في انتظار الباص

لا توجد أسباب كافية لي ولا لغيري من سائقي ومرتادي السيارات الفردية حتى نستخدم وسائل النقل العام، فما الذي سيقنعنا بركوب الباص؟

عدد من الحافلات في المواقف / Erin Kirkland

15 ديسمبر، 2021

بين صور جدي القديمة أرى ورقة مطوية كُتب عليها «رخصة قيادة دراجة» صادرة عام 1951 عن دائرة المرور. أسأله: «هوائية؟» فيهز رأسه إيجابًا. «ما الذي جعلك تقود السيارة إذن؟»، يجيب: «مشاويري إلى الجهراء»، والجهراء على بعد اثنين وثلاثين كم شمال غرب مدينة الكويت.

في إحدى تلك المشاوير الطويلة، طلبت أمي، الطفلة حينذاك، من والديها مرافقتهما لكنهما رفضا. رفضت أمي القبول بهذا الرفض، فاختبأت في صندوق السيارة. اليوم وبعد قرابة الخمسين عامًا من ذلك المشوار، ترافق أمي والدها نحو الوجهة ذاتها بجانبه. الفروقات: هي من خلف المقود، ومدة زمنية لا تتجاوز النصف ساعة بعد أن كانت تأخذ ساعات من الزمن. وذلك بفضل السيارات التي تطورت طوال تلك العقود، والشوارع التي عُبّدت.

بين جيل جدي وجيلي، اعتادت أجيال على التنقل الفردي في الكويت. جدي الذي لا يستخدم سيارته اليوم إلا داخل منطقته، يذكر «الازدحام» كسبب لعدم قيادته السيارة لمشاوير أطول من خمس دقائق. وهو السبب ذاته الذي يذكره مرتادو وسائل النقل العام حول العالم

في الكويت، يزداد عدد السيارات سنويًا بمعدل 5%، مما يسبب تحديًا لسعة الشوارع. هذا بالإضافة إلى التلوث الهوائي الذي تساهم به تلك السيارات بسبب الغازات التي تطلقها عوادمها في بلد تنتشر فيه الأمراض التنفسية بشكل ملحوظ جدًا. مع ذلك، لا يبدو هذان السببان كافِيَيْن لي ولا لغيري من سائقي ومرتادي السيارات الفردية حتى نستخدم وسائل النقل العام.

ما الذي سيقنعنا بركوب الباص؟

طرحتُ هذا السؤال على مؤسس مبادرة «كويت كميوت» (Kuwait Commute) جاسم العوضي. مبادرة أسسها بهدف نشر ثقافة استعمال النقل العام أو الباصات -وسيلة النقل العام البري الوحيدة في الكويت. ويجيبني جاسم بالخطة التي تعمل من خلالها المبادرة: الحل يبدأ من الأعلى.

منذ عام 2018، يعمل جاسم من خلال عمله التطوعي مع الجهات الحكومية المعنية بالنقل العام في الكويت والشركات الخاصة ونواب مجلس الأمة. والهدف توفير بنية تحتية تؤسس لعمل الباصات بشكل مهني أكثر.

ويخبرني بأن عمل المبادرة مبني بشكل كبير على خطوط باصات كانت قد صُممت بشكل متقن في ستينيات القرن الماضي. لكن استحواذ هيئة استثمارية حكومية على شركة المواصلات الكويتية عام 1980 ركز الاهتمام الحكومي على الناحية الربحية وليس التنظيمية. إضافة إلى ذلك، فالحكومة تدعم الوقود ماديًا، أما وسائل النقل العام، فلا تدعمها.

من أين نبدأ؟

أوجه هذا السؤال لجاسم، فيحيلني لمدينة الكويت. «لأن مدينة الكويت لم تتغير جذريًا منذ بناء بنيتها التحتية قبل ستين عامًا»، لذا فإعادة إحياء خطوط الباصات فيها ستكون بداية جيدة تدفع باتجاه رفع نسبة المستفيدين من تلك الباصات التي تبلغ اليوم 2.2% بعد أن سقطت تدريجيًا من 16.5% خلال أربعين عامًا.

جاسم لا ينتظر محطة القطار الذي ينتظرها الكثير لتكون أول وسيلة نقل عام يستغلها المواطنون والمقيمون من ميسوري الحال. بل يرى الموضوع بواقعية أكبر «فعدد راكبي الباص في مدينة لندن ضعف راكبي المترو هناك».

فكرة إحياء خطوط الباصات القديمة في مدينة الكويت التي تدفع بها المبادرة طُبقت بصورة تجريبية ومصغرة. فقد دشنت شركة النقل العام في الكويت قبل أسبوعين مشروع «باص المباركية» الذي يقل راكبيه بين محطات متعددة في مدينة الكويت كل نصف ساعة بين العاشرة والنصف صباحًا حتى العاشرة والنصف ليلًا.

في عطلة نهاية الأسبوع، ركبت هذا الباص من وإلى ساحة مواقف السيارات، وخلال تلك المدة القصيرة بدت لي أهداف مبادرة «كويت كميوت» -التي كنت أراها قبلها بيومين أهدافًا حالمة- أكثر واقعية. 

يختم جاسم حديثه باقتباس من عمدة بوگوتا الكولومبية إنريكي بيناسولا، المدينة التي تملك إحدى أفضل أنظمة النقل العام: «ليست المدينة المتطورة تلك التي يمتلك فيها الفقير السيارة، بل تلك التي يستغل فيها الغني وسائل النقل العام

الروابط:

أهلًا بك صديقًا لنا،

وصلتك الآن رسالتنا الأولى على بريدك الإلكتروني.

إذا لم تجدها ابحث في رسائل السبام وتأكد من اتباع الخطوات التالية في حسابك على خدمة بريد «Gmail» حتى تُحررها من التراكم في فيض الرسائل المزعجة.


اقرأ المزيد في المستقبل
مقال . المستقبل

الحياة أمام الكاميرا

دائماً ما يستوقفني أثر الكاميرا على كيفية التواصل، فعلى سبيل المثال، عندما يفتح أحد الأصدقاء كاميرا سنابشات، تسود طبقة غريبة طريقةَ التواصل بين من هم أمام..
ماجد الدوحان
مقال . المستقبل

المملكة الإستونية

أستونيا وبلاروسيا، هما جارتان متقاربتان جغرافيًا وثقافيًا وأنثروبولوجيًا. اتخذت كلّ منهما طريق مختلف. أستونيا اختارت الانفتاح على العالم، والثانية اختارت...
عبدالرحمن أبومالح
مقال . المستقبل

حظر ترمب وتكتل لوبيات منصات التواصل، إلى أين يؤول مستقبل الإنترنت؟

لا يسع المرء إلا أن يكبت ضحكة قصيرة متى ما اطّلع على لائحة المنصات والتطبيقات التي عملت على حظر ترمب. ففي أعقاب الهجوم الذي طال...
سلمى وعمرو
بودكاست أرباع . المستقبل

كيف إيلون مسك أصبح إيلون مسك ؟

يعتبر إيلون مسك أحد أشهر رواد الأعمال في العالم، لإنشاء شركات عديدة بمثل SpaceX المختصة بالنقل الفضائي منخفض التكلفة، وتيسلا للسيارات الكهربائية الصديقة للبيئة، وسولر
الوليد العيسى
مقال . المستقبل

لماذا تصمم شوارع الرياض كمضمار سباق السيارات؟

بالنظر لصورة الشارع التي تُظهر مدينة الملك عبدالله الاقتصادية في الخلف -لاحظ انخفاض جودة الرؤية نتيجة التلوث الهوائي- يشابه الشارع حلبات سباق الدراج...
عبدالله المبارك
بودكاست أرباع . المستقبل

كيف تؤثر المدن على صحتنا الجسدية والنفسية؟

أكثر من نصف سكان العالم يقطنون المناطق الحضرية اليوم، ومن المتوقع أن يعمّر ما يقارب السبعة مليارات نسمة المدن بحلول عام 2050. أكيدٌ أن الدوافع
سلمى وعمرو