كيف تشكّل الفلاتر تاريخك

الفلاتر تُشكل اليوم جزءًا من هوياتنا، وكيفية نظرنا إلى ذواتنا. فهي تصفّي الصورة من واقعيتها حتى تصير أقرب إلى الكمال.

الهواتف شاهدة على الحدث / Yukai Du

أهلًا بك صديقًا لنا،

وصلتك الآن رسالتنا الأولى على بريدك الإلكتروني.

إذا لم تجدها ابحث في رسائل السبام وتأكد من اتباع الخطوات التالية في حسابك على خدمة بريد «Gmail» حتى تُحررها من التراكم في فيض الرسائل المزعجة.

* تعبّر النشرات البريدية عن آراء كتّابها، ولا تمثل رأي ثمانية.
5 أبريل، 2022

لنفترض أنك وجارك تلقيتما خبرًا عابرًا عبر مجموعة واتساب يقول إنَّ حيًّا قريبًا منكما مطوّقٌ بالجهات الأمنية لوجود إرهابي يختبئ فيه. قررتَ البحث عن الموضوع فلم تجد إلا صورًا مبهمة في مجموعات الـواتساب ذات العلاقة. 

جارُك خوّاف فلزم مكانَه، أمَّا أنت فرغبتك في مشروب غازيّ بارد من البقالة كانت أقوى من خوفك، فساقك الفضول إلى الحي المشؤوم. لكن المفاجأة أنَّ الحي كان وادعًا يعمه السلام -لولا الصراع القائم بين السكّان على أماكن حاويات النفايات. ولا وجود لأي جهات أمنية ولا حتى الإرهابيّ!

الآن أنت وجارك لديكما ذاكرة مختلفة لحدثٍ واحد، بل حتى متناقضة. فجارك لم يمتلك الوقت والجهد الكافيين لـ«رفاهية التحقق» في زمن تنتشر فيه الأخبار والأحداث كالجراد. وقد يروي جارك -الخواف- لأحفاده في المستقبل عن تجربته القريبة من الموت على يد ذاك الإرهابي، ويختم القصة بتذكيرهم أنَّ لا أحد يموت قبل يومه. 

لطالما كانت الصور موضعَ جدل من ناحية أهميتها التاريخية؛ فمن يملك سلطة «التصوير» يملك سلطة اختيار المقبول إظهاره والمرفوض. لكن الآن صرنا كلنا مصورين نصوّب الكاميرا على ما نشاء فنهب اللحظة الخلود.

وبعدما كان تعديل الصور يقتصر تقريبًا على الجهات الإعلامية والإعلانية، فاليوم الكل صار مصممًا بفضل تطبيقات الجوال السهلة. بل قد تتعامل مع مصمم محترف وبعشرين ريال يزيل أشخاصًا لم تعد تحبهم من صورة جمعتكم.

الفلاتر -وأقصد بها التعديلات الصورية التي تُجرى على الواقع سواءً كانت الصورة وجهًا أو جسدًا أو غيره- تُشكل اليوم جزءًا من هوياتنا، وكيفية نظرنا إلى ذواتنا. ونستطيع ترجمة كلمة «فلتر» (filter) بالمصفاة؛ ففي لسان العرب «استصفيتُ الشيء إذا استخلصته».

فإذا كانت المصفاة قديمًا تصفّي الشراب من الكدر والشوائب، فمصفاة صور اليوم ممَّ تصفّي؟ تصفّي الصورة من واقعيتها حتى تصير أقرب إلى الكمال.

ومثل قصة الإرهابي، تلعب الفلاتر دورًا مشابهًا في تزييف الواقع وخداع الذاكرة، حتى صارت «الصور اليوم ليست مجرد مماثل لموضوع ما واقعي، لكنها أيضًا نموذجٌ له.» هكذا أصبحنا نحن الجلادين والضحايا في آنٍ واحد. فمن جهة نحن نزيف الواقع، ومن جهة أخرى نستهلك واقع الآخرين المزيف. 

يبدو أنَّ الإنسان عدو للذاكرة والتاريخ. فبعدما كان يزيف الحوادث المكتوبة والمرويّة، صار يزيف الصور التي كان يُتوقع منها أن تساهم في الحقيقة الواقعية عن طريق تخليد اللحظة. لكن كما يقول كونديرا: «الخلود محاكمةٌ أبدية.»


مقالات أخرى من نشرة أها!
30 أكتوبر، 2022

تصنُّع لنكدإن لا يُطاق

حتى لو كانت لنكدإن مكانًا آمنًا للمهنية، لن أرجع إلى تصفحها؛ فهي تفتقر إلى أهم عنصر لأي منصة تواصل اجتماعي.

رويحة عبدالرب
17 أبريل، 2022

كيف سنقضي رمضان في المريخ؟

مع وصولك إلى المريخ كأول عربي مسلم، ستصادفك بعض التساؤلات التي ستستدعي تطور مبحث شرعي جديد هو «فقه الفضاء».

أشرف فقيه
3 أغسطس، 2022

هل وصلك الإيميل وأنت بصحة جيدة؟

لأنَّ من الصعب نقل مشاعرنا عبر نصوص صماء، نضطر لإدراج بعض العبارات الشكلية، لا لشيءٍ سوى إيحائها بأننا لسنا مشدودي الأعصاب. 

حسين الإسماعيل
13 مارس، 2022

السّتْر من فضائح الإنترنت

يلجأ العديد إلى خدمات تنظيف «البروفايل» لأسباب عديدة، أهمها أنَّه لا يعكس حقيقة صاحبه (أو لعله الخوف من الإقصاء).

ثمود بن محفوظ
8 مارس، 2022

إبداع بوكيمون طويل الأمد

حقَّقت لعبة «بوكيمون گو» أحلام جيلٍ بأن تكون البوكيمونات حقيقية. كما استخدمت العالم الحقيقي في بناء عالم اللعبة ومميزاتها.

حسين الإسماعيل
19 يونيو، 2022

عجوز عشرينية أمام لغة جيل زد

كنتُ أرى سنوات العشرينات ريعان الشباب من عمر أي شخص، لكن حضور الجيل زد الإنترنتيّ غيّر من ذلك. وجعلنا نحن مسنين مقارنةً بهم.

رويحة عبدالرب