وإنما الفرد منتج ثقافي. وللفرد القدرة الكاملة في تجاوز حدود إدراكات الثقافة التي ينتمي إليها. وباستطاعته أيضا صياغة سلوكه على الشكل الذي يختار.

أي إن الفرد تام المسؤولية عن صياغة ذاته بجانب ثقافته. هذه المسؤولية هي أحد الواجبات الدينية التي أشار لها الحديث. وهي الوعي بالإشكالية الثقافية، ومن ثم محاولة مواجهة هذا السلوك والمساهمة في إعادة تشكيله.

ومن هنا نفهم مفهوم التقوى في سياق التحرر من القوى الثقافية والاجتماعية وتأكيد القيم الذاتية وتعزيز الإرادة وتأمل النفس البشرية لاكتشاف العيوب الثقافية فيها. وكأن الحديث أتى كمساهمة في إيقاظ هذا الوعي لدى الفرد ليتجنب تلك العوامل التي تقوده نحو هذا السلوك تحديدًا – سلوك الكفران.

المقالة للكاتب: عدنان المعتوق، المرشح لدرجة الدكتوراه في الموهبة والإبداع بجامعة ولاية واشنطن. وباحث أكاديمي في مركز أبحاث علم النفس المعرفي والعصبي في الجامعة نفسها. ومهتم بالدراسات النسوية.


النشرة السريّة
النشرة انضم للآلاف من أصدقائنا السريين، وتصلك رسالة كل يوم سبت يشرف عليها فريق العمل كاملًا
×

×