التسويق أهم من الاختراع نفسه

التسويق أهم من الاختراع نفسه

لمازن العتيبي
14 نوفمبر، 2018

من الصعب علينا، نحن، أبناء القرن الواحد والعشرين، أن نستوعب صعوبة الاعتناء بالمنزل تاريخيًا.

ولماذا نستوعب؟ فالأجهزة اليوم تحمل أغلب الثقل عنّا، وأصعب المهام تستغرق منّا ساعات معدودات. لكن هذه لم تكن تجربة أجدادنا، ولا أي جيلٍ سبقهم.

فمثلها مثل أي عملية قبل التقنية، كان تنظيف المنزل مهمةً شاقةً جدًا، قد تستغرق أحيانًا أسبوعًا كاملًا، وفيها اعتبارات لوجستيةٌ كثيرة. فأنت تحتاج لأن تكنس منزلك في موسمٍ معتدل الحرارة، غالبًا الربيع، لأنك ستضطر لفتح النوافذ حتى يخرج الغبار الذي كنست.

كذلك ستخرج أثاثك خارج المنزل، وستعلّق فراشك وبساطك على حبل، وستضربها كلها بالمكانس والعصي، حتى تنفض الغبار عنها. تخيّل الآن، كم قطعة أثاثٍ في البيت الواحد؟ وكم فراشًا وبساطًا تملك العائلة الواحدة؟ وكم عدد أفراد العائلة الواحدة في الماضي؟

كانت هذه هي طريقة التنظيف الوحيدة لكل البشر منذ فجر التاريخ، واستمرت هذه المعاناة إلى عام 1907. من الذي أنهاها؟ أنهاها فرّاشٌ أميركي كان قد يأس منها.

جيمس إم سبانگلر

في عام 1907، كان جيمس سبانگلر قد بلغ من العمر 60 عامًا، دون أن يحقق أي نجاح يُذكر

بالرغم من حب سبانگلر للاختراعات، إلا أن كل اختراعاته حتى ذلك الحين قد فشلت. كان قد جرّب أن يخترع حصّادة أكثر فاعلية، لكنّ تجربته باءت بالفشل. ثم أراد أن يجمع بين مجرفةٍ وميبسةٍ في جهاز واحد، ونجح في ذلك، إلا أنه فشل في بيع هذا الاختراع بعد أن أسس شركةً لتصنيعه وتسويقه. وتكرر نفس الشيء عندما اخترع مركبةً تجمع بين العربة والدراجة.

يجادل أحد المؤرخين بأن فشل سبانگلر كمخترعٍ لم يكن لأنه كان مخترعًا فاشلًا، بل لأنه لم يستطع أن يبيع اختراعاته بالشكل المناسب. وأميل شخصيًا لتصديق هذا التصريح، لأن المزج بين المجرفة والميبسة مثلًا، أصبح تقليدًا طبيعيًا اليوم، وما أكثر الشركات التي تبيع هذا المنتج الموفّر للمال والطاقة.

لا يهم، جهل سبانگلر بأساسيات التسويق، وأكوام الدَين التي تراكمت عليه، قادته إلى أن يكون فراشًا في متجر مبيعات ضخم. وإحدى مهامه في هذا المتجر كانت كنس أمتارٍ وأمتارٍ من السجّاد المتسخ. وكان يضطر أحيانًا -بسبب ثقل السجاد- أن يستخدم الطريقة التقليدية في التعليق والضرب لينظفه من الغبار بالكامل.

تخيل رجلًا في الستين من عمره ينفذ عملًا شاقًا كهذا. وتخيّل لو أن هذا الرجل كان مصابًا بالربو، ومحاطًا بغيوم الغبار يوميًا.

نعم، كان سبانگلر مصابًا بالربو، وكان أحيانًا يسعل دمًا إذا ما اشتد العمل عليه. شكلت هذه المشكلة خطرًا على حياته، ولأنه لم كن يستطيع الاستقالة خوفًا من الإفلاس، كان لابد عليه من ابتكار حلٍ ما، قبل أن تودي هذه السجادات المتسخة بحياته. فكان حلّه الأمثل هو الاعتماد على كانسة الغبار، وهي اختراع ميكانيكي بسيط، تتكون من فُرشتين متقابلتين في أسفل صندوق صغير، تحرّك فوق السجاد لتنظّفه. وبالرغم من اعتبار الكانسة اختراعًا حديثًا وقتها، إلا أنها كانت ابطأ في التنظيف من طريقة التعليق والضرب، وكان استخدامها عملًا مجهدًا لرجل بعمر سبانقلر.

وفي إحدى الأيام، وبينما كان يستخدم الكانسة، تسائل سبانگلر، ماذا لو ركّبت محركًا لتسريع العملية؟

قاده هذا التساؤل إلى تركيب محرك مروحةٍ قديمة في أعلى صندوق الكانسة، وربط المحرك بالفُرشتين باستخدام حزام جلدي. عندما جرّب الجهاز للمرة الأولى، كانت العملية فعلًا أسرع، إلا أنها خلقت أضعاف غيوم الغبار التي كانت تخلقها عملية التعليق والضرب. وهكذا عاد سبانگلر إلى نقطة الصفر.

إلا أنه لم ييأس، فكّر أكثر، واستوعب أنه بالإمكان امتصاص غيوم الغبار هذه، فركّب في الصندوق نفسه مروحةً صغيرة، هدفها إعادة تدوير الغبار بمجرد كنسه من السجاد. ثم ربط في عصا الكانسة غطاء وسادة قديم، هدفه احتواء هذا الغبار.

فشلت التجربة الأولى لهذا الاختراع عندما فجّرت المروحة غطاء الوسادة، إلا أنها أثبتت لسبانگلر أن فكرته، نظريًا على الأقل، قابلة للتطوير. بعد عدة تجارب أخرى، وتغييرات في نوع قماش الغطاء ونوع معدن المروحة، نجح سبانگلر في صناعة أول مكنسةٍ كهربائية صالحة للاستخدام المنزلي.

وبدل أن يقنع  سبانگلر بنجاحه المبهر هذا، ويستخدمه لتنظيف سجّاد المتجر، قررّ أن يراهن على حُلمه بأن يُصبح مخترعًا عظيمًا. فاستقال من عمله، واستدان من عائلته وأصدقائه مبلغًا من المال، وأسس شركةً لصناعة مكنسته الكهربائية.

وخلال الأشهر الأولى، تذكّر سبانگلر سبب فشله كمخترع حتى الآن، وهو أنه لا يستطيع أن يسوّق لاختراعاته بالشكل الكافي. كانت الشركة تُعاني لأن سعر الجهاز، بالرغم من جمال فكرته، أثنى العديد من الأشخاص عن التفكير في شرائه.

لكن، من يحتاج إلى خبرةٍ في التسويق إذا ما ملك قليلًا من الحظ؟

مسوق بالفطرة

بعد عدة أشهرٍ من المعاناة، كان سبانگلر قد باع عددًا قليلًا من مكانسه الكهربائية. إلا أن إحدى هذه المكانس قد بيعت لقريبة له تُدعى سوزان هوفر.

ولك أن تتخيل المشهد البسيط الذي تلى. سوزان، كغيرها من النساء اللاتي طلبن مكنسة سبانگلر هذه، تكنس منزلها بأريحية للمرة الأولى، وربما تدعو جارةً من جاراتها لمشاهدة هذا الاختراع العجيب، ثم تكمل باقي مهام البيت وكأن شيئًا لم يحدث. ترتّب وتغسل وتطبخ. وعندما يعود زوجها من عمله في المساء، ويعلّق على نظافة المنزل اليوم، تُعلّق سوزان بشكل عفوي: “اوه، هذا بسبب أداة التنظيف الجديدة التي اشتريتها من قريبي جيمس”. هذا التعليق العفوي سيغيّر التاريخ، لأن زوجها هذا، هو ويليام هوفر.

كان ويليام هوفر رجل أعمالٍ عادي. كان يملك مصنعًا للمنتجات الجلدية، ولم يكن المصنع نجاحًا باهرًا، خصوصًا مع انتشار السيارات ونبذ العالم للتنقل على الخيول، الخيول التي كان هوفر يبيع أسراجها في مصنعه. عندما سمع عن المكنسة الكهربائية، رأى هوفر فرصةً لتنويع تجارته، وإيجادٍ مصدر دخلٍ جديد للمصنع.

أما سبانگلر، فقد رأى في هوفر فرصةً لتفادي أخطاء التسويق التي ارتكبها سابقًا.

لهذا باع سبانگلر براءة اختراعه على هوفر مقابل مبلغ ماليٍ وفير، ووظيفة مرموقة في المصنع، ونسبةٍ من كل مبيعات مكنسته الكهربائية لخمسة وعشرين سنة قادمة.

وخلال السنة الأولى كان يبدو أن سبانگلر هو الرابح الأكبر في هذه الصفقة، إذ لم تنجح المكنسات الكهربائية مباشرةً، فسعرها الباهظ قليلًا جعل المشترين يتاسئلون: هل يحتاجونها فعلًا؟

لكن هوفر كان مسوقًا بالفطرة، لحل مشكلته هذه وضع إعلانًا ضخمًا في إحدى الصحف، قائلًا بأنهم يستطيعون تجربة المكنسة الكهربائية لمدة 10 أيام مجانًا. تواصل معه مئات الأشخاص يريدون هذه التجربة، وردّ عليهم هوفر جميعًا بأن مكنستهم الكهربائية قد أُرسلت لمتجر قريبٍ لهم. إلا أنه كان يحتاج أن يحفز أصحاب المتاجر على تسليم هذه المكانس أيضًا. فعرض عليهم نسبةً من كل مكنسة تُشترى بعد الأيام العشرة، وقال أيضًا أنهم يستطيعون الاحتفاظ بالمكانس التي تُرد دون أن تشترى.

نجحت مُقامرة هوفر، وسيطرت شركته على سوق المكانس الكهربائية في العالم، بل في بريطانيا وأستراليا، ارتبط اسم هوفر بفعل الكنس نفسه. فأصبح البريطان “يوهوفرون” سجاداتهم وأرضياتهم.

ولا تزال حتى الآن شركة هوفر إحدى أقوى الشركات في عالم المكانس الكهربائية.

أما المكنسة الكهربائية نفسها، فلم تتغير كثيرًا، حسّنت فاعليتها وصُنعت أنواعٌ أخرى منها، إلا أنها لا تزال تتبع نفس المنطق الذي خلقه لها سبانگلر في عام 1907.

استطاع فراشٌ أميركيٌ أن يُغيّر تقليدًا اتبعته البشرية منذ فجرها، وأن يخلق تقليدًا جديدًا استمر لقرنٍ بعد وفاته. فهل يستمر تقليده لقرنٍ آخر؟ أم أن فرّاشًا ما، في دولةٍ ما، يعمل الآن، في هذه اللحظة، على اختراعه الثوري الخاص؟


النشرة السريّة
النشرة انضم للآلاف من أصدقائنا السريين، وتصلك رسالة كل يوم سبت يشرف عليها فريق العمل كاملًا
×

×