لم أمارس اليوقا يومًا، لكني أجدها موضة جميلة إلى درجة أنني بتُّ أقتني جميع ملحقاتها من البساطات اللينة والسميكة وكل الثياب المطاطية الفاقعة وسراويل «الليقنز» وقناني الشرب الصحية التي تجعلني أظهر محترفة يوقا بلا اجتهاد. لكني ما زلت أعمل على إتقان «وضعية الغراب» لأخذ «سيلفي» اليوقا بلا خطر المجازفة بكسر ضلع أو إصابة أحد أعضائي الحيوية في سبيل الظهور مواكبةً للترند!
كلمة «يوقا» في الأصل سنسكريتية تعني «الاتحاد» رمزًا لاتحاد الروح والجسد والعقل معًا. وهي ممارسة دينية قديمة نشأت قبل أكثر من خمسة آلاف سنة في الهند، وهي إحدى مدارس الفلسفة الست في الهندوسية، وجزء أساسي من ممارسات التأمل في البوذية.
لكن بدايات انسلاخ اليوقا من انتمائها الديني انطلقت في الغرب، عندما بدأ الرهبان الهنود في أواخر تسعينيات القرن التاسع عشر نشر معارفهم في العالم الغربي تحديدًا في الولايات المتحدة الأمريكية. وتُرجمت نصوصها من السنسكريتية إلى الإنقليزية لتصبح بمتناول القرّاء الغربيين، فأثار الأمر اهتمامهم إلى درجة تخصيص معرض شيكاقو العالمي عام 1893 لعرض اليوقا.
وعلى مدى العقود الماضية زادت شعبية اليوقا لتتحول من ممارسة عقائدية إلى شكل سائد من تمارين المحافظة على الاتزان البدني والعقلي للملايين من الممارسين. والفضل في ذلك يعود إلى الشخصيات العامة والمشاهير الذين سعوا إلى الهرب من مظاهر الرأسمالية والمادية المفرطة بحثًا عن الروحانية والسلام الداخلي لدى «معلمين روحانيين» (guru) من الهند يسوّقون في الغرب جلسات التأمل والدروس الروحيَّة.
من أبرز هؤلاء المشاهير أعضاء البيتلز الذين استوحوا العديد من أغانيهم في «ذ وايت ألبوم» (The White Album) من روحانية اليوقا. بفضلهم، مارس أكثر من خمسة ملايين شخص اليوقا في سبعينيات القرن الماضي تأثرًا بمظهرهم المستوحى من الهندوسية وصورهم وهم متحلقون حول المعلِّم الروحي.
ظلَّت ممارسة اليوقا مرتبطة بالمشاهير، من أمثال مادونا وبيونسيه وديفيد بيكهام وآل كارداشيان، لكنها تخلصت من المظهر الهندوسي والدلائل الروحيَّة التي رافقت البيتلز، لتكتسب طابعها التجاري المادي والسعي نحو المظهر الجسدي المثالي.
تقول جوديث ليستر، مؤلفة كتاب «أن تعيش اليوقا: العثور على الروحانيَّة في حياتك اليومية» (Living Your Yoga: Finding the Spiritual in Everyday Life): «عندما بدأ تدريس اليوقا لأول مرة كان الأمر مرتبطًا جدًا بالهندوسية وارتداء سروال اليوقا القطني الأبيض واتخاذ اسم هندوسي وحرق البخور ووجود معلم. الآن تُمارس اليوقا على الطريقة الأمريكية بدلًا من الهندوسية».
ما تعنيه ليستر في قولها «الطريقة الأمريكية» هو الرأسمالية. فاليوقا أصبحت مثل وجبة هندية، مظهر آخر من مظاهر الاندماج مع حضارة أخرى وخيار أساسي في أسلوب حياة البعض بصفته منتجًا يُباع ويُشتَرى. ومع وجود مثل هذه السوق المتنامية لليوقا ظهرت النوادي وشركات الملابس والمنتجعات الصحية والتطبيقات والمنصات عبر الإنترنت لتلبية الطلب المتزايد عليها.
وهذا بالفعل ما حوَّل اليوقا إلى صناعة عالمية تقدر قيمتها بالمليارات. فقد أدخلت علامة «لولوليمن» (Lululemon) التجارية وحدها ثمانية مليارات دولار لعام 2022، ومن المتوقع أن يصل حجم سوق اليوقا العالمي إلى 224 مليار دولار بحلول عام 2025.
تجريد اليوقا من سياقها الهندوسي الديني سهَّل دخولها مختلف المجتمعات حول العالم من ضمنها المجتمعات العربية المسلمة، وحفَّزت منصات التواصل الاجتماعي رغبتنا في التمثُّل بمظهرها من خلال التقاط صورنا بالوضعيات الرياضية أو متزينين باكسسسوار منتجاتها. وقد تكون هذه من سمات نجاح الرأسمالية التي تجرِّد الممارسات الدينية من خصوصيتها الثقافية وتحولها إلى ممارسات «إنسانية» قابلة للبيع والتسويق على الجميع.
مقالات أخرى من نشرة أها!
مسامير أرخميدس
للمواصفات والمقاييس العالمية فوائد كثيرة غير زيادة الإنتاج، فهي تضمن الجودة وتسهل على المستهلك الكثير. لكنها بلا شك قتلت الذائقة البشرية!
أنس الرتوعيسناب شات تصنع مستقبلي
نقطةٌ حمراء صغيرة على مبوبة الذكريات في سناب شات كفيلةٌ بإثارة اهتمامنا وتهييج نوستالجيّاتنا: أين كنا في مثل هذا اليوم قبل عام؟
حسين الإسماعيللا تسلبوني مشترياتي الرقميَّة
وفَّرت المنصات مثل آيتونز وكندل وبلاي ستيشن سهولة شراء المنتجات الرقمية عبر خدماتها. لكن ما يغيب عنَّا أنَّ الشراء منها شراءٌ وهميّ.
ثمود بن محفوظالشركات تتعمّد تعطيل أجهزتك
يحارب مفهوم «التقادم المخطَّط» حق العميل في صيانة أجهزته، إذ يصعّب عليه الحصول على قطع الغيار، أو يجعل ثمنها قريبًا من ثمن الجهاز الجديد.
أنس الرتوعيمرزوقة وكلوبهاوس والحبَّار
نحاول اللحاق بترند الإنترنت مهما كلفنا من الوقت، لنكتشف لاحقًا أنه لم يفتنا أي شيء مهم كما كنا نخشى. فمثلًا، هل تتذكر مرزوقة؟
رويحة عبدالربهل سيرسم دالي غلاف أها!
تثير قدرة برنامج دالي على إنتاج صور بنوعية عالية وفي ثوانٍ معدودة المتعة لدى متابعي وسائل التواصل الاجتماعي، وتطرح أيضًا تساؤلات أخلاقية.
ثمود بن محفوظ