إنديرا غاندي: المناصب العليا ليست الطريقة الوحيدة لخدمة بلدك

إنديرا غاندي: المناصب العليا ليست الطريقة الوحيدة لخدمة بلدك

لمازن العتيبي
11 أكتوبر، 2018

في عام 1966 اُنتخبت إنديرا غاندي لمنصب رئيسة وزراء الهند، كأول امرأة تشغل هذا المنصب. وبالرغم من أن كبار مجلس الشيوخ دعموا انتخابها لأن والدها كان رئيس وزراء محبوب، ولأنهم كانوا يعتقدون أنهم يستطيعون التحكم بها، إلا أن إنديرا سرعان ما استطاعت أن تفرض قبضتها على الحكومة الهندية، وتصبح إحدى أقوى السياسيين الآسيويين.

مشهورةً بشخصيتها القوية، ودهائها السياسي -كانت سببًا رئيسيًا في تحرير بينگلاديش-، أصبحت إنديرا غاندي رمزًا نسويًا بارزًا. وبالرغم من أنها ستعترض على ربطها بالنسوية، إذ قالت مرّة: “أنا لست نسويةٍ بأي شكلٍ من الأشكال، لكني أؤمن بقدرة النساء على فعل أي شيء”، إلا أنها كانت قدوةً للكثير من الفتيات، خصوصًا الهنديات، اللاتي رأين فيها مثالًا على أنهن يستطعن فعل أي شيء.

يلي، خطابًا ألقته إنديرا في اليوبيل الذهبي لجامعة “إندرابراسثا” النسائية، عام 1974، في نيو دلهي:

يقول مثلٌ سانكرستي قديم: “المرأة هي المنزل، والمنزل هو أساس المجتمع”

بناءنا لمنازلنا يعني بناء بلدنا. وإذا كان بناءنا لمنازلنا ناقصًا -إما نقصًا في اللوازم المادية أو نقصًا في أجواء الحب والرعاية التي يحتاجها كل طفلٍ لينمو-، فإن البلد سيفتقد التناغم. والبلدان التي تفتقد التناغم، لا يمكن أن تنمو.

وهذا يجعل تعليم النساء أكثر أهميةً إلى حدٍ ما من تعليم الرجال والفِتيان. فنحن قد أهملنا تعليم النساء، ونحن هنا لا تقتصر على الهند، بل تشمل العالم أجمع. بالنسبة لكم هو شيءٌ عادي، إلا أن تعليم النساء أمرٌ حديثٌ جدًا. الأيام الأولى لتعليم النساء في بريطانيا، مثلًا، كانت حديث الساعة في طفولتي. كان الكل يذكر ماذا حدث في الأيام الأولى.

وأنا أذكر ماذا كان يحدث هنا. لا أزال أذكر الحياة في دلهي القديمة، عندما كنت في السابعة أو الثامنة. كنت لا أستطيع الخروج من المنزل إلا في هودج. لم يكن مسموحٌ للفتيات المشي في الشارع. كان عليكِ أولًا تغطية رأسك بالساري، ثم ترتدين وشا أو شيئًا يغطي جسدك ويديك، ثم تضيفين وشاحًا أبيضًا ليغطي كل شيءٍ باستثناء وجهك. ثم تركبين الهودج، الذي كان نفسه مغطًا بقماش آخر. كل هذا كان يحدث في مجتمع لا يؤمن بالفصل بين الجنسين، بالعكس، كل مناسباتنا الاجتماعية كانت مختلطة. إلا أن هذا كان الجو العام في دلهي، والجو العام في الهند.

أما الآن، أصبح لدينا نظام تعليمي، وهناك مناظرة على مستوى البلد فيما إذا كان هذا النظام التعليمي مناسبًا لحاجات المجتمع أو لحاجات الشباب. أنا من المؤمنين بأن نظامنا التعليمي يحتاج لإعادة صيانة شاملة. لكني بنفس الوقت لا أعتقد أن كل أجزاءه سيئة. فتعليمنا الحالي أنتج رجالًا ونساءً مميزين، خصوصًا العلماء والخبراء في مجالات متعددة، والذين يُطلبون للعمل في كل أنحاء العالم، حتى في أكثر البلدان تقدمًا. الكثير من شبابنا يغادر للعمل في الخارج ليتلقوا أجورًا أعلى، وليعملوا في ظروفٍ أفضل.

بالطبع، الطرف الآخر من القصة هو أن العديد منهم يتم إغرائهم وإقناعهم بالمغادرة، بالرغم من ترددهم. نعرف طلابًا مميزين، خصوصًا في الطب والطاقة النووية، تم التواصل معهم قبل تخرجهم بمدة طويلة، وعُرضت عليهم محفزات كثيرة لمغادرة البلاد. هذا يوضّح أن العالم يراهم على قدرٍ عالٍ من المعرفة والقدرة للعمل في أي مكان.

ولهذا أقول أن في التعليم شيئًا يستحق الاستثمار. وكذلك يتضح لنا أن فلسفتنا القديمة قد علّمتنا أن لا شيء في الحياة جيدٌ أو سيءٌ بالكامل. كل شيءٍ خليطٌ من الإثنين، ويعود الأمر لنا في استخراج الجيد، في الاستفادة من كل ما حولنا. هناك أشخاصٌ يستطيعون استغلال قوّة ملاحظتهم ليستفيدوا من كل شيءٍ حولهم. وهناك أشخاص مهما أحطتهم بأبدع العقول، وأجمل الكتب، وغيرها من الأشياء، فإنهم سيظلون مُنغلقين، ولن يستفيدوا أبدًا من الثروة حولهم.

وبلدنا ثريةٌ جدًا. ثريةٌ بالثقافة، ثريةٌ بالعديد من التقاليد القديمة، بل حتى التقاليد الحديثة. بالطبع هناك الكثير من الأمور السيئة أيضًا، وأغلبها موجودةٌ في المجتمع، كالخرافات، وهي التي تضخمّت مؤخرًا لتحجب الشعاع الساطع لأفكارنا وقيمنا التاريخية، قيمنا الأبدية. وهناك أيضًا الفقر المادي الذي يُثقل عددًا ضخمًا من مواطنينا، الفقر القبيح الذي يعرقل نمو ملايين الفتيان والفتيات. علينا أن نحارب كل هذه الأشياء السيئة، وهو ما كنّا نفعله منذ استقلالنا.

هذه الأيام السوداء ليست حكرًا على الهند

هذا الجانب المظلم من الصورة يوجد في كل بلدان العالم. حتى أغنى البلدان في العالم تملكه. إلا أنهم في العادة يحاولون إخفائه وإظهار الجانب المشرق من انجازاتهم. أما هنا في الهند، فيبدو أننا نريد إظهار أسوأ ما في مجتمعنا. قبل أن يفعل أحدٌ أي شيء، عليه أولًا أن يتحلى بالمعرفة والقدرة. لكن بجانب هذين العاملين، يجب أن يفخر الرجل أو المرأة بعملها. يجب أن يكونوا واثقين بمقدرتهم. لو قال لك معلمك: “لن تستطيع فعل هذا”، فحتى لو كنت طالبًا مميزًا، ستواجه صعوبةً في تنفيذ المهمة. لكن لو شجّعك معلمك قائلًا: “استمر، لقد عملت جيدًا، لكن حاول أكثر هذه المرة”، حينها ستحاول أكثر، وستفعلها. نفس الشيء ينطبق على المجتمعات والبلدان.

هذه البلد، الهند، قد حازت على العديد من الإنجازات العظيمة، بالطبع تاريخيًا، ولكن حتى حديثًا. لا أعتقد أن هناك العديد من قصص النجاح الحديثة كقصة نجاح بلدنا. صحيحٌ أننا لم ننهي الفقر، ولم ننهي العديد من مشاكلنا المُجتمعية، لكن لو قارنتنا الآن بأنفسنا قبل 27 سنة، فلن تجد بلدًا أخرى استطاعت تحقيق ما حققنا تحت نفس الظروف القاهرة.

اليوم، نمرّ بأيامٍ شديدة السواد. وهذه الأيام السوداء ليست حكرًا على الهند. فإذا استثنينا البلدان الاشتراكية -التي لا نعرف عنها الكثير-، فإن كل بلدان العالم تُعاني من نفس مشاكلنا الاقتصادية. عدة بُلدان فقط سلِمت من البطالة، وهي بُلدانٌ صغيرةٌ أصلًا. أما غيرهم، فحتى البلدان الغنيّة تعاني من البطالة اليوم، بعضهم يعانون من عجزٍ في مقومات الحياة، بعضهم يعانون من عجزٍ في الطعام.

لا أعلم كم منكم يعلم أن بلدان أوربا الغربية واليابان يستوردون 41% من حاجات طعامهم، بينما الهند تستورد أقل من 2%. ومع ذلك نحن أنفسنا نُرسل للعالم صورةً توحي بأن الهند تتوسل الآخرين في الشوارع. وبطبيعة الحال، اذا ما وصفنا أنفسنا هكذا، فبقية العالم سيصفنا بنفس الوصف، بشكلٍ أقوى وأعلى صخبًا. وهو صحيحٌ، طبعًا، أن 2% هي كميةٌ ضخمةٌ لبلد ضخم ذا تعدادٍ سكانيٍ هو الأضخم في العالم -باستثناء الصين-. ولأنكن النساء المتعلمات، وهو شرفٌ عظيمٌ أن تحصلن على تعليمٍ عال، عليكن أن ترين مشاكلنا من خلال سياق ماذا حدث في هذا البلد، وماذا يحدث حول العالم.

هناك الآن انبهارٌ كبيرٌ بأشياء حدثت في بلدان أخرى، حيث المجتمع مبنيٌ بشكل مختلف، وحيث لا يُسمح بالمعارضة. نفس الأشخاص الذين يمتدحون تلك البلدان، ويُبهرون بإنجازات أنظمتهم، يقولون بأن الهند ديكتاتورية. مع أن لا أحدًا يستطيع أن يسمي لي بلدًا أعلى في حرية التعبير والتصرف. فقط يُقال عنّا شيءٌ ما، ويكرره العديد من الناس دون تفكيرٍ وبالعديد من الإضافات، فننتهي بصورةٍ مشوهةٍ عن البلد وشعبها.

ليست كل الحداثة جيدة

مثلما قلت، لدينا العديد من المشاكل، اما مشاكلٌ في الحكومة، أو مشاكل في المجتمع. بعضها بسبب تقاليدنا، فكما قلت، ليست كل التقاليد جيدة. وإحدى أهم مسؤوليات المرأة المتعلمة اليوم هي المؤالفة بين ما هو قيّمٌ وأزليٌ في تقاليدنا العتيقة، وما هو جيدٌ وقيمٌ في أفكارنا الحديثة. فليس كل ما هو حديثٌ جيّد، مثلما أن القديم ليس بالضرورة كله جيدٌ أو كله سيء. علينا أن نقرر، وليس لمرةٍ واحدة وإلى الأبد، بل بشكلٍ أسبوعيٍ ربما. كل شهرٍ علينا أن نحدد ما هو الجديد المفيد لبلدنا، وعن أي التقاليد القديمة على مجتمعنا أن يحافظ ويحارب. يعتقد البعض أن الحداثة هي في طريقة اللباس أو طريقة الحديث، أو في عاداتٍ وطقوس محددة. لكن هذا مجرّدُ جزءٍ سطحيٍ جدًا من الحداثة.

عندما كنت أقص شعري، كمثال، كان ذلك بسبب نوع الحياة التي كنت أعيشها. كنت جزءًا من الحركة الجديدة وقتها، ولم يكن منطقيًا للمرأة ذات الشعر الطويل أن تذهب للعمل في القرية كل يوم وهي غاسلةٌ شعرها. لذا عندما تعيشين حياةً ما، فملابسك وكل أجزائك يجب أن تُناسب هذه الحياة لتكوني فعّالة. إذا كنتي ستذهبين للعمل في القرية قلقةً إذا ما كانت ملابسك ستتسخ، فلن تكوني عاملة جيّدة. عليك أن تنسي طريقة التفكير هذه. لهذا تغيّرت الملابس وغيرها تدريجيًا في بلدان أخرى، حتى تناسب نمط حياتهم الجديد. فالسؤال هو هل يناسب شيءٌ ما أهدافنا ونمط حياتنا؟ إذا كانت الإجابة نعم، فربما علينا أن نتبناه، بغض النظر عما إذا كان مُتبنًا في بلدان أخرى أم لا. الملابس التي نرتديها لا تهم، ما يهم هو طريقة تفكيرنا.

أحيانًا، أحزن جدًا عندما أرى علماء يُفكرون ويتصرفون بطريقةٍ غير علمية. ولا أقصد التفكير والتصرّف في المختبر، بل في منازلهم وفي تعاملهم مع الآخرين. وحتى تصبح الهند ما نريدها أن تصبح، بمجتمع منطقيٍ متحضّرٍ متمسكٍ بأرضه وتقاليده العتيقة، علينا أن نكون شعبًا مفكرًا، وعليكن أن تكنّ شاباتٍ مفكراتٍ لا يأخذن ما يأتيهن من أنحاء العالم، لكن يستمعن له، ويحللنه، ثم يقررن إذا ما كان يستحق التبنّي أو الرفض. هذا هو التعليم الذي نحتاجه، تعليمٌ يُجهّز شبابنا للتأقلم مع هذا العالم المتغيّر، والإضافة له.

الطريق لخدمة البلد

يعتقد البعض أن الطريقة الوحيدة لخدمة البلد هي عن طريق المناصب العليا. لكن كلنا نعرف أن أضخم الآلات ستعجز عن العمل لو كان مسمارٌ واحدٌ فيها غير فعّال، وهذا المسمار الصغير مهمٌ كأي جزءٍ كبير. نفس الشيء ينطبق على الحياة الوطنية. لا يوجد عملٌ أصغر من أن يكون مهمًا، لا يوجد شخصٌ أصغر من أن يكون مهمًا. للكل مهمةٌ ما، وإذا ما نفّذوا مهمتهم بشكلٍ جيّد، فالبلد ستكون بوضعٍ جيّد.

ومن خرافاتنا أننا صنفنا بعض العمل “عملًا قذرًا”. الكنس مثلًا يُعتبر قذرًا. مناسبٌ لبعض الأشخاص، لكن الأغلبية يجب أن يبتعدوا عنه. اليوم نكتشف أن فضلات الحيوانات، وهي التي تُعتبر قذرةً، أصبحت واحدةً من أهم الأشياء في العالم، الكثير من الاقتصادات العالمية تُعاني لأنها لا تملك ما يكفي من السماد.

يُرينا هذا جمال الكون وتوازنه. كل شيء، مهما اعتبرنا قذرًا أو صغيرًا، له هدف. نحن، بعلومنا وآلاتنا، أعدمنا هذا التوازن، حتى لو لم نقصد. انعدام التوازن هذا لا يقتصر على المقياس الضخم، حيث البلدان والاقتصاد العالمي، لكن حتى على مقياس الأفراد أنفسهم. فهم يشعرون بالانعزال عن مجتمعاتهم، ليس فقط في الهند بل في كل بلدٍ حول العالم. ما عدا البلدان التي تستخدم تعليمها وحكومتها لتُقتنع الأفراد بفكرةٍ واحدة فقط. يُقال لنا أن الأشخاص هناك سعيدون جدًا، مهما كان الذي يفعلون. إذا قيل لهم نظفوا الشارع، فكلهم سينظفون، حتى المعلمين والعلماء سينظفون. ويُقال لنا أنهم سعيدون، وإذا كانوا فعلًا سعيدين، فلا بأس في ذلك.

لكن لا أعتقد أننا في الهند نستطيع أن نجبر المجتمع على أي شيء. لأنك ربما تستطيع إجبارهم 25 عامًا، أو 50 عامًا، لكنهم بعدها سينفجرون. نسمح في مجتمعنا بالكثير من الانفجارات الصغيرة لأننا نعلم أنها ستُحافظ على استقرار المجتمع وتطوره، وستحمينا من انفجارٍ ضخمي فوضويٍ يعرقل تناغمنا.

لذا، آمل منكن، وأنتن الحاصلات على شرف التعليم، أن لا تفكرن فقط في الأهداف الوطنية خلال عملكن، بل أن تعملن أيضًا لخلق السلام والتناغم، لجلب الجمال لحياة شعبنا وبلدنا. أعتقد أن هذه هي مهمة نساء الهند الخاصة. نريد أن نخدم بلدنا بشدة، لكننا لا نستطيع أن نعزلها عن بقية العالم. ما نريد فعله هو تحسين العالم. لهذا علينا أن نرى مشاكل الهند في سياق مشاكل العالم أجمع.

كان شرفًا لي أن أكون معكنّ هنا. أهنئ اللواتي نجحنَ، وأرجو الأفضل للبقيات اللواتي أعلم أنهن سيصبحن أفضل. لهذه الجامعة سمعةٌ ممتازة، لكن علينا دائمًا الحرص على أن نكون أفضل ممن سبقونا. كل التوفيق لَكُنّ.

أول وآخر رئيسة وزراء هندية

يُشار إلى أنه بعد هذا الخطاب بسنة، ثار بعض الشعب والسياسيين ضد حكم إنديرا، متهمينها بالفساد والدكتاتورية. ردًا على هذا أعلنت إنديرا حالة الطوارئ في البلد، والتي استمرت لعامين، قُيّدت فيها حقوق الصحافة والسياسيين، وأعطيت فيها صلاحيات عديدة لأبناء إنديرا بالرغم من أنهم لم يكونوا سياسيين مُنتخبين. انتهت حالة الطوارئ بانتخاب مُناهضٍ لإنديرا لمنصب رئيس الوزراء، إلا أنها كسبت المنصب مجددًا في عام 1980.

في عام 1984، وبعد أن أعلنت فرقةٌ متطرفةٌ من السيخ مناهضتها لحكومة إنديرا، أمرت إنديرا الجيش الهندي بمهاجمة هذه الفرقة. لم يهتم الجيش أن الفرقة كانت تختبئ في معبدٍ سيخي، فهاجمت بالجنود والدبابات، مدمرين أجزاءً من المعبد، وقاتلين العديد من الإرهابيين، والحجاج الأبرياء.

كان هذا القرار الذي أودى بحياة إنديرا، إذ اغتالها سيخيان كانا يعملان في حرسها الخاص بعد الحادثة بعدة أشهر. جاعلين إنديرا أول رئيسة وزراء هندية، والأخيرة، حتى الآن.


النشرة السريّة
النشرة انضم للآلاف من أصدقائنا السريين، وتصلك رسالة كل يوم سبت يشرف عليها فريق العمل كاملًا
×

×