حرب العلامة التجاريّة بين العملاقين بيبسي وكوكاكولا

تلعب تصورات العلامة التجارية دورًا رئيسًا في تحديد مدى نجاح الشركات. كما حدث خلال الثمانينيات مع اندلاع «حرب الصودا» بين بيبسي وكوكاكولا.

العلامات التجارية لبيبسي وكوكاكولا

8 يناير، 2022

عند الحديث عن العلامات التجارية المختلفة التي تقدم المنتج نفسه، نجدها متباينة حتى لو كانت تمتلك الشكل والاستخدام ذاتهما. فمشروب «بيبسي» ليس كمشروب «كوكاكولا»، رغم أن كليهما مجرد عبوة مياه غازية فوارة بنية اللون، مضاف إليها مادة الأسبارتام كمُحَلٍّ صناعي. 

لكن استدعاء اسم العلامة التجارية الخاصة لأيٍّ منهما، أو رؤية عناصر الهوية البصرية في الشعار وشكل العبوة، يستدعي معه تصورات مرتبطة بكلٍّ منهما لدى المستهلك.

ففي كتابه «ماركتنگ مانجمينت»، يصف «فيليب كوتلر»، الأب الروحي لعلم التسويق، تصورات المستهلكين عن العلامات التجارية بأنها مجموعة من المعتقدات والأفكار والانطباعات. تنقل تلك التصورات قيمة عاطفية تتطور بمرور الوقت، وتنعكس في شكل ارتباطات ذهنية في الذاكرة أكثر من كونها ملموسة.

ما هي تصوُّرات العلامة التجارية؟

لدى التفكير في علامة تجارية معينة يجب أن تكون الارتباطات إيجابية وفريدة وحاضرة. ويتحقق ذلك من خلال الصفات المميزة والفوائد والخصائص وقيم الشركة التي يربطها المستهلك بهذه العلامة في ذهنه، حيث يشكلها بناءً على تفاعله وخبراته مع المنتج. فالمستهلك لا يشتري المنتج فحسب، بل التصورات المرتبطة به أيضًا.

وهو ما أكده أستاذ التسويق «تيم هالوران» في كتابه «أسرار التعلق بالعلامات التجارية» قائلًا:

نحن لا نستهلك أو نتفاعل مع العلامات التجارية فحسب؛ بل ننخرط فعليًّا في علاقات معها. نحن ندخل في علاقات عاطفية قصيرة الأجل مع بعض العلامات التجارية، والبعض الآخر منها يبقى معنا مدى الحياة، كما لو كان يمثل أحد أفراد أسرتنا.

وتمتلك العلامة التجارية قيمة متصورة إيجابية إن توافرت فيها صفات وخصائص ومزايا وفوائد ترضي المستهلك بشكل إيجابي. ومن الصعب معرفة ذلك بدون تتبع ارتباطات العلامة التجارية لاكتشاف ما يتبادر إلى ذهن المستهلك عندما يفكر فيها.

هنا علينا التمييز بين كلٍّ من: «تصوُّر العلامة التجارية» (Brand Image) و«هوية العلامة التجارية» (Brand Identity). فالأولى تمثل الطريقة الفعليّة التي يتصور بها المستهلك العلامة التجارية. أما الثانية فتمثل كيفية تصور الشركة مالكة العلامة للمستهلك، والطريقة التي تريد منه أن ينظر بها إلى منتجاتها. 

لهذا تمتلك الشركة سيطرة أقل على قيمتها المتصوَّرة، وتسعى دائمًا للمواءمة بينها وبين هوية العلامة التجارية المرغوبة.

حرب عمالقة الصودا التاريخية

تلعب تصورات العلامة التجارية دورًا رئيسًا في تحديد مدى نجاح الشركات داخل القطاع الذي تخدمه. وأكبر دليل على ذلك، ما حدث خلال ثمانينيات القرن الماضي، أثناء اندلاع «حرب الصودا» بين العلامتين التجاريتين الأشهر في قطاع المشروبات الغازية غير الكحولية. فقد حاولت كلٌّ من شركتيْ كوكاكولا وبيبسي الحصول على حصة سوقية أكبر بالاعتماد على القيمة المتصوَّرة للعلامة التجارية. 

ما حدث أنَّ فريق التسويق في بيبسي لجأ إلى تحدي الرشفة عن طريق مختبري التذوق، أو ما عرف بـ«اختبار التذوق الأعمى» (Blind Taste Test). في الأصل أُعدَّ «تحدي بيبسي» كتجربة تذوق للمستهلكين، بتقديم كوبين أحدهما يحتوي على مشروب بيبسي والآخر يحتوي على مشروب كوكاكولا، بهدف تقييم المذاق وتحديد المشروب الأفضل. 

أوردت نتائج الاختبار، كما ذكرها كتاب «طرفة عين» للكاتب مالكوم گلادويل، أنَّ مشروب بيبسي المميز بنكهة الحمضيات هو المشروب المفضل للمجموعة. فهو أخف لسعة وأحلى مذاقًا بالمقارنة مع مشروب كوكاكولا المميز بنكهة الفانيلا والزبيب. وهكذا فازت بيبسي بالتحدي.

خطأ كوكاكولا الكارثي

لطالما ارتبط منتج كوكاكولا بأوقات السعادة والفرح، ودائمًا ما تسعى الشركة إلى تعريف مشروبها بأنه «الكولا الأصلية» ذو «المذاق الفريد». لكن في عام 1985، حاولت كوكاكولا رد اعتبارها من تحدي بيبسي، فأعادت صياغة تركيبة وصفتها التاريخية لمشروبها الشهير، وبدأت خط إنتاج كارثي باسم «نيو كوك» (New Coke) لتقديم نسخة مشروب أخف مذاقًا وأقل لسعة.

أثار التجديد غضب الأميركيين ودافعوا عن المذاق التقليدي المفضل لديهم. سرعان ما تراجعت الشركة أمام موجة الاستياء، وأعادت وصفتها التاريخية تقليدية المذاق تحت اسم «كلاسيك كوك» (Classic Coke). لكنها أبقت على الوصفة الجديدة، في محاولة منها لإنشاء تشكيلة منتجات أكثر تنوعًا، وتناسب مختلف الأذواق.

فكانت التصورات الذهنية الخاصة بالتذوق السبب في فوز بيبسي في اختبار «تحدي بيبسي»، ونجاحها في الاستيلاء على حصة سوقية أكبر. ولفترة قصيرة تغلبت على كوكاكولا في أرقام المبيعات، بناءً على ذائقة الطعم فقط.

الإحصائيات قال حرب الصودا 01
تطور معدل استهلاك الفرد من المشروبات الغازية خلال الفترة من عام 1980 وحتى عام 2021

مع أواخر التسعينيات، دخلت حرب الصودا مرحلة من الخمول. فوفقًا لدراسة أجرتها «آر بي سي كابيتال ماركيتس» (RBC Capital Markets) ونشرت عام 2016، انخفض استهلاك الفرد من المشروبات الغازية بشكل كبير في الولايات المتحدة. 

فقد انخفض من نحو ثلاث وخمسين گالونًا للفرد في ذروته عام 1998، إلى واحد وأربعين گالونًا للفرد عام 2014، أي بنحو 25%. من ضمن أهم أسباب الانخفاض زيادة الوعي بمخاطر السمنة، والتوعية بالمخاوف الصحية المتزايدة، وانتشار الأمراض المرتبطة بالنظام الغذائي كمرض السكري.

كورونا واستهلاك المشروبات الغازية 

صحيح أنه طبقًا للبيانات، انخفض استهلاك المشروبات الغازية من ذروته في عام 2000، إلا أن إجمالي مبيعات الصناعة لا تظهر انخفاضًا بالتبعية خلال الفترة الأخيرة. فقد أدى ولاء المستهلك القوي للعلامات التجارية الرائدة في مجال المشروبات الغازية، إلى جانب إدخال منتجات جديدة خالية من السكر، إلى تمكين كبار شركات القطاع من الحفاظ على حصتهم السوقية.

فاستنادًا إلى تحليل «براند زي» (BrandZ) عن تصورات العلامة التجارية من خلال رصد العلاقة الإيجابية مع المستهلك، ارتفعت قيمة بيبسي بنسبة 14.2% بينما ارتفعت قيمة كوكاكولا بنسبة 7.4% فقط عن عام 2020. ويرجع ذلك إلى زيادة استهلاك الصودا المرتبط بفترة الوباء العالمي. 

فقد استدعت أشهر التباعد الاجتماعي والضغوط المالية وحالة عدم اليقين عادات الاستهلاك القديمة لدى الأفراد، لا سیما مع التخفيضات السعرية وعروض الأحجام الكبيرة. وأدرك المستهلكون أنَّ المشروبات الغازية تستحق الأموال المدفوعة مقابل متعة مذاقها اللاسع. 

ففي وسط ظروف البقاء الإجباري في المنزل، وجد المستهلك في «اندفاع السكر» (Sugar Rush) المفتاح لتحسين حالته المزاجية.

وهكذا أصبحت شركتا كوكاكولا وبيبسي من بين أفضل العلامات التجارية الخاصة بـ«السلع الاستهلاكية المعبأة سريعة التداول» (Fast Moving Consumer Goods)، التي تمتعت بنمو قيمتها المتصورة خلال أزمة كوفيد-19. فالشركتان أثبتا قدرتهما على تلبية احتياجات المستهلكين كسلع يومية الاستخدام، والبقاء على قمة اهتماماتهم، مع تنامي الطلب في قطاع البقالة.

غير أن أداء بيبسي كان أفضل بكثير من منافستها. فقد أعلنت كوكاكولا عن تحقيقها أكبر انخفاض لها على مستوى الإيرادات الفصلية خلال ثلاثة عقود، بعدما انخفضت أرقام مبيعاتها بنسبة 28%. في حين بقيت مبيعات بيبسي ثابتة وسط ظروف الجائحة العالمية.

الإحصائيات قال حرب الصودا 02
القيمة الإجمالية للعلامة التجارية خلال عام 2021

لكن بفضل تاريخها الثري الذي يقارب 130 عامًا، وبالنظر إلى القيمة الإجمالية للعلامة التجارية وفقًا لتصنيف شركة «براند فاينانس» (Brand Finance)، فقد حازت كوكاكولا على لقب العلامة التجارية الأكثر قيمة للمشروبات الغازية في العالم خلال عام 2021.

فرغم تسجيلها انخفاضًا بنحو 13% في قيمة العلامة التجارية، فقد بلغت قيمتها 33.2 مليار دولار. لتحافظ بذلك على تقدمها على بيبسي، التي بدورها احتلت المرتبة الثانية بقيمة علامة تجارية تبلغ 18.4 مليار دولار.

هل سنشهد إعادة «تحدي بيبسي»؟

في شهر أغسطس الماضي، حاولت بيبسي جذب العملاء الشباب من جيل الألفية. فقصفت جبهة كوكاكولا عبر نشرها ميمًا على صفحتها الرسمية في تويتر للإشارة إلى أن منتجها الجديد «بيبسي زيرو شوگر» أكثر جاذبية لمحبي «كوك زيرو شوگر».

فقد أعادت «كوكاكولا» صياغة تركيبة وصفتها مرة أخرى في مطلع صيف هذا العام، حتى تقدم نسخة أكثر لذة وانتعاشًا مع عبوات جديدة، ظهرت بالفعل في أوربا وأميركا اللاتينية. وصرَّحت الشركة في بيانها الصحفي الخاص بشأن النسخة الجديدة:

إدراكًا منا بأن الأذواق والتفضيلات تتطور دائمًا، فإننا نركز على التحسين المستمر لمنح العملاء أفضل مذاق يريدونه من مشروب الكوكاكولا بدون سكر أو سعرات حرارية

نعم، إنها جولة جديدة من «حرب الصودا» استخدمت فيها تصورات العلامة التجارية وارتباطاتها بالمذاق؛ بهدف إشعال فتيل الحرب بين قطبي صناعة المشروبات الغازية. لكن أرض المعركة هذه المرة هو «عالم المشروبات الغازية الخالية من السكر»، حيث يحاول عمالقة الصودا كسب ثقة الشباب من جيل الألفية، ممن ينجذبون إلى الخيارات الصحية في مشروباتهم.

ويذكر أنَّ ضمن تاريخ هذا التناحر بين الشركتين، أطلقت بيبسي مشروب «بيبسي ماكس» (Pepsi Max) عام 1993، الذي تحول إلى «بيبسي زيرو شوگر» عام 2015. بينما أطلقت كوكاكولا مشروب «كوك زيرو» (Coke Zero) عام 2005، الذي تحول إلى «كوكاكولا زيرو شوگر» (Coca-Cola Zero Sugar) عام 2017. 

واليوم، تأمل بيبسي أن يعيد التاريخ نفسه. وذلك عبر استدعائها لحظة هامة في تاريخ التسويق بالإشارة إلى فشل مذاق «كوك زيرو شوگر» الأخير، كما حدث سابقًا مع «نيو كوك» عام 1985. 

فقد خلقت الجائحة العالمية ساحة جديدة للعبة تصورات العلامة التجارية لدى جيل الألفية. وإذا ضاعفت بيبسي جهودها التسويقية فمن الممكن أن تتغلب على منافستها هذه المرة أيضًا.

ففي النهاية:

حتى المستهلك الذي لا يستخدم منتجاتك سيكوِّن ارتباطات وتصورات عنها، لذا عليك بذل مجهود تسويقي أكبر لإنشاء تصورات إيجابية فريدة عنها. على الأخص في حال التنافس مع منتج آخر شبيه بصريًا وماديًا ومعنويًا بمنتجك.

حتى لا تقع ضحية حرب التصوُّرات مثل كوكاكولا.

اشترك في نشراتنا البريدية

يمكنك أن تختار ما يناسبك من النشرات، لتصلك مباشرة على بريدك.

أهلًا بك صديقًا لنا،

وصلتك الآن رسالتنا الأولى على بريدك الإلكتروني.

إذا لم تجدها ابحث في رسائل السبام وتأكد من اتباع الخطوات التالية في حسابك على خدمة بريد «Gmail» حتى تُحررها من التراكم في فيض الرسائل المزعجة.


اقرأ المزيد في الرأسمالية
مقال . الرأسمالية

لماذا لا تنجح المشاريع الصغيرة؟

نتيجة تباطؤ أو توقف إنتاج المشاريع الصغيرة لن تحظى المنطقة بإنتاج محلي متنوع أو اقتصاد ديناميكي يجلب رؤوس أموال من خارجها، فما هي المشكلة؟
فؤاد عسيري
مقال . الرأسمالية

لِم لا يزال خط أرباح الشركات مسطّحًا رغم النموّ الاقتصادي في دول الخليج العربية

مجموع أرباح الشركات المدرجة عام 2005 بلغت 26.7 مليار دولار، ويتوقع أن يبلغ المجموع هذا العام أربعةً وعشرين مليار دولار مع تعافي الإقليم....
طارق فضل الله
مقال . الرأسمالية

صرف الأدوية باستخدام العملات الرقمية

يعاني مخزون الدواء في قطاع الصحة السعودي من هدر مالي وعجز في التموين، وحتى تُحل المشكلة نحتاج إلى تطبيق العملات الرقمية.
عهود بحاري
مقال . الرأسمالية

موجة اندماج المصارف الخليجية في وجه التحديات المستقبلية

تمرّ المصارف السعودية بموجة اندماج هي الرابعة تاريخيًّا. ففي اجتماع الجمعية العمومية في مطلع مارس 2021 صوَّت مساهمو بنكي....
أحمد الشهري
مقال . السلطة

كيف يرى الصينيون مستقبل العلاقات الصينية الأميركية؟

عندما بدا أن بايدن سينتصر على ترمب بناءًا على نتائج الاستطلاعات؛ تناقلت وسائل الإعلام الأميركي الكثير من التحليلات حول مستقبل العلاقات الصينية الأميركية..
محمد السديري
مقال . الرأسمالية

كيف سيطر «شي إن» على سوق «الجيل زد»؟

نجح «شي إن» في اكتساح سوق تجارة الأزياء الإلكترونية معتمدًا على «الجيل زد» كقاعدة مشترين، فيما تُثار الأسئلة حول مدى أخلاقية أساليبه.
رويحة عبدالرب