أعظم رجل عروض في العالم

يتعلم بارنوم درسًا عن الشهرة وأراء الناس، فتكون قاعدة يتبعها في كافة مسارات حياته. لكن ماعلاقة تشبيه ترامب نفسه ببارنوم؟

اشترك في نشراتنا البريدية

يمكنك أن تختار ما يناسبك من النشرات، لتصلك مباشرة على بريدك.

أهلًا بك صديقًا لنا،

وصلتك الآن رسالتنا الأولى على بريدك الإلكتروني.

إذا لم تجدها ابحث في رسائل السبام وتأكد من اتباع الخطوات التالية في حسابك على خدمة بريد «Gmail» حتى تُحررها من التراكم في فيض الرسائل المزعجة.

* تعبّر النشرات البريدية عن آراء كتّابها، ولا تمثل رأي ثمانية.
6 نوفمبر، 2018

في عام 1836 كان بارنوم (P.T. Barnum) يعمل في سيرك كمساعد لهرون تيرنر (Aaron Turner)، وفي يوم الافتتاح، تجوّل بارنوم ببذلة أنيقة في المدينة، فبدأ الناس بتتبعه، حتى صاح أحد من كان في الجمع بأنّ هذا الأنيق هو إفرايم افري (Ephraim K. Avery) الذي برأته المحكمة من تهمة القتل، وخلال لحظات انقض الجمع على بارنوم لينتقموا من خطيئته، ولكنّه أقنعهم بالذّهاب معه إلى السيرك ليثبت هويته، وهناك كشف صاحب السيرك تيرنر أنّ كلّ ما حصل كان مقلبًا من تنفيذه، لقد أرسل تيرنر عاملًا ليتّهم بارنوم بذلك الاتهام، تحققت أهداف تيرنر عمومًا، فقد دخل الجمع المنفض عن الحادثة إلى سيرك تيرنر، وبقي بارنوم غاضبًا، إلّا أنّه في ذلك اليوم تعلم أهم درس في مسيرته العملية، قال له تيرنر “تذكر أنّ كلّ ما نحتاج إليه لضمان النجاح هو الصيت السيء”.

قانون بارنوم

تعلم بارنوم من ذلك اليوم قانونا مهمًّا في العمل والحياة، وسار على درب هذا القانون وصولًا إلى المجد، كان من حيله ما عمل عليه في مشروع المتحف الأميركي، حيث أخذ بارنوم بيد شحّاذ إلى المتحف وأعطاه خمس قرميدات امرًا إياه بأن يصنع دائرة من القرميد، بحيث يمسك بقرميدة ويضع أخرى على نقاط محدّدة من الدائرة، على أن يبدو جادًّا فيما يفعله ويرفض إجابة أي سؤال، وأن يدخل إلى المتحف ويخرج منه إلى الباب الخلفي ليمارس نفس الطقوس.

الفكرة وراء هذه الحيلة كانت في أنّ حشودًا كبيرة من الناس تجمعوا حول شحاذ بارنوم ليعرفوا شأنه، إلّا أنّه بدل أن يجيبهم على أسئلتهم كان يدخل إلى المتحف فيلحقه الجمع إليه، وحالما يخرج تكون الأغلبية قد وقعت في الطعم واستقرت إلى التجول داخل المتحف، بينما يجمع هو حشدًا جديدًا أمام الباب الخلفي.

في زمن بارنوم، لم يكن الاستماع إلى الموسيقا بالسهولة التي اعتدنا عليها، لكن بارنوم قرر أن يكافئ أهالي المدينة بأن يدفع لفرقة موسيقية كي تعزف أمام باب المتحف مجّانا، إلّا أنّ الخدعة كانت في أنّ بارنوم استأجر أسوأ فرقة موسيقية في المدينة، وكان هذا سببًا في أنّ كل من تجمع حول الفرقة قرر شراء تذكرة المتحف كي يهرب من نشاز موسيقاها.

لم يهتم بارنوم بالانتقادات التي كانت توجّه إليه، بل على العكس، كان يحرص على دعوة كل من انتقده من الصحافيين إلى حفلاته ليجلس في أحسن مقاعدها كشكرٍ على ما ساعده فيه، وحينما كان اسمه يخبت في أرجاء الصّحافة، كان يرسل انتقادات تذمه إلى الصّحف باسم مجهول، بارنوم يعرف حقيقة الشّهرة: فكلّ الشهرة، حسنها وقبيحها، هي شهرةٌ جيدة!

بارنوم وترمب في نفس الجملة

يعرف بارنوم -حتى يومنا هذا- كأعظم من دخل مجال العروض، وكذلك سمى سيركه “أعظم عرضٍ في العالم”، ورغم أنّ سيرك بارنوم أعلن عن إيقافه مؤخّرًا بعد أكثر من مئة وأربعين عامًا من العروض، إلّا أنّ دروس بارنوم في حصد الشهرة ما زالت تدرس، الرئيس الأميركي دونالد ترامب أشهر مثال على ذلك.

هنالك أكثر من 230 مقالًا منشورًا ذكر فيه اسم ترامب وبارنوم في نفس الجملة، بل إنّ دونالد ترامب بنفسه أجاب حين سئل عن أكثر شخصية تشبهه بين بضعة أسماء باسم “ب. ت. بارنوم”، قائلًا بأنّ البلاد تحتاج إلى أشخاص كـ”بارنوم” كي يعيدوا بناء صورتها.

ب. ت. بارنوم، ودونالد ترامب، وغيرهم من لاعبي القوّة، يعرفون تمامًا أهمية الفوز بالشهرة، بل إنّها كانت العامل الأساسي لنجاحهم، إنّ تصرفات ترمب وأقواله التي لا تتناسق عادة مع التقنيات السياسية جذبت وسائل الإعلام لتغطية أخباره أكثر من أي مرشّح اخر، حيث جذب ترامب في انتخابات 2016 لوحده أكثر من نصف وسائل الإعلام بينما تقاسم بقية المرشحين النصف الآخر من التغطية.

مشاعر الشادنفرويدا

يتميز الألمان بلغة غنية بمفردات تعبر عن مشاعر قد لا تعترف بقية اللغات أصلًا بوجودها فضلًا عن أن تمتلك لها ترجمة ما، ومثال ذلك المصطلح الألماني شادنفرويدا (Schadenfreude) والذي يشير إلى الشعور بالمتعة بعد رؤية فشل الاخرين.

حين تشاهد مقطعًا يجمع عدّة مواقف مضحكة لأناس يقعون أثناء نزول الدرج، أو فلمًا يفشل فيه تشارلي تشابلن أو أعداؤه في أداء مهمة ما، فإنّك ستشعر بالسعادة والاستمتاع لعدم تمكّن هؤلاء من تحقيق أهدافهم؛ أولًا لأنّ ذلك يؤكد لعقلك أنك أفضل من كثير من الناس، وثانيًا لأنك كثيرًا ما تفترض أنّ هؤلاء يستحقون ما حصل لهم خصوصًا إن كانوا ناجحين أو مغرورين.

ظهرت مؤخرًا أبحاث عديدة تتعلّق بتأثير مشاعر الـ”شادنفرويدا” على السياسة، دونالد ترامب مثال مذهل على هذه الظاهرة، يمكن لك أن تلاحظ بأنّ دونالد ترامب تفوق على منافسيه بإعطاء الناخبين مشاعر المتعة اللحظية المتمثلة في الـ”شادنفرويدا”، حين يقدم ترامب على فعل لا يناسب التقنيات السياسية فإنّ جميع الأميركيين يهتمون بهذا الفعل، فمؤيدوه سينطلقون بالدفاع عنه ومعارضوه لن يتوانوا عن نشر ما فعله ترامب بهدف إيذائه، إلّا أنّ الواقع أنهم جميعًا يعملون في صالحه بهذا.

هذا هو ما يعرفه ترامب، هذا هو واقع عالم المسرح والعروض، فكّر فيما يلي: كل عرض ترفيهي تشاهده اليوم قائم على فكرة إقناعك بأنّك إما أفضل من غيرك أو قادر على أن تكون أفضل من غيرك! نتابع كرة القدم لأنّنا نستمتع إن عرفنا بأنّنا راهنّا على الفريق الفائز وأنّنا أفضل من الاف من مشجعي الفريق المنافس، وحتى إن خسر الملاكم الذي راهنت عليه، فإنّك تكون قد أدمنت هذه المراهنات بالفعل واشتقت إلى مشاعر الـ”شادنفرويدا” المتمثلة بفوزك في الرهان القادم.

الشهرة

إليك سر عالم العروض: الجميع يودّ أن يشعر بأنّه الأفضل، أعط الاخرين هذا الشعور لحظيًّا وسيتفوق عرضك في المدى البعيد، هكذا نجح بارنوم، وهكذا نجح ترامب، نجحا بإيمانهما بأنّ الشهرة وأي سبيل نحوها سيوصل إلى هدف ما، العالم اليوم قسمان، قسم يرى الشهرة غاية، والنجاح لديه سطحي، وقسم يرى الشهرة وسيلة، والنجاح لديه أساس الغاية، من يرى الشهرة غاية سيحققها ولن ينجح في غيرها، ومن يرى الشهرة وسيلة سيحققها وسيصل إلى هدفه، والمهم في كلّ هذا هو أن نمتلك وعيًا بمجال العروض، وأن نفهم ما يعرضه لنا العارضون.

الوسوم: أميركا . السياسة .

اقرأ المزيد في السلطة
مقال . السلطة

السياسة الخارجية الأميركية: ماذا لو فاز بايدن بالانتخابات؟

تثير احتمالية فوز بايدن أسئلة اقليمية محلية، عن العلاقات الإسرائيلية-الفلسطينية و عن العلاقات الأميركية-الإيرانية وأميركا ودول الخليج.
أندرو ليبر
مقال . الثقافة

المسافة بين السجن والمسجد

يعرض محمد ديريه فلم «أكسبت ذا كول» (Accept the call) والذي يناقش فيه اشكالات المسجد والمهاجر الصومالي والهوية والسجن.
محمد ديريه
فلم . السلطة

وداعًا لنين

أوكرانيا، بلاد السبعة آلاف لنين، الدولة التي امتلأت ملامحها ببصمات الشيوعية. خاضت نضالاً دام لعقود لتحقق استقلالها من الحكم الشيوعي الاضطهادي، لكن حين حلت لحظة الحسم، وانكسرت قضبان الشيوعية، أصبحت أوكرانيا سجينة ذاتها، لتقيّد نفسها بأغلال حكمٍ ولّى.
دعاء الريحان
مقال . السلطة

لماذا يشعر الكويتيون بالامتنان لجورج بوش الأب؟

كيف زرع الانتصار الأمريكي في التحالف الذي قادة الرئيس السابق جورج بوش الأب لتحرير الكويت من الغزو العراقي بذرة استلاب النظام العالمي إلى الوعي الشعبي
خالد تركي
مقال . السلطة

المركزية الأوربية وصناعة الشرق الأوسط

قبل قرنين أطلق على المنطقة لفظ «الشرق الأوسط»، ليبنى بعدها على هذا اللفظ تقسيمات جغرافية ودراسات ومطامع سياسية واقتصادية
حسين الإسماعيل
مقال . السلطة

لمن السلطة المطلقة على الإنترنت؟

نضع اليوم حياتنا بأكملها على الإنترنت، فيما تتنازع الحكومات وشركات التقنية الكبرى وضع يدها على بياناتنا وفرض سلطتها المطلقة.
عبدالرحمن أبومالح