قانون الرهن العقاري: تأكيدٌ على عجز الحكومة الإداري

فالرهن العقاري أحد الحلول التمويلية التي عادةً ما تكون طويلة الأجل، وبعيدًا عن بنك الائتمان. كما يفترض به أن يكون أداة لتخفيف الضغط

قانون الرهن العقاري: تأكيدٌ على عجز الحكومة الإداري / تصوير أحمد المطوع

6 يونيو، 2021

ثمة أمور تشبه الكلمات المتقاطعة، ويعجز التفكير المنطقي عن حلها. هذا بالضبط ما ينطبق على إعلان مجلس الوزراء عن مشروع قانون التمويل العقاري الجديد. 

فالرهن العقاري أحد الحلول التمويلية التي عادةً ما تكون طويلة الأجل، وبعيدًا عن بنك الائتمان. كما يفترض به أن يكون أداة لتخفيف الضغط على ميزانية الدولة المتخمة التي تعاني عجوزات حقيقية. لذا من العبث استخدام المنطق والتحليل في محاولة فهم المواقف الحكومية في حل مشكلات تفاقمت منذ أكثر من ثلاثين عامًا. لا سيما في ظل شح المعلومات وعدم اكتراث الحكومة بالدفاع عن مشروعها، أو شرحه على أقل تقدير.

الرهن العقاري مع تحرير الأراضي 

لذلك دون تشف، وفي محاولة للفهم، نقول إن:

قانون التمويل أو الرهن العقاري سيعجل في تفاقم الأزمة إذا لم يرافقه تحرير المزيد من الأراضي؛ لأنَّ مع التحرير ستزيد كمية المعروض على الطلب. ولا بد من سوق يستوعب الوفرة المالية الناتجة عن القانون في حال تطبيقه بطريقة صحيحة.

هذا بالطبع مع وجود ضوابط تحمي القانون، حتى لا يؤول مصيره إلى ما آل إليه كثير من القوانين التي استغلها البعض بشكل فاضح. 

لكن إن طبقت الحكومة القرار بدون تحريرٍ للأراضي، ستتضاعف أسعار العقارات وينتفي الغرض الرئيس من مشروع القانون الحكومي.

وبلمحة بسيطة على أسعار العقار في الكويت خلال السنوات الماضية، ندرك وجود مشكلة مستمرة. فمذ أقرَّ مجلس الأمة 2013 زيادة الكهرباء مع استثناء القطاع السكني، تحول القطاع إلى شقق مؤجرة، مما ساهم في زيادة الأسعار بمتوسط 35%. ناهيك عن عجز الدولة عن بناء المدن السكانية لأن الدولة لا تستطيع أن «تنتج بسكوت وتصدر نفط» كما قال المرحوم الدكتور أحمد الربعي. 

وبذلك يؤول مصير الدول المهيمنة على قطاعات الدولة إلى العجز عن الوفاء بالتزاماتها، وتصبح في نظر الشعب «مو خوش» مدير. وهذا ما تجلى واضحًا في الأزمة الإسكانية المستفحلة على مدى الثلاثين سنة الماضية.

دخول الحكومة في القطاع الخاص 

الحديث عن علاقة الحكومات بالقطاع الخاص، لا سيما في الأسواق المالية، حديثٌ عميق ومتشعب. ويمكن تجسيده بعنوان غلاف مجلة نيوزويك الأميركية في فبراير 2009: «نحن جميعًا اشتراكيون الآن».

أثار العنوان ضجة حينها، إذ عقَّب على قرار الحكومة الأميركية، تحت إدارة جورج بوش الابن ثم باراك أوباما، بالتدخل المباشر في السوق الأميركي. وجاء التدخل بغية إنقاذ شركات القطاع المالي والتأمين والسيارات من الإنهيار جراء الأزمة المالية العالمية آنذاك.

وفي الكويت، يزخر تاريخنا الاقتصادي بتداخل السياسة الحكومية في أعمال القطاع الخاص والأسواق المالية. كيف لا وهي المؤسس الأول لفكرة «الصندوق السيادي الاستثماري» قبل أكثر من خمسة وستين عامًا. فكرة ترمي إلى تعظيم إيرادات الدولة العامة وتنميتها عبر الاستثمار في الأسواق المالية والمشاريع المربحة والناجحة.

وكما أشرنا في ندواتنا ورسائلنا إلى السلطة التنفيذية في الجمعية الاقتصادية الكويتية:

«فمن المحزن أن درجة اعتماد الاقتصاد على النفط اليوم قد تزايدت، ودرجة ارتهان مستقبل الكويتيين به قد تضاعفت. فهو يشكل 60% تقريبًا من الناتج المحلي الإجمالي و94% من الإيرادات العامة. وهذا في ظل تراجع نسبة العمالة الوطنية من 34%؜ في الثمانينيات إلى أقل من 20% حاليًّا. فالقطاع العام يساهم بنحو 70% تقريبًا من حجم الناتج المحلي الإجمالي.» 

اعتمادٌ ليس له مثيل إذا ما قارناه «اقتصاديًّا» بدول العالم المتقدم، على الأخص بعد ثبوت عدم قدرة الحكومات على الإنتاج السلعي والخدمي. والتجربة الوحيدة حيث الحكومة هي المنتج الوحيد للسلع والخدمات نجدها في كوريا الشمالية.

هذا يدعونا إلى ضرورة تغيير الفكر الاقتصادي في البلاد، بحيث يرتكز على تقديم مزيد من المساندة للقطاع الخاص. وذلك عوضًا عن تقويضه والحد من نموه من خلال دخول الحكومة كطرف تنفيذي؛ بل يقع على الحكومة أيضًا دور أكبر في العمل على جذب الاستثمارات، المحلية المهاجرة أولاً قبل الأجنبية. لهذا كله، تحتاج العملية الاقتصادية إلى حصافة، والتفكير خارج إطار المألوف والسائد.

المطوِّر العقاري هو الحل 

نظام الرهن العقاري المقدم من الحكومة سيؤدي إلى حل مشكلة بنك الائتمان فقط. ولا يعني شيئًا سوى نقل الدين من بنك الائتمان غير القادر على التمويل إلى البنوك التجارية. فبنك الائتمان الكويتي لديه التزامات تمويلية بما يتجاوز 3 مليار دينار للمشاريع التي تم تسليمها (المطلاع، صباح الأحمد، ومدن أخرى). 

ومن المفترض بنظام الرهن العقاري أن يراعي أهم طبقة في النسيج الاقتصادي لأي دولة وهي فئة ذوي الدخول المتوسطة. وأن يعينهم على تملك مسكن خاص بدلاً من تأجير المنازل لسنوات دون تملكها. 

كذلك، وفي حال تطبيق القانون بشكل سليم (مع تحرير الأراضي) ستتوفر فرصة لإنعاش جميع الأنشطة المتعلقة بالمقاولات. ومن شأن هذا أن يحمل عبء التوظيف عن القطاع الحكومي في سوق شحيح الفرص ووسط أزمة اقتصادية طاحنة. أما المستفيد من فكرة الرهن العقاري في صورته الحالية فهم فقط البنوك وتجار العقار.

ولو تركنا المنطق الاقتصادي في مفهوم تحرير الأراضي جانبًا؛ فالمنطق لا يقبل بأن يعيش 4.5 مليون نسمة على رقعة جغرافية لا تتعدى 15% من مساحة الدولة الكلية، ومع توفر 85% يعاني سكان هذه الدولة من أزمة إسكانية!

فما هي الحلول مع تحرير الأراضي؟ وهل تستطيع الدولة بناء 250 ألف وحدة سكنية؟

حل هذه المشكلة، وباختصار، المطور العقاري. فلدى نشأة الدولة وتأسيسها، كان ضروريًّا أن تشارك الحكومة في التنمية الاقتصادية أوائل ستينيات القرن الماضي. فتولت الحكومة مهام القطاع الخاص لعدم أهليته وقدرته آنذاك. وأنشأت الشركات الحكومية التي كان لها النصيب الأكبر في عملية إعمار الكويت ووضعها في مصاف الدول المستقلة الحديثة.

إلا أن دور الحكومة في أي اقتصاد يتمثل في تأمين المناخ المناسب لتمكين القطاع الخاص من خلق فرص عمل جديدة للمواطنين.

إدارة اقتصادية خارج السائد  

ومما لا شك فيه، أنَّ دور الحكومات في العالم قد تغير وتطور، إذ لم تعد أميركا رأسمالية وما عادت الصين شيوعية؛ بل أصبحت السياسة العامة معادلة متوازنة بين السوق الحر العادل وبين الضمان الاجتماعي.

ونحن اليوم لسنا دعاة للخصخصة «المعلبة» التي سوقها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أو للنظام الرأسمالي الفاحش الذي أثبت محدوديته خلال العقد الماضي من الزمن. ولا ندعم أيضًا التجربة الكورية الشمالية. إلا أننا مدركون للحاجة الملحة إلى تغيير المناخ الاقتصادي في البلاد، والخروج عن الفكر السائد في إدارة البلد.

يقول أحد مستشاري الحزب الشيوعي الحاكم في الصين بأن الحزب لا يلتفت إلى التعريفات والمسميات، ولا يرهق نفسه بشرح ما إذا كانت السياسة شيوعية أم رأسمالية؛ بل المقياس الوحيد أن يكون اليوم أفضل من الأمس. لذلك فأي خلاف حول من سيؤدي دور المطور العقاري، الحكومة أم القطاع الخاص، سيدخلنا في متاهات التعريف والتطبيق. 

ما يهم في النهاية أن نعيش غدًا أفضل من اليوم.

عضو مجلس إدارة الجمعية الاقتصادية الكويتية

اشترك في نشراتنا البريدية
اقرأ المزيد في الرأسمالية
مقال . الرأسمالية

سوق العمل في الربع الثالث، متى ينتهي شبح أزمة البطالة السعودية؟

تعج مواقع التواصل الاجتماعي بقصص الكثير من السعوديين ممن تغلبوا على أزمة البطالة بحلول مؤقتة، كبائع الشاي على الطرقات والجامعية التي امتهنت تجارة الخضار في

إيمان الحسين
بودكاست أرباع . الرأسمالية

الخليج العربي، بين مصارع الاستدانة وتسييل الأصول

لعل أكثر ما يلفت الانتباه في الآونة الأخيرة، توجه بعض حكومات الخليج العربية إلى الاستدانة، أو رفع سقف دينها. ولا شك أن هذا التوجه نابع

عبدالله السلوم
مقال . الرأسمالية

كيف يراهن الصندوق العقاري على حل مشكلة الإسكان؟

طوال العقود الماضية، سيطر الطابع الاستهلاكي بشكل كبير على السعوديين، وهذا ما تظهره أرقام ونسب تمويل القطاع البنكي. حيث شكلت القروض الاستهلاكية ما نسبته 85%

عبد الله الربدي
مقال . الرأسمالية

التسعير النفسي

حين تذهب في زيارة إلى مكتبة جرير أو إكسترا وتمرّ على الكثير من البضائع ستلاحظ وجود أنماط مكررة في أسعار البضائع وسترى الرقم 9 كثيراً، فألعاب الفيديو تكلف 269 ريال أو 149 ريال وجهاز الـ XBOX One يكلف 999 ريال، أما في البضائع الأغلى قليلاً قد ستجد فرق 50 ريالاً مثل تلفاز بـ 1950 ريال، هذا النوع من الأسعار يتم وضعه بناءً على ما يسمى بالتسعير النفسي.

ثمود بن محفوظ
مقال . الثقافة

«المعذرة، اشتقنا لك» الأسرة في منظومة التشوهات الرأسمالية

بنبرة من الأسف والأسى على عالم جميل ينتهي، كتب عالم الاجتماع الفرنسي، ألان تورين، في منتصف السبعينيات: «كقصرٍ من الرمال يطيح به المد، ينهار المجتمع

محمد السعيد
مقال . الرأسمالية

ألم الدفع

هل سبق أن ذهبت لأحد محلات القهوة مثلًا وتفاجأت أثناء وقوفك لدفع فاتورة مشترياتك بنسيان محفظتك في السيارة أو البيت؟ لقد حدث معي هذا الموقف المحرج عدة مرات أنسى فيها البطاقة البنكية، حيث لا أستخدم الأوراق النقدية منذ سنين.

أيمن اليحيى