اطّلع على كل ما ننشره عن جائحة كورونا وأثرها على الوطن العربي

كيف فَجّر شوبنهاور حقيقة العالم فوق رؤوسنا؟

لأمين حمزاوي
27 يناير، 2020

آرثر شوبنهاور فيلسوف ألماني، يشتهر عادة بتشاؤمه تجاه الحياة بوصفها “بندولًا يتأرجح بين الألم والملل”، وقد عاش شوبنهاور بالفعل وحيدًا ومغمورًا في الجزء الأكبر من حياته، لكن وحدته أو معاناته الشخصية لم تكن كما يظن البعض سببًا أساسيًا في صياغة آرائه التشاؤمية عن الحياة، بل على العكس من ذلك، لم تكن حياة شوبنهاور -على الأقل في بدايتها- بذلك السوء الذي قد نتصوره، ويمكن القول بأن كثيرًا من الفرص كانت مُتاحة أمامه ليعيش حياةً أكاديمية وبرجوازية هادئة تُرضي جمهور الناس، فقد تلقى شوبنهاور تعليمًا راقيًا منذ صغره، وأتقن العديد من اللغات الحديثة والقديمة، كما ذهب إلى حفلات الرقص والمسرح في شبابه، ومارس الجنس مع الممثلات والخادمات وحتى العاهرات.

وأقامت أمه جوانا أيضًا صالونًا حضره كثير من المثقفين ومن بينهم الشاعر الألماني الكبير گوته، لكن آرثر كان على خلاف دائم مع والدته خصوصًا بعد وفاة والده.

حصل شوبنهاور فيما بعد على الدكتوراه من جامعة برلين، وكان مُقدرًا له أن يحظى بمسيرة تدريس هادئة لولا أنه اختار -بعناد وشجاعة وربما سذاجة- إلقاء محاضراته بنفس التوقيت الذي كان يُلقي خلاله فيلسوف ألمانيا الأبرز في ذلك الوقت جورج هيـگـل محاضراته، فلم يستمع أحد إلى شوبنهاور الذي قرر اعتزال التدريس والتفرغ للكتابة.

طرح شوبنهاور آراءه الثاقبة للغاية في العديد من المسائل، بدءًا بنظرية المعرفة وفلسفة العلم وصولًا إلى فلسفة الأخلاق والفن، وقد كان مُتأنيًا في تفكيره، مُقتديًا بالفيلسوف الألماني كانْت “العظيم” كما كان يحلو له وصفه، تحديدًا في ممارسة النقد الذاتي الصارم على أفكاره.

كما ظل أيضًا مُخلصًا للفلسفة، وناقمًا على من يجعلون منها “أداة للأغراض الخاصة بالدولة من أعلى، والأغراض الشخصية من أسفل”. وكان ثابتًا على اقتناعه بأنه إنما أنجز عمله الفلسفي لا لمعاصريه ولا لأهل بلده، وإنما للبشرية، وذلك لاعتقاده بأن كل شيء ذا قيمة يحتاج وقتًا طويلًا لينال مشروعيته، ذلك الاعتقاد الذي دفعه إلى نقد عمالقة الفلسفة في عصره بشجاعة، وعلى رأسهم هيـگـل (رغم ما له من سلطة معنوية) حتى أنه جرؤ على وصف الأخير بـ”المشعوذ” و”المُنحط عقليًا”.

ونحن هنا كي نستعرض بعضًا من الأفكار الأساسية لفلسفته، وعلى رأسها الإرادة والتَمثُّل (عنوان كتابه الأشهر)، وكذلك أفكاره الذكية للغاية -وغير المشهورة عادة- عن المعرفة التي اعتقد بأنه قد حسم خلاف الفلاسفة حولها نهائيًا وانقسامهم إلى مثاليين وماديين، ونختتم بآرائه حول الفن والموسيقا: لماذا تخلق فينا شعورًا يتجاوز كل الظواهر واللغات؟ وكيف لها أن تحررنا من المعاناة والألم؟

فَخ الفلاسفة

انقسمت الفلسفة تاريخيًا إلى مُعسكرين كبيرين: مثالي ومادي. اختلفا حول طبيعة العالم وعلاقته بالفكر، فالأول يرد ظواهر الوجود إلى الفكر (الذات العاقلة)، بل يشك أحيانًا في وجود العالم الخارجي والأشياء من حولنا، أو يقول بأن وجودها في أفضل الأحوال حقيقة يمكن وصفها بأنها من الدرجة الثانية، بينما يؤكد على أن الأفكار موجودة مُسبقًا بصفتها حقيقة من الدرجة الأولى، وذلك في شكل مُثُل (نماذج) للأشياء جاهزة داخل العقل.

فعلى سبيل المثال، لدينا داخل عقولنا مِثال الطاولة الذي يجعلنا نتعرف عليها حين نراها، ففكرة الطاولة تُوجد أولًا داخل العقل، ثم يُسقطها العقل على ذلك الجسم الخشبي المستطيل ذي القوائم الأربع الذي يظل في أفضل الأحوال حقيقة من الدرجة الثانية.

أما الفريق الثاني فيرى العكس، فالعقل أو الوعي (الذات) هو نتيجة لتفاعلات المادة (موضوعات العالم الخارجي)، وبالتالي تُعَد الموجودات المادية موجودة يقينًا، فهي حقيقة من الدرجة الأولى لا لبس فيها.

ونحن نعرف الطاولة، ليس لأن لدينا صورة عقلية (مثالًا) جاهزة وسابقة على وجودها، وإنما عن طريق الإحساسات التجريبية المتراكمة لدينا التي تُخبرنا بأن ثمة مجموعة من الصفات والخصائص الواقعية المُشتركة بين تلك الأجسام الخشبية المستطيلة ذات القوائم التي اعتدنا رؤيتها، وهذه الصفات يفرضها وجودها المادي ذاته، واختبارنا إياها هو الذي يجعلنا نضعها تحت تصنيف مُوحَد لشيء (ماهية) ندعوه فيما بعد “طاولة”.

الصورة بواسطة Giammarco Boscaro على Unsplash

أما شوبنهاور، فقد خالف كلا التيارين مُعتقدًا بأن الفلاسفة وقعوا في فخ طبيعة الواقع، ذلك الفخ هو الفصل الحاسم بين الذات والموضوع بطريقة تجعل أحدهما يُلغي الآخر دائمًا، وقد طرح في المقابل نموذجًا يدمجهما في كيان واحد، بطريقة تجعل من المستحيل لأحدهما أن يتخلى عن الآخر.

ففي رأيه، تشترط الذات دائمًا وجود موضوع تصيغ تصوراتها عنه، ومن دون ذلك الموضوع تُصبح الذات كيانًا فارغًا وخاليًا من الواقعية.

بينما لا يصير الموضوع موضوعًا من حيث المبدأ، إلا لذات يُمارِس عليها تأثيره (المادي الواقعي) عن طريق الحواس، وهكذا يُمكننا التأكيد (عكس المثاليين والشكاك) على وجود واقع موضوعي، لأننا نُدرك طبيعته من خلال تأثيراته على الذات، كما يُمكننا التعويل على فاعلية أصيلة للذات (عكس الماديين)، إذ أنها ما يجعل من الأشياء موضوعات قابلة للإدراك.

وهكذا تتحد الذات والموضوع في واقع مُوحَّد، وتصير “المطالبة بوجود الموضوع خارج نطاق تمثل [إدراك] الذات” أي مطالبة الماديين، و”المطالبة بوجود واقعي للشيء الفعلي [المادي] يكون مُتميزًا عن تأثيره [على الذات]” أي مطالبة المثاليين والشُكاك، -“هي مُطالبة بلا أي معنى على الإطلاق” كما يصفها شوبنهاور.

ومن هنا تأتي أهمية المُصطلح المركزي في فلسفته وهو “التمثّل” أي الكيفية التي تبدو بها الأشياء لنا. فالعالم هو أفكارنا بشأن الأشياء وليس أفكارنا السابقة عليها، كما أنه (أي العالم) ليس ذواتنا فقط، وإنما هو أيضًا الأشياء من حولنا التي تؤثر علينا.

فلا واقعية لموضوع دون ذات تجعله موضوعًا لتمثلاتها (أي تُكوّن عنه التصورات والأحكام). وبالمِثل، فإنه لا واقعية لِذات دون مُؤثرات هي ما تتيح لها أن تتطلع إلى خارجها، وتُدرك أشياء مُتمايزة عنها هي ما يُشكل عالمها.

كل شيء هو إرادة

يُميّز شوبنهاور بين نوعين من الحركة في الطبيعة: الناشئة عن دوافع، والناشئة عن مثيرات. تُشير الأولى إلى الحركات الناتجة عن فعل الإرادة الباطنية في الطبيعة، في حين تُشير الثانية إلى الحركات الناتجة عن تعرض حواسنا لمُثير طبيعي ما (مثل الضوء الذي يُثير نشاط العين) وتخضع لقانون طبيعي (فيزيائي).

لكن وفقًا له، فإن الحركات من النوع الثاني تحمل في باطنها النوع الأول، أي إنها إحدى تجليات الإرادة. ويُقدم دليلًا عميقًا على ذلك، فهو يرى على سبيل المثال أن انقباض عين الإنسان عند تعرضها لضوء زائد عن الحد يتخطى عتبة إحساسها يحدث بناء على مُثير لا شك أنه الضوء في هذه الحالة.

ولكن ذلك الانقباض يُعبر كذلك عن حركة مبنية على دافع للإرادة التي تريد حماية شبكية العين من الأثر المُؤذي والمُؤلم للضوء الشديد. ومن هنا تكون حركات وأفعال الجسد لدى شوبنهاور تجليات للإرادة، فما ندعوه لذة أو راحة ليس سوى ما يتوافق مع الإرادة، أما الألم فهو إحساس مضاد ومُؤرِق لها.

ولذا يُمكن وصف اللذة والألم بأنهما التمثلات الحسية المُباشرة للإرادة، أي أنهما بعبارة أخرى: انعكاس الإرادة على الجسم، واللغة التي تعبر بها الإرادة عن رضاها أو سخطها تجاه ما تتعرض له، أو بالأصح ما يتعرض له تجسدها المادي (جسد الكائن). ومن هنا يمكن فهم لِمَ يبدو الجسد البشري مُوافقًا وصالحًا لمجموعة من الغايات، فهي غايات الإرادة ذاتها، وهذا الجسد الذي يصفه شوبنهاور بأنه التحقق الموضوعي للإرادة. بعبارة أخرى، يُناظِر تركيب الجسم تمامًا الحاجات والرغبات الأساسية التي من خلالها تكشف الإرادة عن ذاتها.

فنحن -من وجهة نظر شوبنهاور- لا نجوع لأن لدينا معدة، وإنما لدينا معدة فقط لأنها تخدم غاية إحدى تمثّلات الإرادة العمياء أي الجوع. وهكذا، فإن “الأسنان والبلعوم والأمعاء هي جوع مُتجسد” كما أن “أعضاء التناسل هي دافعية جنسية مُتجسدة” وقد تمثلت في صورة أعضاء مادية.

تنشأ هذه الدافعية بشكل مُسبق بفعل الإرادة الباطنية التي تتخلل كل أجزاء الطبيعة، ويظهر ذلك بشكل خاص في “الوظائف الحيوية لأجسامنا التي لا تكون مُوجَهة بالمعرفة، وفي كل ما تقوم به من عمليات حيوية وإنمائية: كالهضم، والدورة الدموية، والإفرازات، والنمو والتكاثر” التي تُمارس بوصفها انفعالًا غريزيًا توليديًا للخلايا الحية، وليس للمعرفة أي شأن به.

تُوجَد إذًا غايات (إرادية) تسعى إليها الحيوانات (بل والجمادات أيضًا) عبر سلوكها بطرق معينة دون أخرى، وهي طُرق لاواعية في الغالب، كما لو كانت (الغاية) دافعًا معروفًا بشكل مُسبَق لديها، لكنها تظل في الحقيقة على جهل بها.لذا فإن سلوكها لا يتوجه تبعًا للمثيرات الطبيعية فقط، وإنما بفعل تلك الإرادة الباطنية في الطبيعة التي هي اندفاع أعمى غير عاقل نحو الحياة. وهي التي تجعل “الطائر الذي يبلغ من العمر عامًا واحدًا يبني عشًا” بينما لا يملك أي فكرة عن البيض الذي يبني له ذلك العش، كما تجعل العنكبوت الصغير ينسج خيوط شبكته لأول مرة، في حين لا يملك أي فكرة عن أنها ستضمن له طعامه (الحشرات).

لكن ذلك لا يعني أن تلك الإرادة تُناظِر إلهًا، أو أنها إرادة واعية أقرها هذا الإله، فهي عفوية وعمياء تمامًا، كما أنها بلا معنى في ذاتها وهي “في ذاتها بلا سبب”، ولا علة أنشأتها وحددت لها غاياتها كما يُؤكد شوبنهاور، وذلك مصدر عبثية وخواء ولا-معنى العالم الذي أحدثته. 

فلا يُمكننا أن نطابقها بإله ما أو نصفها بأنها إرادته الفاعلة في الطبيعة، وذلك لأن الإله لا يتجلى أو يتجسد في الطبيعة (إلا لدى المؤمنين بالحُلول وهنا سيصبح الإله هو الإرادة وقد سميناها إلهًا لا أكثر)، كما أن عشوائية الإرادة وتجلياتها التي بلا حصر تجعل من المستحيل أن يكون لها مُنظِم، أو أن يستوعبها عقل واحد مهما بلغت قدرته، فهي لا تختار رغباتها وفقًا لخطة مُنظمة وإنما تفعل بغرض الفعل، وتتحرك بغرض الحركة دون وجهة مُحددة، وتخلق أثناء حركتها رغبات عديدة مُتجددة بعفوية وفوضى تامة.

الصورة بواسطة Will B على Unsplash

بالطبع، لم يُعارض شوبنهاور قوانين الطبيعة، ولم يرفض العلاقة بين الأسباب والمُسببَات (بل إنه شدد عليها شارحًا نظريته في العلة الكافية ببراعة شديدة في كتاب مُنفصل)، لكنه حاول البحث منذ البداية عن الطبيعة الميتافيزيقية للعالم، “الشيء في ذاته” الذي نفى أستاذه كانْت قدرتنا على سبر أغواره، والحقيقة التي تقف وراء الوجود، والتي تجعل سلوك قوة مُعينة بهذه الطريقة دون غيرها، وليس مُجرد تنظيم الظواهر في قوانين وهو ما يقوم به العلم.

فالعلم لدى شوبنهاور هو ما يبحث فقط في عمل/سلوك الظاهرة، وليس عن “الطبيعة الباطنية لها”. فهو يُعرفنا على “الترتيب المُنظَم الذي وفقًا له تظهر حالات وشروط المادة” وما يُمكّننا من تفسير التغيرات الحادثة لها.

وهكذا، عندما يدرس العلم ظاهرة كالحركة، فإن كل ما يفعله هو ترتيب حالات وشروط حركة وسكون الأجسام في صورة قوانين تُمكنه في النهاية من تصميم شيء مُعقد كالطائرة النفاثة مثلًا، فقط لأنه قام بمراعاة نفس قواعد فعل وتنظيم الحركة التي استخلصها من مشاهداته وتجاربه على الأجسام المُتحركة، فعرف أنه عند فعل “أ” تحدث “ب”، أو عند ظهور “ج” فذلك لأن “س” حدث في وجود “ص”…إلخ.

لكن ليس عند العلم الاهتمام ولا القدرة على أن يخبرنا بطبيعة الحركة في ذاتها، فهو يفترض على سبيل المثال “المادة، والوزن، وعدم القابلية للنفاذ، وقابلية توصيل الحركة بصورة مُسبقة، ويسميها قوى الطبيعة”، وهو قادر بالفعل على أن يُفسر بدقة كيف ومتى تفعل كل مُنها أو متى يظهر أثر كل قوة منها.

إذًا فقد مكننا العلم من معرفة سلوك وفعل القوة في الطبيعة، أما القوة الطبيعية نفسها التي يستعملها في التفسير فهي ما تزال سرًا يُقدِم العلم وصفًا وتصنيفًا لتمثّلها (عملها) في الطبيعة، لكنه غير قادر على أن يُخبرنا ما هي القوة بالضبط، فهو يتوقف عند “حدود الظاهرة ونظامها”، بحيث يُوضح كيف يستمر الإلكترون في الدوران حول النواة دون أن يسقط ويصطدم بها، وذلك بفعل التوازن الذي تُحدثه القوة الجاذبة للمجال الكهربي بينهما ضد قوة الطرد المركزي النافرة الناتجة من حركة الإلكترون، لكن لماذا نشأت منذ البداية مجالات كهربية بين الشحنات المختلفة وليست مجالات من نوع آخر لا نعرفه؟ أو لماذا تعمل دومًا سرعة دوران الأجسام على إبعادها عن مسار دورانها (الطرد المركزي)؟

بالتأكيد وضع العلماء معادلات دقيقة تصف حدوث ذلك وتردّه إلى عمل القوى الطبيعية المُختلفة، لكنها لا تصف الطبيعة الباطنية لتلك القوى التي تفرض عليها (بصورة مُسبقة) أن تخلق مجالًا دون غيره أو تُحدث تأثيرًا كالطرد دون غيره، تلك هي الطبيعة التي يسميها شوبنهاور إرادة، وهي تتخلل الكون بموجوداته الواعية واللاواعية على السواء.

فحتى النباتات تتوجه بطرق لاواعية مُحددة دون غيرها بفعل الإرادة، تتيح لها إمكانيات النمو والتكاثر، كما أن المغناطيس يجذب المعدن بفعل الإرادة.

عزاء الموسيقا أو المادة الخام للإرادة

في رأي شوبنهاور، تظل الإرادة في ذاتها وكما هي، خفية وغامضة لا نستطيع إدراكها كما هي، وإنما نُدرك تجلياتها وآثارها الجزئية فقط حتى نستمع إلى الموسيقا، فالموسيقا حضورٌ نقي للإرادة يجعلنا نشعر بباطن العالم، بذلك الجوهر الخفي علينا الذي نفشل في التعبير عنه من خلال اللغة التي هي في النهاية أحد تجسدات الإرادة الجزئية. فالموسيقا هي ما يمكننا وصفه بالمادة الخام للإرادة.  

إنها كلٌ لا يُمكن تفكيكه في أفضل الأحوال سوى إلى أعداد، هكذا كان العدد هو فقط ما يلائمها بصفته أكثر الموجودات تجريدًا. وقديمًا ربط فيثاگـورس الموسيقا بالأعداد، جاعلًا من الأخيرة جوهر الوجود.

وجاء شوبنهاور ليجعل من الموسيقى أقرب ما يكون إلى الإرادة كما هي، دون تعديل أو تجزيء أو تجسد، وهذا السبب في أنها تغزونا، إذ أنها تشابه الكل الذي جئنا منه والأصل الذي تُمثل أجسادنا وعقولنا أحد فروعه وتمثلاته. هكذا كان روكنتان بطل رواية سارتر “الغثيان” يجد راحة مؤقتة من شعوره الدائم بالغثيان والملل عندما يستمع إلى أغنية “بعض هذه الأيام”، فهي تتخطى الوجود الطبيعي (الفيزيائي).

وإذا عدنا إلى شوبنهاور فإنها تستبطنه وتزن أعماقه وتملأ فراغاته، فهي لا تشترط ذاتًا تُدركها، وإنما فقط تتحرك وتفعل وتدور بغرض الدوران وتسير بغرض السير، تمامًا كالإرادة. 

إنها أحد الملاجىء التي يدعونا شوبنهاور إلى اتخاذها ضد المعاناة والانتحار، فعلى الرغم من إعادة اكتشافه الإرادة، إلا أن شوبنهاور كان أشبه بباندورا المرأة التي فتحت صندوق الإله زيوس الذي يختزن أصول معاناة البشر من أصناف الشرور.

فقد وجد شوبنهاور أن الإرادة دومًا نهمة وساخطة لا ترضى وتطلب المزيد، فكلما حققت غاية، ملّت منها سريعًا وتاقت إلى أخرى جديدة، ومن هنا تنبع معاناة الشوق والانتظار والتعلق. لذا امتدح شوبنهاور البوذية والرواقية، وبنى عليهما أساس فلسفته الأخلاقية التي عبر فيها عن احترام عميق لحالة النيرفانا أو الأباثيا، وهي حالة السلام الذي يتحقق عبر التحرر قدر الإمكان من الرغبات والعيش في الحاضر.

لقد كان شوبنهاور متشائمًا، لكن ليس بغرض الظهور أو ادّعاء الذكاء، وإنما لأنه أدرك أنه نادرًا ما تتحقق غايات الرغبة، وحتى إذا ما تحققت فإنها تبقى لأقل وقت ممكن وبعدها تزول، وما يبقى هو الروتين واللهث وراء الغايات دون طائل في معظم الأوقات.

من هنا وصف الحياة بأنها “بندول يتأرجح بين الألم والملل”، وقد اقترح الفن والزهد البوذي-الرواقي علاجًا لتلك المعاناة، وذلك لأن الإبداع الفني يشترط التحرر من الإرادة، أي التحرر من رغباتنا الجزئية أثناء تأمل العالم من حولنا دون غاية مادية نفعية، وإنما بغرض اكتشاف الجمال، وأيضًا لأن الزاهد البوذي-الرواقي يتحرر من عبودية الإرادة عبر تحرره من الرغبة وتكيفه مع تغير الأشياء والأشخاص وفقدانهم.   

لقد كان شوبنهاور فيلسوفًا شجاعًا فجر في هدوء حقيقة الوجود فوق رؤوسنا، فتطايرت شظاياه كاشفة عن مُجرد إرادة عمياء بلا معنى أو هدف سوى الاستمرار في الحركة التي تُحرِك بها موجودات العالم، وفي حركتها تجلب الألم للكائنات الواعية ومنها البشر، وهو ألم الرغبة بغايات مُستقبلية ما إن تُدركها الإرادة حتى تملها وتبغضها، مستأنفة الحركة ومعها ألم الرغبة والشوق إلى غايات جديدة في دائرة مُغلقة لا يُنهيها سوى الموت.

فكانت لديه على حد تعبير عالم النفس كارل يونـگ “الشجاعة ليرى أنه لم يكن كل شيء في الكون قد أُسِسَ من أجل الأفضل”، وأن أفضل ما يُمكن التطلع إليه هو حياة الحكيم البوذي-الرواقي، أي حالة سكون الرغبة القادرة على تهدئة النفس التي قد نُعزّيها من حين لآخر بالفلسفة والفن، وخصوصًا الموسيقا، وذلك حتى نحقق السلام لذواتنا اللاهثة المُضطربة.

المراجع


النشرة السريّة
اشترك لتصلك رسالة أسبوعية فيها ملخص الأسبوع، على طريقة ثمانية
لن نستخدم بريدك خارج نطاق النشرة إطلاقًا

×

×