موت المؤلف بالضربة القاضية

حتى تحافظ منصات المشاهدة على أرباحها الخيالية، وتضاعف إنتاجها بمحتوى جديد يحافظ على اهتمام المشاهد واشتراكه، لن يعود المؤلف البشري كافيًا.

فريق عمل من الآلة والإنسان / Fr Saenz

أهلًا بك صديقًا لنا،

وصلتك الآن رسالتنا الأولى على بريدك الإلكتروني.

إذا لم تجدها ابحث في رسائل السبام وتأكد من اتباع الخطوات التالية في حسابك على خدمة بريد «Gmail» حتى تُحررها من التراكم في فيض الرسائل المزعجة.

23 يناير، 2022

في 1968، دشّن المفكر الفرنسي رولان بارت فكرة «موت المؤلف» في الأدبيات النقدية. بكلام بسيط قال المسيو بارت إنَّ قراءة أي نصّ أدبي يجب حصرها في النص نفسه وعدم إقحام شخص المؤلف أو فكره أو ظروفه الاجتماعية أو البيئية. يعني يصير النص الأدبي ذا كيان مستقل، أما المؤلف فمجرد رحم يتمخَّض عنه النص، ثم مع السلامة يا مؤلف!

طبعًا هذا التنظير النقدي لم يسلب المؤلف وجوده؛ فالتأليف لا يزال منتعشًا. لكن ماذا لو أدى التطور التقني للاستغناء كليّة عن المؤلف البشري؟

اليوم نتعامل مع ملايين النصوص، لكننا أعطيناها تسمية معاصرة: «محتوى». هذا المحتوى نتلقاه كبودكاست وتغريدات و«فيديو حسب الطلب» (VOD) تعرضها المنصات إياها. محتوى غزير وكثيف ووفير يبدو من المستحيل تصوُّر إمكانية «استهلاكه» أو استيعابه في فترة زمنية معقولة!

على سبيل المثال، يتيح حساب نتفلكس 50 ألف عنوان بين فلم وحلقة مسلسل؛ يُقدَّر زمن مشاهدتها كلها بنحو 2.2 مليون دقيقة، أي أربعة أعوام متَّصلة. بطبيعة الحال، كثير من تلك العناوين عمرها أقدم من نتفلكس، لكن الكثير منها كذلك جديد ومتجدد. 

كم مسلسلًا وفلمًا يظهر كل شهر وكل أسبوع؟ مَن يؤلف ذلك القدر الهائل من المحتوى؟ وكيف تُدار عملية تحريره ونشره؟ إذا كنا نتكلم هنا عن المحتوى الإبداعي من النصوص التي تتولد بأسرع من متحورات فيروس كورونا، والتي تعد صورًا للإبداع الإنساني، فكيف نقيس جودتها وتأثيرها علينا كمتلقين؟ كيف نحكم عليها وفق معايير الأصالة والنقد الفني؟

هذه كلها أسئلة فلسفية تتضاءل أمام إلحاح السوق ولغة الأرقام. إذ قُدّر حجم سوق محتوى «الفيديو حسب الطلب» في 2021 بأكثر من 85 مليار دولار، ويُتوقَّع وصوله إلى نحو 98 مليار دولار في 2022. 

وقد وصلنا فعلاً إلى المرحلة التي تكتب فيها خوارزميات الذكاء الاصطناعي نصوصًا؛ فالخوارزميات ستحلِّل وتتعلم ما يطلبه المشاهدون، وتعطيك الحبكة التي ستبيع. هكذا سيتولد المحتوى بالسرعة المطلوبة لتحقيق الأرباح بدون عقبات الإنتاج وتعثُّر القريحة الإبداعية للمؤلفين البشر المساكين.

إنه الموت النهائي للمؤلف.. بالضربة القاضية يا مسيو بارت.


مقالات أخرى من نشرة أها!
27 مارس، 2022

هل يحتفل أبناؤك بالهالوين؟

الحلول التقنية لا تصلح هنا. عليك أن «تربي عيالك» وتتحول إلى الفلتر الذي يمنع عنهم الغث والسمين، وإلا احتفلت بالهالوين كل عام مع أحفادك.

ثمود بن محفوظ
10 مارس، 2022

أخلاقيات الآلة المقاتلة

يظلُّ السؤال عن إطار الآلة المقاتلة الأخلاقي في زمن الحرب قائمًا. هل ستهدم كل المستشفيات؟ هل ستفرق بين الرجال والنساء؟ هل ستستهدف المدارس؟

أشرف فقيه
27 يناير، 2022

من أين تأخذ أخبارك؟

كان الوعد الإنترنتيّ الأول بضمان معرفتنا الأخبار من مصادر متعددة والتأكد من مصداقيتها. لكن حرَّاس بوابة الأخبار الجدد نقضوا الوعد.

مازن العتيبي
6 مارس، 2022

مسامير أرخميدس

للمواصفات والمقاييس العالمية فوائد كثيرة غير زيادة الإنتاج، فهي تضمن الجودة وتسهل على المستهلك الكثير. لكنها بلا شك قتلت الذائقة البشرية!

أنس الرتوعي
20 أبريل، 2022

هل حصلت على نجمتك اليوم؟

الكل يتسابق على وقتك، والطريقة الأمثل للاستحواذ عليه هي في إدخالك لعبة سباقٍ لا ينتهي. يضحكني أنَّ اسم هذه التقنية هو «التلعيب».

مازن العتيبي
9 مارس، 2022

وجبة بگ ماك كمؤشر اقتصادي

المال الذي لا يُحفظ في أصل كعقار أو أسهم سيتآكل مع الزمن، وهذا ما يجعل التضخم الذي أحسستَ به مع ارتفاع سعر وجبتك المفضلة هو الواقع والمستقبل.

تركي القحطاني