أبو الإنترنت الروحي: “الشبكة مضيعة للوقت”

أبو الإنترنت الروحي: “الشبكة مضيعة للوقت”

لمازن العتيبي
20 ديسمبر، 2018

يصف بعض الأشخاص الكاتب الأميركي-الكندي ويليام گيبسون (William Gibson) بأنه مخترع الإنترنت الحقيقي.

بالطبع هؤلاء الأشخاص يبالغون، هم نفسهم الذين يرون أن الكتّاب أهم من المخترعين تاريخيًا، إلا أن علاقة گيبسون بالشبكة حميمية. الزعم بأن گيبسون ساهم، أو على الأقل تنبأ، في ولادة الإنترنت، يعود إلى روايته “نيورومانسر“. في تلك الرواية التي نشرت عام 1984، استخدم گيبسون مصطلح “الفضاء الرقمي” -المصطلح الذي ابتكره في قصة سابقة- ليصف عالمًا خياليًا غريبًا. في الرواية يصف هذا العالم كالتالي:

“الفضاء الرقمي، حالة من الهلوسة المتعمّدة، يعيشها يوميًا بلايين المشغّلين القانونيين، من كل دولة، من خلال أطفال يتعلمون مفاهيم رياضية. … تمثيل بياني لبيانات مُستخرجة من كل حاسوب في النظام الإنساني. تعقيد لا يُصدق. خطوط من الضوء مرتّبة في لا مساحة العقل، كتلٌ وكوكباتٌ من المعلومات. كأضواء مدينة، تنحسر”

ينكر قيبسون تكرارًا المزاعم التي تقول بأن نصّه هذا تنبأ بأي شيء له علاقة بالإنترنت، بل يصف روايته الأكثر شهرةً بأنها كتاب لليافعين. إلا أنه في عام 1996، وفي مقالة نشرت في مجلة النيويورك تايمز، تحدث گيبسون علنًا عن رأيه بابنته المزعومة، المدعوة وقتها بـ“الشبكة”، وتنبأ بعلاقتنا جميعًا معها، بعنوان: “الشبكة مضيعة للوقت، وهذا بالضبط هو أفضل ما فيها”.

ويليام گيبسون

يُعد گيبسون أحد أشهر كُتاب الخيال العلمي في أمريكا الشمالية. كان لفكره تأثير كبير على مؤلفي روايات الخيال العلمي، والتصميم، والأوساط الأكاديمية، وثقافة الإنترنت، والتقنية.

“الشبكة مضيعة للوقت، وهذا بالضبط هو أفضل ما فيها”

كنتُ قد ابتكرت مصطلح “الفضاء الرقمي” في عام 1981م، في واحدة من أولى تجاربي مع قصص الخيال العلمي. ثم أعدت استخدامه لوصف شيءٍ يصرّ الناس على اعتباره نبوءة أدبيةً بولادة الإنترنت. لهذا يتعجّب البعض من كوني لا أملك بريدًا إلكترونيًا. في الحقيقة، أنا أتفادى البريد؛ لأنني كسولٌ يستمتع بالتحديق في الفراغ (وهي المساحة التي تولد فيها الروايات). ولأن البريد غير المُجاب -إلكترونيًا كان أم لم يكن- مزعج.

لكني مؤخرًا أصبحت متصفحًا شغوفًا للشبكة العنكبوتية العالمية. البعض يرى شغفي هذا غريبًا، زوجتي تعتبره انحرافًا. أنا في الجهة الأخرى أرى تغيرات ضخمة في الأفق، إمكانيات لم تكن بهذا الظهور في النسخ الأولى من الشبكة.

ولدتُ في عام 1948. أنا لا أستطيع أن أتذكر عالمًا بلا تلفاز، لكنّي بلا شكّ عشت فيه. أتذكر -بضبابية- وصول قطعة خشبية بنيّة في مقدمتها أزرار بلاستيكية وشاشة ليست بأكبر من شاشة جهازي هذا.

في البداية لم يكن على الشاشة سوى التشويش، يتبعها الظهور الليلي للأداة المسماة “بطاقة الاختبار”، وهي التي كان يتجمهر الناس لمشاهدتها.

أفكر كثيرًا ببطاقة الاختبار هذه وأنا أتصفح الشبكة اليوم. أتخيل أن الشبكة العنكبوتية العالمية، بمعجزاتها المتواضعة، ليست سوى بطاقة اختبارٍ لتقنية القرن الحادي والعشرين. بالرغم من أني لا أستطيع حتى تخيّل هذه التقنية.

في عهد التلفزة الخشبية في الجنوب حيث نشأت، كان وقت الفراغ هو أن تجلس على الشرفة، تدخن سيجارة، تشرب شايًا مثلجًا، تتحاور مع أحدٍ أو تحدق في الفراغ. صيد السمك كان نشاط وقت فراغ أيضًا.

أحيانًا تذكرني الشبكة بصيد السمك. لا تذكرني الشبكة أبدًا بالحوارات، بالرغم من أن تصفُّحها يوهم بالتحديق في الفراغ. “تصفح الشبكة” -وهو مصطلح خادع، مثله مثل “خط المعلومات السريع”-، كما يقول أحد أصدقائي، أشبه بقراءة مجلة التصقت كل صفحاتها ببعضها الآخر.

تهز زوجتي رأسها بامتعاض بينما أنتظر انتهاء تنزيل ألبومات بيتلز مقرصنة جمعها مُعجب ياباني. أحاول التبرير: “لكنها من اليابان!”، لكنها لا تكترث. تخرج لتستمتع بالأزهار في حديقتها.

أبقى أنا، معلقًا. هل هذا التصفح، هذه العشوائية في الانتقال بين قطع العقار الافتراضية، أهو قضاء لوقت الفراغ، أم يُخيّل لي أنني أفعل شيئًا أكثر أهمية؟ محتوى الشبكة يطمح إلى التنوع التام. بإمكانك الحصول على أي شيءٍ هنا. وكأنك تنقّب في العقل الجماعي العالمي. في مكان ما هنا، بالتأكيد، هناك موقع يجمع… كل الأشياء التي خسرناها؟

أفضل متعة وأكثرها سرًا لدى مستخدمي الشبكة الجدد هي التوجه إلى محرك البحث، وكتابة أسماء لما ننطقها علنًا منذ سنين. هل سأجدها هنا؟ هل وصل معنا إلى هذا العصر؟ (لا، لن تجدها هنا. أما هو، فهناك شخصٌ بذات الاسم يشارك بشغف في منتدى عن أخبار المشاهير) أهذا النوع من الصيد قضاء لوقت الفراغ؟ أم نحن مشاركون هنا في شيءٍ ذا جديّةٍ مأساوية؟

في عصر التلفزة الخشبية، كان الإعلام للترفيه، ولبيع إعلانات المنتجات، وللأخبار أحيانًا. متابعة التلفاز حينها، كانت نشاطًا مخصوصًا لأوقات الفراغ. في عصرنا المُثقل بالمحتوى الإعلامي، أصبحنا نرى مشاهدة التلفاز كنوعٍ من العمل. كمخلوقاتٍ مابعد – صناعية في اقتصاد معلوماتي، أصبحنا نرى أن استهلاك المواد الإعلامية هو هدفنا الرئيسي. وأصبحنا واعين بأنفسنا إلى أقصى حد. لا يوجد شيءٌ اسمه الترفيه البسيط. نحن نشاهد أنفسنا نشاهد. نشاهد أنفسنا نشاهد بيفيز أند بت-هيد وهم يشاهدون فيديوهات موسيقية. أن نشاهد ببساطة، دون غطاء من السخرية، قد يكشف لنا سذاجتنا القاتلة.

هذه السخرية هي استجابتنا للإعلام المعمّر كالأفلام والتلفاز، نحن الناجون من عصر الخشب. الشبكة في الجهة الأخرى لا تزال جديدة، واستجابتنا لها لم تتشكّل بعد. وهذا جزءٌ كبير من جاذبيتها. الشبكة لم تكتمل بعد، كيرقة، لا تزال تنمو. هي اليوم ليست كما كانت قبل ستة أشهر، وبعد ستة أشهر من الآن ستكون شيئًا آخر أيضًا. لم تكن شيئًا مخططًا، حدثت ببساطة. لا تزال تحدث. لا تزال تحدث كما تحدث المدن. هي مدينة.

مجتمع الفراغ

في نهاية عصر التلفزة الخشبية، أعلن المبشرون المستقبليون ولادة “مجتمع الفراغ”. التقنية ستتولى تدريجيًا مهام الإنتاج، ويصبح التحدي حينها أن نملأ أيامنا بنشاطات صحيةٍ مفيدةٍ مرضية. ومثل أغلب تكهنات الحقب البائدة، يصعب علينا اليوم تخيّل الأحداث الدقيقة التي ولّدت هذه النبوءة.

على أي حال، عالمنا لا يعطينا فائضًا من “وقت الفراغ”، المصطلح نفسه أصبح مشبوهًا، ساذجًا وعتيقًا كحقيبة جلدية. العجائز والفقراء (بشرط ألا يورطهم الفقر في إدمانات أخرى) فقط هم من يملكون “وقت فراغ”. حتى تكون ناجحًا، على ما يبدو، يجب أن تكون مصابًا بالانشغال المزمن. مع كل ثغرة تردمها التقنيات الجديدة في شبكة التواصل العالمية، نفقد نحن عذرًا.. للتكاسل.

وهذه هي الفرصة التي توفرها لنا الشبكة العنكبوتية العالمية -بطاقة الاختبار للتقنية المجهولة التي ستصبح مسيطرةً عالميًا-. اليوم، وفي حالتها اليرقية البريئة، تعطينا الشبكة الفرصة لتضييع الوقت، للتجول دون هدف. لأن نحلم أحلام يقظةٍ عن كل الحيوات الأخرى التي عشناها، أن نحلم بالأشخاص الآخرين الذين يبعدون عنّا آلاف الشاشات، الذين يعيشون في بلاد ما بعد الجغرافية، وطننا كلنا.

ستتطور الشبكة غالبًا إلى شيءٍ أقل عشوائية، أقل متعة. لنا تجارب سابقة مشابهة. لكن في الوقت الحالي، في المرحلة الحالية من العشوائية والبساطة، تصفح الإنترنت هو حلم كل مسوّف. وإذا شاهدك أحدٌ وأنت تتصفح، قد يعتقدون أنك تعمل.


النشرة السريّة
النشرة انضم للآلاف من أصدقائنا السريين، وتصلك رسالة كل يوم سبت يشرف عليها فريق العمل كاملًا
×

×