اطّلع على كل ما ننشره عن جائحة كورونا وأثرها على الوطن العربي
محنة المعزولين: من الطاعون إلى كورونا

محنة المعزولين: من الطاعون إلى كورونا

ووهان مدينة الزومبيز

في الفلم الأميركي صندوق الطير (Bird Box) يُقدِم الناس فجأة على الانتحار الجماعيِّ بمجرد رؤيتهم لشيء ما غامض يسيطر عليهم فور أن يروه. وفي أجواء ديستوبية تُصور ما يُشبه الملامح الأخيرة لنهاية العالم ينتحر الناس في الشوارع، وتمتلئ الطرقات بجثث المنتحرين، ولا يتبقى سوى أفراد قليلون يحاولون النجاة في استماتة، من بينهم بطلة الفلم التي تُحاصَر مع آخرين داخل منزل بضاحية سكنية، حيث يتحدثون عن أفراد عوائلهم الذين لن يروهم مرة أخرى، ويَسردون تخيلاتهم عن لحظاتِهم الأخيرة، ويخشون من الموت الملتصق بالنوافذ المفتوحة، ويحسبون الساعات المتبقية لنفاد المؤن القليلة بالمنزل، وتنتابهم مشاعر الرهاب والذعر مع كل طرقة على باب المنزل.

على نفس الشاكلة يصف مواطن مصري يعيش في مدينة ووهان الصينية نفس الأجواء تقريبًا للبقعة الموبوءة بفيروس كورونا التي تحولت إلى مدينة من “الزومبيز“، حيث أصبحت معزولة تمامًا عن العالم وفُرِض عليها الحجر الصحي وحُظِرت فيها حركة السير غير الضرورية، ليقبع ساكنوها في بيوتهم خوفًا من القاتل الذي يتسلل في بطء وتكتم شديديْن، يتملكهم الذعر حينما يطرق على أبوابهم غريب ويخشون أن يأتي إليهم حاملًا الموت في فمِهِ وعينيهِ.

تُبرِز مقاطع الفيديو المُسرَّبة حالة من الصمت والرهبة الشديدين تكتنف المدينة، كان آخرها مقطعًا نشره مواطن صيني يعرض جثثًا لضحايا الفيروس أثناء زيارته لمستشفيات عمومية في ووهان، قبل أن تلقي السلطات القبض عليه لتضعه بعدها -كما صرَّحت- في الحجر الصحيّ.

جعل الرعب سُكّان بكين وأحياء مناطق أخرى مثل مدينة شيجيانشوانگ يطرقون الأبواب مستجوبين الناس، عارضين عليهم  جوائز مالية  قيمتها 2000 يوان (288 دولارًا) لمن يُدلي بمعلومات عن أي شخص قدم لتوه من ووهان. كما فرضت السلطات الصينية حصارًا مطبقًا على مدينة ووهان و10 مدن أخرى ليصبح الحجر الصحي مطبقًا فعليًا على نحو 56 مليون شخص، كما فُرضت بعض القيود على حركة النقل العامة، وحُظرت تجارة الحيوانات البرية تمامًا في جميع أنحاء البلاد حتى إشعار آخر.

بحسب آخر الأرقام الرسمية -وحتى كتابة هذا المقال- فإن الفيروس قد أصاب ما يقرب من 87,470 فردًا من دول العالم، أغلبهم من الصينيين (79,826) والباقي من أكثر من 65 دولة، وأودى الفيروس حتى الآن بحياة ما يقرب من 2,990 أشخاص أغلبهم من الصين، ونتيجة للتحذيرات والاحتياطات الكبيرة التي تتخذها الدول لمنع وصول الفيروس إليها من الصين -مثل منع الرحلات الجوية وتقليص البعثات الدبلوماسية- فقد شعر الصينيون وكأنهم قد حوصروا داخل سياج كبير مضروب عليهم من دول العالم.

صورة من مدينة ووهان الصينية وقد خلت شوارعها من السكان (المصدر العربية)
صورة  من مستشفى بمدينة ووهان (المصدر العربية)

يعيد الحجر الصحي المفروض على ووهان أجواءً سوداوية أخرى من التاريخ الإنساني لأوبئة خطفت أرواح ملايين البشر في العالم القديم، وحروب وأزمات وتقاليد بالية كان على هامشها يُحاصَرالبشر  ويُجوَّعون ويُعزَلون باسم الأيديولوجيا أو الدين أو العادات والتقاليد.

الطاعون الأسود: لعنة القرن الرابع عشر

بدأت معرفة الإنسان بفكرة العزل الصحي منذ سنين طويلة ماضية، تحديدًا مع الفترات التي انتشرت فيها الأوبئة والأمراض المعدية التي فتكت بآلاف الأرواح، وكان من أبرزها على سبيل المثال مرض الطاعون الأسود الذي انتشر في أجزاء واسعة من قارات العالم القديم خلال الفترة من 1347م حتى 1352م. وكان بدء انتشار الطاعون كما يقول جوزيف بيرن في كتابه “الحياة اليومية في زمن الموت الأسود” من الصين ثم لبلاد القوقاز، ثم انتقل من بلاد القوقاز إلى جهتين أساسيّتين، الأولى إلى مصر والشام وشمال إفريقيا وبغداد، والجهة الثانية من القوقاز إلى أوربا حيث عانت القارة العجوز أسوأ مصائبها في تاريخها على الإطلاق. وتتحدث كثير من المراجع التاريخية عن أن السبب المباشر وراء تفشي الوباء في أوربا كان إحدى السفن الإيطالية الآتية من سواحل القوقاز، وقد رفضت موانئ كثيرة استقبال هذه السفينة لكنها لم تستطع منع انتشار الوباء، فبدأ هذا الموت المتحرك مسيرته لبقية دول أوربا، ولم ينتصف العام 1348م إلا والبلاد الأوربية قد سقطت ضحية لانتشاره، وفقدت في أقل من سنتين أكثر من 35 مليون نسمة.

سرى في المجتمع الأوربي تفسيرات شعبوية ودينية تتحدث عن أن الله قد أرسل الطاعون بسبب تفشي الذنوب والآثام، ومن ثم كانت وصفات العلاج على ذات المستوى تقريبًا، فخلال فترة ظهور الطاعون كان رجال الدين يُنظِّمون فى الشوارع مواكب التطهُّر من الآثام لإبعاد الطاعون، وكان التطهُّر يحفل بعمليات انتقامية دموية بين فئات السكان المتباغضة تحت شعار “شكرًا للرب”. وصُنّفت عمليات الفصد بصفتها أهم الأدوية وأشهرها، حيث لجأ الأطباء والحلاّقون لإحداث شق في أحد أوردة الجسم الرئيسة بهدف استخراج الدم، كما اُستخدِمت ديدان العلق لامتصاص مواد من الجروح المفتوحة والقروح والدمامل، بينما فضّل البعض الابتعاد عن هواء العالم الخارجي والعيش داخل المجاري والأماكن المعزولة.

رسم تخيلي لمريض يقوم بوضع دودة العلق على يده لسحب دمه الفاسد

عدّ بعض المؤرخين هذا الوباء واحدًا من الأسباب التي أدَّت لضرب الإقطاع في أوربا والقضاء التدريجي عليه، ذلك أن مناطق الريف كانت أكثر المناطق تأثرًا بهذا الوباء، وهو الأمر الذي أدى في النهاية إلى موت أو هروب الكثير من المزارعين، وبدأ ذلك يؤثر على الإنتاجية الزراعية في القارة. ولكن الأهم من ذلك أنه أدى إلى تحرير نسبي للمزارعين المربوطين بالإقطاعيات، وبدأ المزارعون العمل الحر مطالبين بأجورهم مقابل عملهم بعد هجرانهم لإقطاعيتهم، ثم إن نُدرَتَهم أدت إلى ارتفاع كبير في الأجور وأسعار الغذاء في القارة الأوربية. وأدى كذلك إلى انتشار الثورات المحدودة بين هذه الطبقات ما ساهم في ضرب منظومة الإقطاع في أوربا ككل.

كان الغضب الشعبي من جراء هذا الطاعون الأسود بحاجة إلى تنفيس سياسي واجتماعي، خصوصًا مع اعتقاد البعض أنه كان مؤامرة. وكان اليهود من ضحايا مواجهة هذا الوباء، فتعرضوا لحملات قتل وحرق في شتى الربوع الأوربية، حيث أُحرق ما يقرب من ألفي يهودي في مدينة ستراسبورگ، وكذلك في مدينة بازل. أما في الأراضي الألمانية، فقد أدت هذه الموجة إلى هروب عشرات الآلاف من اليهود إلى بولندا.

رسم تخيلي يجسد إحدى عمليات إحراق اليهود

في ذات الفترة وعلى الضفة الأخرى من العالم، يحكي المؤرخ المصريّ تقي الدين المقريزي مشاهد سوداوية من القاهرة لآثار الطاعون قائلًا: “وما إن أهلّ ذو القعدة (سنة 749هـ) إلا والقاهرة خالية مقفرة لا يُوجد في شوارعها مارّ بحيثُ إنه يمر الإنسان من باب زويلة (جنوب القاهرة) إلى باب النصر (شمال القاهرة) فلا يُرى مَن يُزاحمه لكثرة الموتى، والاشتغال بهم، وعلَت الأتربة على الطرقات، وتنكّرت وُجوه الناس، وامتلأت الأماكن بالصياح فلا تجدُ بيتًا إلا وفيه صيحة، ولا تمر بشارع إلا وفيه عدّة أموات، وصارت النعوش لكثرتها تصطدم والأموات تختلط، وبقيت الأزقة والدروب مما فيها من الدُّور المتعددة خالية، وصارت أمتعة أهلها لا تجدُ مَن يأخذها، وإذا ورث إنسان شيئًا انتقل في يوم واحد عنه إلى رابع وخامس”.

طاعون الكوليرا في عهد محمد عليّ

ثم مع بداية ومنتصف ثلاثينيات القرن الثامن عشر انتشر وباء الكوليرا في مصر، ووصل عدد ضحاياه إلى أكثر من مائة وخمسين ألف نسمة، واجتمع قناصل الدول الأوربية بالإسكندرية وشكَّلوا فيما بينهم مجلسًا للصحة، وكان هذا المجلس يُهيمن على الأمور الصحية ويشرف على إنشاء معازل، حيث فرَضَ معازل وأماكن حجر صحي في موانئ دمياط ورشيد والعريش لمنع انتشار الطاعون إلى دول أخرى.

صورة تخيلية لضحية طاعون في القرن التاسع عشر

فى عام 1836 كتب “ألكسندر كينگلاك” الذى عاش فى القاهرة أثناء الوباء: “كان الطاعون سيد المدينة طوال فترة إقامتي، وظهر الخوف فى كل شارع وكل حارة، لكن الشرقيين يمتلكون حظًا وافرًا أكثر من أوربا تحت بلوى من هذا النوع. ففي مدن الموت نُصِبت الخيام، وعُلِّقت المراجيح لتسلية الأطفال، عيد كئيب، لكن المسلمين تباهوا باتباعهم عاداتهم القديمة غير عابئين بظل الموت”

صورة نادرة لمنطقة الحجر الصحي للحجاج بمدينة طور سيناء الذي أسسه سعيد باشا عام 1858، تاريخ التقاط الصورة نحو عام 1914. (مصدر الصورة صفحة تاريخ سيناء)

في محاضرة نادرة تعود لعام 1948 نشرتها وزارة المعارف، يتحدث الدكتور سيف النصر أبو ستيت عن تاريخ الأوبئة في مصر وعن أن الكوليرا التي وفدت إلى مصر عام 1831 أدت إلى وفاة الكثير من المواطنين، وقد ضربت الكوليرا مصر عشر مرات في تاريخها الحديث أعوام 1831 و1834 و1850 و1855 و1865 و1883 و1895 و1902 و1947، وكان هذا الوباء السببَ في إنشاء مكاتب الصحة لأول مرة في مصر خصوصًا في دمياط ورشيد والعريش، وشُكِّل المجلس الصحي العمومي الذي كان النواة الأولى لما يعرف الآن بوزارة الصحة.

في أواخر القرن التاسع عشر أنفقت الحكومة المصرية مليونًا و400 جنيه لحرق مواد محتوية على الكبريت وإلقائها في الشوارع، حيث كانت الطريقةَ المتبعة لمكافحة مرض الكوليرا آنذاك قبل ظهور الأمصال والتطعيمات والأدوية الفعالة. أما الوباء التاسع فكان عام 1902 وضرب قرية موشا بأسيوط، وكان بسبب تستر العمدة على قدوم المرض مع القادمين من مكة المكرمة، حيث انتشر بعدها للقاهرة من خلال امرأة كانت قادمة من موشا، وسجل الشاعر أحمد شوقي وباء موشا في إحدى قصائده قائلًا: “فالموت عند ظلال موشا رائع كالموت في ظل القنا الخطار”، وقد انتهى وباء موشا عام 1902 ليختفي ويعاود الظهور مرة أخرى عام 1947.

المنبوذون والأرامل الهنديات: من العزل إلى الحرق

بالرغم من أن المرأة الهندية قد وصلت لمنصب رئاسة الوزراء (أنديرا غاندي) واستطاع رجال من طائفة المنبوذين (الداليت) الوصول إلى منصب رئاسة الهند، إلا أن هذا لا يعني أن النساء والمنبوذين قد حققوا المساواة الكاملة في الهند، لأن وجود منبوذ في منصب سياسي كبير قد يكون محاولة لتحسين صورة الحزب لجذب أصوات انتخابية لفئة كبيرة العدد، حتى ولو كانت مهمشة سياسيًا. وفيما كانت لأنديرا غاندي وضعية خاصة بحكم الميراث السياسي الكبير لأبيها جواهر لال نهرو وأسرتها الأرستقراطية الكبيرة، إلا أن كلا المجموعتين النساء والمنبوذين يعانون من ممارسات تمييزية كبيرة.

المنبوذون يتقبلون البؤس طاعةً لأوامر الآلهة. صورة من أ.ب

بالرغم من أن الدستور الهندي ألغى الفروقات الطبقية، إلا أن نظام الطبقات ما زال متجذرًا في المجتمع الهندي، وما زال الملايين من طائفة “داليت” الذين ظلوا لفترة طويلة يُسمّون بالمنبوذين يعانون من تمييز يومي. فالطائفة التي يبلغ عدد أبنائها 200 مليون نسمة يقبع أفرادها في أدنى السلم الطبقي الهندي، وتوكَل لهم الوظائف الدنيا التي يتعفف أبناء الطبقات الأخرى عن القيام بها مثل دفن الموتى، والكسح اليدوي للحمامات البلدية، وإزالة فضلات المواشي من الشوارع، كما يُطلب من أبنائهم تنظيف دورات مياه المدارس، ويُمنعون من تناول الطعام مع أفراد الطوائف الأخرى، ويُحتم عليهم السكن بعيدًا عن موطن القرية.

ويعتقد الهندوس والمؤمنون بتناسخ الأرواح أن الأرواح الشريرة التي اقترفت الآثام في حياتها الأولى تتناسخ في أجساد المنبوذين، ونتج عن هذا الاعتقاد استمرار توارث هذه الطبقة المهمشة والمعزولة الفقرَ والتعاسة وسوء الأحوال، إلى جانب الاحتقار والازدراء من الفئات الأخرى التي تتجنبها اتقاء اللعنة التي يمثلونها، وكان الاعتقاد السائد لدى الهندوس أن رؤية أحد المنبوذين كافية لتلويث من يراه من الطبقات الأعلى.

أفراد من المنبوذين في مالابار، كيرلا (1906)

الأرامل المعزولات

وبعيدًا عن طائفة المنبوذين، توجد مجموعات منبوذة أخرى، لكن أسوأهم حالًا الأراملُ من النساء الهندوسيات في المناطق التي لا تزال تتبنى أفكارًا تقليدية عن المرأة التي مات زوجها، حيث يُعدَدْن نذير شؤم، فيُبعَدن عن عائلاتهن ومجتمعاتهن للأبد، ويعشن بقية حياتهن في فقر مدقع وعزلة، كما لا يسمح للصغيرات منهن (اللاتي تزوجن في سن صغير للغاية) باللعب مع أترابهن.

صورة لأرامل هنديات يعشن معزولات عن مجتمعاتهن

وكانت الأرملة الهندية حتى أواخر القرن التاسع عشر تُحرَق مع زوجها المتوفى إذا لم يكن  لديها فرصة لزواج جديد وفقًا لشعيرة ساتي، وفي الأغلب تختار هذا الأمر طواعية نتيجة للحياة القاسية المتوقع أن تعيشها بعد موت زوجها، حيث تُمنع من التواصل مع أقاربها، وتُمنع من تناول الطعام على المائدة نفسها مع بقية أفراد أسرتها، ومن ارتداء الملابس الزاهية. وقد حُظِر بالطبع طقس إحراق النساء منذ فترة طويلة، لكن الطقوس المرتبطة بعزل الأرملة بقيت موجودة حتى الآن خصوصًا في الطبقات الدنيا والفقيرة.

صورة تخيلية لامرأة تقاد إلى الحرق مع زوجها المتوفى

لجأت الأرامل في الوقت الحالي إلى بديل آخر يتجنب ضغط التقاليد، وهو لجوؤهن إلى “بيوت الأرامل” التي تشبه بيوت المسنين، أو هروبهن إلى مناطق مثل مدينة فريندافان التي تسمى مدينة الأرامل وتعد ملاذًا للنساء اللائي فقدن أزواجهن. هناك يمكنهن أن ينعمن سويًا بما تبقى لهن في الحياة، حيث يُقبلن على الغناء والصلاة، ويحاولن تعلم القراءة والكتابة، ويتذكرن أبناءهن وبناتهن هناك على الضفاف الأخرى في المدن البعيدة.

أرامل هنديات يعشن في بيوت للأرامل الجدات
أرامل هنديات يعشن في بيوت للأرامل الجدات
بـعرائس الماريونت”، ورش لدمج الأرامل في الحياة الاجتماعية بالهند

خروج الغولة من عزلتها في “واحة الغروب”

تشبه التقاليد المتعلقة بالنظرة السلبية للمرأة الأرملة إلى حد كبير بعض التقاليد في ثقافات أخرى، وإن كانت بدرجة أقل قسوة وحِدَّة من الحالة الهندية السابق ذكرها، ولعل أبرزها ما رواة الروائي المصري بهاء طاهر في روايته “واحة الغروب” التي تدور أحداثها في واحة سيوة (واحة صحراوية غرب مصر) في أواخر القرن التاسع عشر.

في الثقافة القديمة لأهل واحة سيوة كانت الأرملة تُسمّى بـ”الغولة”، وتعني التسمية امرأةً ذات عين قوية حسودة تجلب سوء الحظ. وتعيش الغولة في عزلة لأربعة شهور قمرية، ويُمنع عنها كل أدوات الزينة، وترتدي رداءً أبيض ولا تغتسل أو تقص شعرها. ويستمر ذلك لأشهر كما يحكي طاهر في روايته “للتخلص من الشر الذي تجسده الأرملة بمجرد موت زوجها. وفي نهايتها فقط يحق لها أن تستحم في أحد عيون الواحة”، وقبلها “يدور المنادي في طرقات البلاد محذرًا: الغولة آتية إليكم فاحذروا سوء المصير! يلزم الجميع بيوتهم لأن شؤم الغولة يكون قويًا جدًا في اللحظات التي تسبق تطهرها من روح الموت. ومن يراها نصيبه بالهلاك”

من العزل الصحي إلى العزل العِرقي

مع بداية حقبة الثلاثينيات استطاعت الحركة النازية أن تستغل الأوضاع الاقتصادية السيئة، وأن تستثمر الحقد والإحباط الذي تراكم في ألمانيا بعد نهاية الحرب العالمية الأولى لتصل إلى سدة الحكم، بعدها قامت النازية بحركة قتل واضطهادات واسعة خصوصًا ضد اليهود، حيث شُحِنوا من عدة بلدان أوربية بعد احتلال الألمان لها إلى معسكرات إبادة جماعية، وقد وصل الأمر إلى كرة القدم حيث أقصى النازيون كل اليهود الموجودين في مناصب رياضية مهمة، وأُلقِي أغلبهم في السجون أو شُحِنوا في قطارات إلى معسكرات الإبادة.

في كتاب “كرة القدم في ظل الصليب المعقوف” للمؤرخ الألماني نيلز هافيمان، يتحدث عن حكاية بطلها لاعب كرة القدم في عهد النازية يوليوس هيرش. كان هيرش يهوديًا يلعب في المنتخب القومي الألماني وفي فريق كارلسروه، وبعد أن تسلم النازيون مقاليد الأمور في ألمانيا وتحت الضغط الهائل اضطر هيرش إلى ترك فريقه الذي كان أحد أهم لاعبيه. زُج باللاعب اليهودي في السجن لاحقًا وقُتل في معسكر الاعتقال والإبادة في أوشفيتز.

اللاعب يوليوس هيرش مع فريق كارلسروه الألماني، ثاني لاعب يجلس على الأرض من ناحية اليمين

الساسة القدامى: بين الاجتثاث والعزل

بعد هزيمة الألمان في الحرب العالمية الثانية اتفق الحلفاء على نزع سلاح ألمانيا وإلغاء قواتها المسلحة، وإزالة الفكر النازي من ذهن الشعب الألماني، وتحديث الحياة السياسية على النحو التالي: تفكيك وإلغاء الحزب النازي، وإلغاء القوانين والأحكام القضائية والتنظيمات التي رسخت التعصب على أساس العرق. كما أُقصِي أعضاء الحزب من المواقع الهامة والعامة والرسمية، ومن المنظمات المدنية والاقتصادية والمجالس البلدية، ومن حقل الصناعة والتجارة والزراعة والتعليم والصحافة. وتشكلت محاكم لمحاكمة النازيين، وصدر قرار إلقاء القبض على كبار القادة النازيين بصفتهم مجرمي حرب تمهيدًا لمحاكمتهم.

من محاكمات نورنبرغ: في المنتصف المارشال النازي هيرمان گورينگ. المصدر دويتشة فيله

في عام 1946 تشكلت محاكمات نورنبرغ لمحاكمة هؤلاء القادة، ومن الهام الإشارة إلى أن اجتثاث النازية اختلف نطاقه وفقًا للقوى المسيطرة، حيث كانت العملية أكثر شمولًا في المقاطعات التي سيطرت عليها الولايات المتحدة، وقد حصلت حينها خلافات بين الأميركيين والألمان بشأن اجتثاث النازية، وكان رأي الألمان أن هدف الاجتثاث هو إرجاع من كان مدنيًا إلى المجتمع، والتمييز بين المجرمين الكبار والصغار والتابعين. وأما في المقاطعات التي سيطرت عليها فرنسا وبريطانيا، فاُعتمدت التسويات كحل لأسباب اقتصادية وإدارية، بينما اختلف الأمر في المقاطعات التي سيطر عليها السوفييت حيث لم يتأثر أعضاء النازية بالاجتثاث كثيرًا بعد أن أعلنوا رغبتهم بالتعاون مع النظام الاشتراكي.

عاش النازيون القدامى من الكبار الذين فروا من ألمانيا فترة عزلة ورعب امتدت لفترات طويلة، ولم تنتهِ إلا بموت  النازي كفئر طريد في جحر في دولة تبعد آلاف الكيلومترات عن موطنه السابق، أو اعتقال معظمهم نتيجة المطاردات المستمية من مخابرات دول الحلفاء أو الموساد.


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×