التغيّر المناخي في أستراليا: قصة متكررة ضحيتها الغابات والإبل

التغير المناخي في أستراليا: ماذنب الإبل؟

رنا السمان
9 مارس، 2020

شهدت أستراليا خلال العقد الأخير عددًا كبيرًا من حرائق الغابات خلّفت وراءها خسائر فادحة في أرواح البشر والحيوانات وتدميرًا لمساحات شاسعة من الأراضي. وكان أبشعها حريق غابات ولاية نيو ساوث ويلز الجنوبية في شهر سبتمبر الماضي الذي استمر حتى شهر يناير. وتزامنًا مع هذه الكوارث البيئية التي تُهدد بانقراض أنواع بأكملها من الحيوانات النادرة، أصدرت الحكومة الأسترالية قرارًا بإعدام آلاف من الإبل رميًا بالرصاص. فماذا يحدث في القارة الأسترالية؟

أستراليا تحترق

السماء مغطاة بلون أحمر دموي، وحيوانات متفحمة وإخلاء كامل للمدن، وإعلان حالة الطوارئ في البلاد بينما يحاول رجال الإطفاء السيطرة على الحرائق بكل ما أوتوا من قوة فلا يستطيعون. كانت هذه حالة أستراليا منذ أوائل شهر سبتمبر 2019 حتى منتصف يناير 2020. ففي التاسع من سبتمبر نَشَبَ حريق هائل في الغابات المطيرة بولاية نيو ساوث ويلز جنوب أستراليا دمّر فندقًا تاريخيًّا في منطقة جبال كوينزلاند يُعرف بـBinna Burra Lodge. كان حريقًا غير متوقع، ففي العادة تكون تلك المنطقة باردة ورطبة. وخلال أسابيع انتشرت الحرائق في جميع أنحاء البلاد، وأثر ذلك على أربع من أصل ست ولايات وكان الساحل الشرقي الأكثر تضررًا. وفي أوائل شهر نوفمبر كان 1500 إطفائيّ يكافحون 70 حريقًا في الولاية الجنوبية الشرقية نيو ساوث ويلز وعاصمتها مدينة سيدني.

وفي يوم 11 نوفمبر أعلنت الولاية أن الوضع كارثي، وغطّى لون الدخان على لون السماء لعدة أيام، وفرّ الأشخاص إلى الشواطئ بين مدينتي سيدني وملبورن، وبلغ معدل تلوث الهواء في مدينة ملبورن عاصمة ولاية فيكتوريا جنوب شرق أستراليا الأكثر خطورة لدرجة أن استنشاقه كان بمثابة تدخين سبع سجائر يوميًا.

ومع بداية شهر يناير استمر الوضع كارثيًا، حيث أعلنت ولاية نيو ساوث ويلز حالة الطوارئ، وأغلقت الحكومة الحدائق والمنتزهات، وأخلت ساحل الولاية وأَجْلت السلطات نحو 1000 سائح ومقيم من ولاية فيكتوريا التي احترق فيها أكثر من 800 ألف هكتار من الأراضي.

الصورة من فليكر

وجاء الغيث الإلهي في السابع من يناير متمثلًا في سقوط الأمطار، فهدأت أخيرًا الحرائق التي تسبّبت في وفاة 29 شخصًا وتشريد المئات ونفوق أكثر من 1.25 مليار حيوان منهم حيوانات فريدة. ولكن لا يزال الوضع مثيرًا للقلق حتى الآن، خصوصًا أن موسم الحرائق يستمر عادة ما بين شهري أكتوبر ومارس. فما السبب وراء حدوث هذه الكارثة؟

التغيُّر المناخي المتهم الأول 

على الرغم من رفض رئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون العلاقة بين التغيُّر المناخي والحرائق في أستراليا، اكتشف العلماء هذا الرابط منذ سنوات. فبشكل عام يتميز مناخ القارة الأسترالية بارتفاع شديد في درجات الحرارة مع قلة سقوط الأمطار وجفاف تُسببه الرياح التجارية المتجهة نحو خط الاستواء. إلا أنه منذ عام 1910 زادت درجة حرارة الجو بمعدل درجة مئوية، وسبّب هذا الارتفاع حدة الطقس الحار، كما ارتفعت درجة حرارة مياه المحيطات بمعدل درجة مئوية أيضًا مما تسبّب في موجات الحر البحرية المتكررة. وانخفضت نسبة هطول الأمطار بمعدل 20% منذ عام 1970، مما قلّل من كمية الأمطار التي تسقط على الجزء الجنوبي الشرقي من أستراليا وهي المنطقة التي تشهد أغلب الحرائق.

وتوصلت دراسة علمية حديثة إلى أن التغيُّر المناخي هو السبب في زيادة شدة الطقس الحار وانخفاض الرطوبة وانخفاض مستوى هطول الأمطار والرياح القوية، وكلها عوامل تزيد من خطر حدوث الحرائق وتُمثّل مثلث النار الذي يشمل ثلاثة عوامل: الوقود والأكسجين والحرارة. ولذلك يُعد هذا المناخ الجاف شديد الحرارة شرارةَ الاشتعال كما تُمثّل الرياح الأكسجينَ الذي يقويه، أما النباتات الجافة وأوراق الأشجار فهي الوقود الذي يُغذي أي شرارة صغيرة ليُحولها إلى حريق مدمر وكارثي.

اقرأ أيضًا: الزراعة في المستقبل بالطاقة المتجددة

وهذه التغيرات لا تحدث في أستراليا فقط، وإنما في جميع البلاد وسبّبت من قبل حرائق كاليفورنيا عام 2018 وحرائق غابات الأمازون في أغسطس 2019. ومن المتوقع أن تشهد أستراليا ارتفاعًا جديدًا في درجات حرارة الجو والمسطحات المائية، وبالتالي زيادة حدة الطقس الحار وموجات الحر البحرية والجفاف مرة أخرى.

هل الحكومة الأسترالية المتهم الثاني؟ 

لم تكن هذه المرة الأولى التي تواجه فيها أستراليا حرائق الغابات، فخلال العقد الماضي نشبت في أستراليا أربعة حرائق للغابات منها اثنان في عام 2013. وبالتالي  كان حريق 2019-2020 دليلًا على تخلُّف الحكومة الأسترالية عن مكافحة التغيُّر المناخي، وتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المتسبب الأول في حبس الحرارة في الجو. وصدر تقرير من المعهد الأسترالي للأبحاث في أغسطس 2019 -أي قبل شهر واحد من اندلاع الحرائق الأخيرة- يُفيد بأن أستراليا ثالث أكبر الدول المصدرة للوقود الأحفوري في العالم بعد روسيا والسعودية، وأكبر خامس متسبب في انبعاثات كربون الوقود الأحفوري. بينما واجه رئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون انتقادات كثيرة في منتدى جزر المحيط الهادي في توفالو بشأن استجابة أستراليا المحدودة في مكافحة أزمة المناخ، ورفض الالتزام باستخدام طاقة نظيفة بديلة عن الوقود الأحفوري.

الصورة من cpomagazine

حتى بعد موسم الحرائق الأخيرة، صرح سكوت أنه سيعمل على اتخاذ تدابير واحتياطات عملية لمواجهة الحرائق والتكيف مع التغيُّر المناخي بدلًا من  إلقاء الضوء على تغيير سياسة بلاده في التقليل من الانبعاثات الضارة. إلا أنه ذَكَرَ التزام أستراليا باتفاقية باريس التي تنص على انخفاض مستوى انبعاثات ثاني أكسيد الكربون خلال عام 2030 بنسبة 26% من معدلات عام 2005. بينما أشارت الإحصائيات الأسترالية إلى أن انبعاثات الكربون في أستراليا انخفضت من 622 مليون طن خلال عام 2007 إلى نحو 530 مليون طن خلال عام 2019.

وبشكل عام تهدف اتفاقية باريس لمكافحة التغير المناخي التي أجريت عام 2015 إلى خفض معدل ارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية إلى أقل من درجتين مئويتين، والتقليل من انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون لإعادة الاتزان للبيئة والمناخ، وأن تساهم الدول الغنية في تمويل مشروعات للحد من استخدام الكربون في الدول النامية في إفريقيا وآسيا.

ما ذنب الإبل؟

نُشرت عشرات الصور التي تُدمي القلوب على صفحات الجرائد ومواقع الإنترنت لحيوانات الكوالا والكنغر تستنجد بالبشر لإنقاذها من الهلاك في الحريق. أكثر من 45 ألف من الكوالا النادرة لم يتبق منها إلا تسعة آلاف، وجزيرة الكنغر التي تحتوي على 50 ألف من حيوانات الكنغر بأنواعها التي لا مثيل لها إلا في أستراليا احترقت بكاملها. وبلغ إجمالي الحيوانات من الثدييات والزواحف والطيور التي نفقت نتيجة لاحتراقها أو اختناقها بالدخان أو موتها جوعًا بسبب احتراق مصادر غذائها أكثر من مليار حيوان. وبينما يَنعى العالَم أستراليا وأحداثها ويُصلّي من أجلها ومن أجل غاباتها وحيواناتها المسكينة، أصدرت الحكومة الأسترالية في يناير الماضي -تزامنًا مع هذه الكارثة البيئية التي تُهدد بانقراض أنواع كثيرة من حيواناتها- قرارًا بإعدام 10 آلاف من الإبل البرية رميًا بالرصاص. فما سر هذا التناقض؟

يبلغ عدد الإبل في أستراليا وفقًا للإحصائيات نحو 1.2 مليون جمل يتجولون في البرية ويأكلون من العشب والنباتات ويشربون من مياه الآبار. إلا أن الحكومة سئمت من مشاركة الإبل لها في مواردها الطبيعية وأهمها الماء، وترى أن الجِمال البرية تضر بالأراضي والنباتات والبنية التحتية الرعوية كالآبار. وبناءً عليه مررّت الحكومة الأسترالية قانونًا لاستئصال الجِمال من أستراليا، وكلّفت ما يُعرف بالفرقة رقم 91 بقتل الجِمال البرية بالرصاص من طائرة مروحية اعتقادًا منها أنها تُسبب مشكلة بيئية، وتظل جثث هذه الجِمال ملقاة في الصحراء دون حلٍ لها.

وبعكس أغلب الحيوانات الموجودة في أستراليا التي تُعد حيوانات أصيلة في القارة، وترجع أصول معظمها إلى قارة گندوانا القديمة التي انفصلت عنها قارة أستراليا منذ 300 مليون سنة، لا تُعد الإبل الأسترالية حيوانات أصيلة على الرغم من أعدادها الهائلة. فكيف وصلت الجِمال إلى أستراليا؟

القصة وراء الإبل الأسترالية 

القصة قديمة بقِدم اكتشاف أستراليا، فقبل 50 مليون عام انفصلت القارة الأسترالية عن الكتلة الأرضية الجنوبية گـندوانا التي ضمّت أميركا الجنوبية وإفريقيا والهند وأستراليا والقارة القطبية الجنوبية. وبعد هذا الانفصال وُجدت أستراليا في عزلة أدت إلى تطوّر الغطاء النباتي والحياة البرية فيها. ولم تُكتَشف القارة إلا في عام 1606 ميلاديًا على يد القبطان الهولندي وليام جانزون وأطلق عليها “هولاند الجديدة”. ولم تحصل عمليات اكتشاف أخرى حتى عام 1770 عندما هبط الكابتن جيمس كوك على خليج بوتاني (نيو ساوث ويلز حاليًا) وأقام أول مستعمرة إنگليزية على الساحل الشرقي.

صورة الإبل من فليكر

استوطن البريطانيون أستراليا الساحلية، وكان التفكير الاستعماري وقتها يرى أن اكتشاف هذه المساحة الشاسعة من الأراضي ضرورة حتمية. وقد كان السكان الأصليون يعيشون على هذه الأرض منذ عشرات الآلاف من السنين متأقلمين ويعرفون أرضهم، إلا أن أستراليا كانت للرجل الأوربي الدخيل عبارة عن مساحات هائلة من الأراضي المغمورة.

اُكتشفت حقول الذهب وصُممت الطرق التكوينية، ولكن كان اكتشاف هذه المناطق الشاسعة يحتاج إلى حيوانات أكثر قدرة على تحمُّل العطش وتعب المسافات البعيدة التي تستغرق أيامًا في الحرارة الشديدة، ولا يوجد بالطبع إلا الإبل.

ولذلك وصل نحو 20 ألف جمل إلى أستراليا من الجزيرة العربية والهند وأفغانستان مع ما لا يقل عن 2000 راعٍ من نفس المناطق ما بين عامي 1870 و1920. وكان الجمل بالفعل الوسيلة المثالية لتحمّل مسيرة أيام في درجات حرارة مرتفعة دون تعب وشعور بالعطش مع قدرة على حمل البضائع والركاب.

تأثير الإبل على الاقتصاد

ولم يقتصر دور الإبل ورُعاتِها على النقل فقط، بل كان لهم تأثيرًا كبيرًا في اقتصاد وثقافة أستراليا على الرغم من تجاهل الأوربيين لهذه التأثيرات. فتقول آنا كيني في كتابها “الرعاة المسلمون في أستراليا: رواد الأرض الداخلية”: “فتح هؤلاء الرعاة خطوط الإمداد والنقل والاتصال بين العالم وهذه المناطق المعزولة، مما جعل التنمية الاقتصادية في أستراليا ممكنة وأثّر على ثقافة مجتمعها”.

ومن هنا أصبح للجِمال دورًا أساسيًا في الاقتصاد والنقل، وحَمَلت الصوف والماء وأعمدة التلگراف وعوارض السكك الحديدية والشاي والتبغ. وكان السكان الأصليون لأستراليا يستخدمون شعر الإبل في منسوجاتهم اليدوية. أما قطار “الگان” الفاخر الذي يمر بين مدينتي أديلايد جنوب أستراليا ودارون في الإقليم الشمالي فيستمد اسمه من الرعاة الأفغان.

ولكن لم يبق الحال كما هو عليه، فمع حلول ثلاثينيات القرن العشرين ووصول المحركات والنقل الميكانيكي إلى أستراليا أصبحت الإبل زائدة عن الحاجة. وأُطلقت آلاف الإبل في البرية حيث كانت أرضًا خصبة لتزايدها وتكاثرها. وأصبحت الإبل لسكان المناطق النائية كارثةً تُدمّر السياج وتشرب من الآبار وأحواض المياه أمام ديارهم، وهو ما جعلها منافِسة قوية لهم على مصادر الماء. ولم تجد الحكومة الأسترالية حلًا لهذه المشكلة إلا الإعدام.

وأفاد تقرير ظهر في أواخر عام 2013 أن الحكومة الأسترالية قد موّلت مشروعًا لإدارة أعداد الإبل، وقَتلت منذ عام 2009 نحو 160 ألفًا من الإبل البرية رميًا بالرصاص.

هل يوجد حل غير القتل؟

في مقابل ما تقوم به الحكومة بحق الإبل ظهرت بعض المبادرات الإيجابية للاستفادة من هذه الجِمال وأهمها مزرعة “Summer Land Camels” التي ترعى نحو 550 جملًا في مساحة قدرها 850 فدانًا في كوينزلاند، وتحرص على الاستفادة من ألبانها وتصنيع منتجات مختلفة منها. إلا أن هذه المبادرات ليست كافية للحكومة خصوصًا أن أعداد الإبل تتضاعف كل ثمانية أعوام.


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×